من قال إن الثورة السورية بلا مساوئ؟ لقد خلت، بسببها، ساحة الدراما السورية من النجوم، هاجر نجوم الدراما كل في طريق، إلى مصر أو دبي أو بيروت، هكذا لم يجد مسلسل «نبتدي منين الحكاية» إلا الممثل غسان مسعود (مواليد 1958) ليلعب دور الفتى الأول في المسلسل.
مسعود كان من قبل بالكاد يحظى بدور من الدرجة الخامسة، فكيف حدث أن صار أقرب إلى بطل وحيد، حيث يلعب دور الدون جوان، العاشق، الذي تقع في حبه كل عين رأته، ويغار منه حتى ابنه الشاب، بل ويقرّ أنه لا يستطيع مجاراته في كار العشق.
غاب فتيان الشاشة، انكفاءً، أو لأنهم التحقوا بأعمال عابرة للأقطار، تيم حسن، باسل خياط، مكسيم خليل.. ففرغت الشاشة لمسعود، والنساء الواقعات في غرامه.
لا يجد المرء ما يصف به حال الممثل الذي وجد نفسه يحلّ محلّ الأبطال الغائبين، الذين كانوا يوماً تلامذته، إلا تلك العبارة الشكسبيرية «ممثل مسكين، يستشيط ساعته على المسرح، ثم لا يسمعه أحد»، في قلب حكاية «ملؤها الصخب والعنف، ولا تعني أي شيء».
«الكندورة فوبيا»
موظفة فندق أمريكية حمقاء رأت في لباس مواطن إماراتي تقليدي زياً إرهابياً داعشياً، فما كان منها إلا أن أبلغت الشرطة بأن الرجل قد بايع التنظيم. هكذا حصلنا على أفظع فيديو مهين لمواطن عربي، يلخص الصورة الأصلية لما هي عليه علاقة الغرب بالعرب والإسلام.
لن يخجل الأمريكيون من تلك الواقعة، فهي مصورة بكاميرا شرطي كان من بين أفراد الدورية التي قيّدت المواطن الإماراتي وفتشته بدقة إلى أن أغمي عليه، هو المسافر إلى الولايات المتحدة من أجل علاج من جلطة ألمّت به. لن يخجل الأمريكيون من حماقة تصوراتهم، إذ ماذا على الإماراتيين أن يفعلوا غير ما فعلوه لمدنهم لتبديد تلك الصورة النمطية في عقل الغرب! أبراج ومتاحف وتلفزيونات ومعارض ومهرجانات سياحة وسينما، وبخصوص اللباس الكل يرى كيف غزت «فلاي إماريتيس»، شعار «طيران الإمارات» كل مكان في الغرب بشكل لا يصدّق.
اعترضت الإمارات على الفيديو المهين، الذي يعود إلى التاسع والعشرين من الشهر الماضي، اعترضت بعد أن غضب الإماراتيون وأشعلوا وسائل التواصل الاجتماعي، فاستدعت نائب السفير الأمريكي للاحتجاج. لكن ما حكاية ذلك التحذير للمواطنين الإماراتيين بتجنب ارتداء اللباس التقليدي أثناء السفر! بعد أن كنا نظن أن مواطني ذلك البلد سيصبحون أكثر اعتزازاً بلباسهم التقليدي. لماذا تريد دولتهم أن تعزز هذه الصورة البلهاء، التي قد لا نجدها إلا في عقل موظفة في قرية صغيرة في أوهايو، الصورة التي يمكن أن نسميها «الكندورة فوبيا» (الكندورة هو اسم اللباس التقليدي الإماراتي)؟!
نخشى أن يحدث لهم (ولنا عموماً) ما حدث لذلك الرجل الذي كان يخشى الناس فيهرب منهم، معتقداً أنه حبة قمح، وأن الناس دجاج، وبعد أن خضع لعلاج نفسي قال «حسناً، لقد اقتعنت الآن أنني لست حبة قمح، لكن من يقنع هؤلاء بأنني لست كذلك»!
شيرين تغني مصر السيسي
«تحيا مصر»، هكذا تردد شيرين عبد الوهاب في أغنية جديدة من تأليفها وألحانها. وفيها تحشر ذلك العدد الكبير من صنّاع مصر وتاريخها، أم كلثوم، عبدالحليم حافظ، سعاد حسني، اسماعيل ياسين، أحمد زكي، عمر الشريف، عبدالرحمن الأبنودي، فؤاد المهندس، أحمد زويل.
لكن كل تلك الأسماء لم تكن على ما يبدو إلا من أجل صورة واحدة ستظهر هنا هناك، حين تذكر كلمة «الأمل»، أو «البطل»، هنا ستكون الشاشة للرئيس عبد الفتاح السيسي.
تسوق شيرين صوراً أخرى لجمال عبدالناصر وأنور السادات، غير أنها تأتي كحجة لتقديم صورة «أملها بطلها» الأحب، السيسي.
لن تنطلي الأغنية علينا أيتها المغنية السيسية حتى العظم، سنقول معك بالفم الملآن، ومن أعماق القلب «تحيا مصر»، لكن ليست مصر السيسي، وحاذري أيضاً وأنت تمجّدي «هواها وميّتها» في عهده، فلم يكن الهواء حامضاً كما كان في ظله.
ثم ماذا عن التحية التي وجهتها شيرين في الأغنية للبلدان العربية؟ هل علينا أن نختصر صورة العرب ببلدين فقط، بل بزعماء بلدين كلما ظهرت كلمة العرب، هما السعودية والإمارات! أم أنها الصورة التي يريدها السيسي من أيام شعار «الفلوس عندهم زي الرز»!
علينا أن نحذر دائماً الأغاني الوطنية، إنها خادعة حقاً، هذا نموذج صريح، أغنية تقول «تحيا مصر»، وفي العمق تعني «يحيا السيسي».
حكم البزنس
ماريا معلوف المذيعة اللبنانية المعروفة، وفي مقابلة مصورة معها تقول إنها تؤيد السيسي، ودولته «السنّية»، كما تسمّيها، في وقت تعلن كرهها لبشار الأسد، وتأييدها لـ «الجيش السوري الحر» الذي ذهبت بمعيّته إلى ريف دمشق والتقت الناس هناك. يصعب أن يفهم المرء هذا الاختلال، أن ترفض طاغية هنا، وتؤيد طاغية هناك، ولكن بالنظر إلى الحجج التي قدمتها لتأييدها للسيسي، والتي تتلخص بدعم الخليج له، سنرى أن المسألة ليست انحيازاً للعدل والديمقراطية، فقد يكون كل ما في الأمر أنه حكم «البزنس».
كاتب من أسرة «القدس العربي»
راشد عيسى