غد بريمر المرجو… أو تجربة رجل فاشل

سيلتبس الأمر على القارئ وهو بين صفحات كتاب «عام قضيته في العراق.. النضال من أجل غد مرجو» لبول بريمر، الذي نصبته الولايات المتحدة حاكما على العراق بعد الغزو.
فحين يتحدث بريمر عن العشاء الأخير مع العائلة قبل التوجه إلى بغداد، يحكي كيف قدم له ابنه بول (الرابع حسب ترتيب العائلة) هدية هي عبارة عن حذاء يشبه ما يرتديه العسكريون، مع ملاحظة أن (يذهب ويركل مؤخرة أحدهم).
من الناحية الدرامية تبدو القصة إلى حد بعيد مختلفة من أساسها، فالمحرر كان يحكي عن تفكير بريمر في ما سيرتديه من ملابس أثناء مهمته في العراق ووقوفه أمام مشكلة الأحذية الرسمية التي لن تصمد في بغداد، ليجد بصورة تخاطرية الابن وقد أهداه ذلك الحذاء الثقيل الذي رزح تحته العراق لفترة من الزمن وما زالت آثاره على أرض الرافدين غائرة (لم يعف رسمها)، لبول الصغير، الذي يرأس واحدة من شركات التكنولوجيا أن يطمئن، فوالده ركل بلدا عظيما بأكمله.
العراقيون لم يتخيلوا أن يتواصل سقوطهم الحر لكل هذه السنوات، لا أحد منهم يعرف أصلا متى بدأت رحلتهم مع الهاوية، مع سايكس- بيكو والعراق غير الطبيعي والملتبس مثل غيره من منتجات الزفير الأخير للعصر الاستعماري، أم من ساحة قصر الرحاب 1958 وانطلاق بروتوكول الدماء، أو استئنافه في تاريخ العراق، هل كانت الهاوية تفغر فاها فجر الثاني من أغسطس 1990 وفوهات الدبابات العراقية تضيع طريق القدس في كثبان الكويت؟ أم أن ملامح الهاوية كانت ترتسم كاملة وبوضوح مع بريمر وحذائه الثقيل.
بريمر يمثل كما وصفه نيوت جينجريتش، رئيس مجلس النواب الأمريكي السابق، أكبر كارثة للسياسة الخارجية الأمريكية في العصور الحديثة، ففي زمن قياسي عمل على تفكيك الدولة العراقية وإلقائها بين الذئاب الطائفية والجهوية والزعامات الهشة التي تكالبت على الأمريكيين، وقدمت نفسها بصفتها الوكيل والشريك، فتواثبت لتنهش ثروات العراق، وكان بريمر يصمم نظاما قائما على الفساد والإفســـاد، ما زال إلى اليوم يمـــثل أرضــية لحالة انعدام الثقة بين جميع مكونات المشهد العراقي ويغذي حالة العداء الدائم بين العراقيين بعضهم لبعض، وبين العراقيين وجيرانهم، وبين العراقيين وفكرة المستقبل ذاته.
مؤسسة الفساد العراقية أصبحت من القوة والتجذر بحيث تتطلب ثمنا باهظا من أجل تفكيكها وهزيمتها، ربما يكون الثمن وحدة العراق الذي نعرفه، العراق الضروري بوحدته وتماسكه من أجل ما تبقى من المنطقة، فالعراق ما زال يمثل البوابة الشرقية، وخطيئة صدام حسين في غزو الكويت لا تغير من هذه الحقيقة في شيء، فالعراق ضروري لأمن واستقرار الخليج وسوريا والأردن ومصر، وربما يستفيد القراصنة في الحكم والإدارة العراقية من الوضع القائم، وهم متيقنون من أنهم يمتلكون موقعا حصينا في المساومة والصراع على مستقبل العراق، يستثمرون عقيدة الخوف لدى الجميع.
«جميعنا نتحمل المسؤولية، جميعنا نساير، جميعنا نكذب، جميعنا نسرق، جميعنا نأخذ رشوة، ومن يقول غير ذلك يكذب، أقسم بالله أعرف قصصا لو يعلمها العراقيون لدخلوا إلى المنطقة الخضراء وأحرقوها، لكنني سأقتل إن تكلمت». هكذا تحدث مشعان الجبوري الذي كان مسؤولا عن محاربة الفساد في العراق، وأضاف بأنه تحصل على بضعة ملايين رشوة لإغلاق أحد ملفات الفساد، وفي حديث لـصحيفة «الغارديان» البريطانية ينفي إغلاقه مع اعترافه بالرشوة، بينما يقر بعد ذلك بتصريحات متلفزة بإغلاقه للملف موضوع الرشوة.
هذه المقدمات تبدو جزءا من تفسير الاستقبال الساخن والطرد الغاضب لرئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي من منطقة الكرادة، أثناء تفقده لآثار التفجير الإرهابي الدموي الذي أسفر عن مقتل المئات من المواطنين الأبرياء الذين قصدوا المنطقة الحيوية من أجل التسوق والترفيه عن النفس. تعامل المحتجون الغاضبون من أهالي المنطقة وذوي الضحايا بعنف عنيد مع موكب الرئيس الذي رشق بالحجارة والأحذية، وكأن تاريخ العراق يمكن أن يؤرخ في أحد جوانبه، للأسف، بالأحذية، من الطنبوري إلى عدي ومن بريمر إلى بوش.
ما يمكن ملاحظته بوضوح هو النفس الانتقامي في التعامل مع الموكب غير المرحب به، فالمحتجون هاجموا السيارات بصورة مباشرة وضربوا زجاجها بالحجارة الثقيلة وركلوها بأقدامهم، والأمر لا يقتصر على إدانة التقصير في المجال الأمني، بما أدى إلى الحادثة المرعبة، ولكنهم يحملون مسؤولية كل ما يجري في العراق للحكومة التي ليست إلا إطارا شكليا يحافظ على صورة الدولة لتبقى على الأقل موضوعا للفساد والنهب الجاري، فبدون دولة لن تكون ثمة عقود لا أساس لها، ولا مشاريع لم تقم لها قائمة على الإطلاق، بدون دولة لن يصل الفساد إلى خانة عشرات البلايين.
ضمن سباب ولعنات المحتجين، كان أحدهم يتحدث عن صلب المشكلة (نشالة.. حرامية.. بس على الفقير)، فكل السلوك المافياوي لقطـــاع من الســـاسة العراقيـــين يتحول إلى فشل ذريع في مواجهة تحديات الإرهاب، والفقير هو الذي يدفع الثمـــن، والفقـــر في العراق ليس فقط تعبيرا عن حالة العوز المادي أو استغلاق آفــاق العيش الكريم أمام الفرد العـــراقي، ولكنه وصف لكل ما يقع خارج المنطقة الخضراء، منطقة أصحاب الحظوة والمدللين، المنطـــقة الخضراء التي كانت أقصى حدود النجاح الذي حققه بريمر على مقاسه الشخصي، فبلاده لم توفق في اختيار قائد فعلي وصاحب خبرة، ولكنها استدعت نكرة من الدبلوماسيين المحدودي الموهبة والمنجزات لتسلمه أخطر موقع في الشرق الأوسط، أما العراق فبقي في منطقة حالكة وبائسة تتراكم على كتفيه الخطايا والأخطاء.
العراقيون جربوا مرارا وتكرارا الانبعاث من ظروف مريعة، من الخراب الكامل، ولكنهم أيضا أثبتوا أنهم لم يتعلموا الدرس، ربما كان موقعهم على ما يسمى بالبوابة الشرقية سببا لذلك، التوتر القائم بين الفرص والمخاطر أرهقهم تاريخيا.
البوابة الشرقية مصطلح اكتسب صيتا سيئا لكثرة استخدامه من نظام صدام حسين لتبرير سلوكه على المستوى الداخلي والإقليمي، ولكن ذلك، ومرة أخرى، يجب ألا يجعل المصطلح ذاته يتغيب عمن يحاولون إنقاذ ما يمكن إنقاذه من المنطقة، ويجب أن يوضع في الاعتبار وضمن الأولويات القصوى، فطريق الإصلاح في المنطقة، إن كان ثمة طريق فعلا، يجب أن يبدأ من النقطة التي شهدت بداية الخراب.
حتى لو جرت إزاحة «داعش» من المشهد فإن العنف في العراق سيبقى احتمالا مفتوحا وعلى مصراعيه، ذلك أن التحشيد الطائفي تجري تغذيته من مئات آلاف الشباب والمراهقين الذين تخلت عنهم الدولة، واعتبرتهم مجرد أرقام في لعبة التحايل التي مارسها بعض السياسيين الذين انفصلوا كلية عن المجتمع العراقي وتعمدوا على يدي بريمر وتجربته.
المشكلة لا تنحصر في بريمر وحده، ولكنها تمتد لتجعل الجميع في موقع الشك تجاه قدرة الأمريكيين على رؤية العالم خارج الأوهام المؤسسة لسياستهم الخارجية التي ضربت عرض الحائط بكل وقائع التنوع والتعدد في المجتمع الأمريكي وانحازت فقط، وبكل حماس وعماء، لصورة راعي البقر الذي تطور مع الوقت ليصبح جندي المارينز الذي يرتدي حذاء ثقيلا.

٭ كاتب أردني

غد بريمر المرجو… أو تجربة رجل فاشل

سامح المحاريق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية