في السياسة البريطانية… عندما سُحِبت الخناجر

حجم الخط
0

كم هي السياسة قذرة.. وكم المصالح الشخصية هي التي تحكم السياسة في النهاية وليس المصلحة العامة. والاقذر من السياسة هم أولئك السياسيون المستعدون للدوس على كل من يقف في طريق تحقيق أغراضهم الشخصية.
ولا فرق سواء أكان هذا السياسي في تومباك تو أو واشنطن أو حتى بريطانيا التي يفترض ان تكون مهد الديمقراطية الحديثة.
وما شهده هذا البلد خلال الحملات الدعائية التي سبقت الاستفتاء على البقاء أو الانفصال عن اوروبا، وما يشهده بعد التصويت الكارثي على الطلاق القطعي مع بروكسل، الذي ستظل تبعاته تتدحرج ككرة الثلج، ربما لسنوات مقبلة، خير دليل على ذلك.
فقد احدثت الحملات الدعائية التي هبطت إلى مستويات غير معهودة في هذا البلد.. حالة من الاستقطاب الذي لن أصفه بالسياسي فهو ليس كذلك، وشقت بريطانيا طوليا على نحو لم تشهده من قبل، اختفت فيه الحواجز الحزبية.. وحتى الأسرة لم تسلم من الاستقطاب. أما الاحزاب فحدث ولا حرج، لاسيما الحزبين الرئيسيين المحافظ بقيادة ديفيد كاميرون والعمال بزعامة جيرمي كوربن.
صحيح أن الانشقاق الفعلي لم يقع بعد، ولكنه قاب قوسين أو أدنى، خاصة في العمال الذي وقع 172 نائبا من نوابه الـ212 على عريضة سحب ثقة من زعيم الحزب لاسباب لا علاقة لها بنتائج الاستفتاء، الذي لم يكن اصلا معركة الحزب، بل اتخذوه ذريعة للانقضاض على كوربن لاسباب عدة سنأتي على ذكرها لاحقا، ويطالبون باستقالته وفتح المجال أمام شخصية أخرى قادرة على توحيد الحزب وقيادته نحو الفوز في الانتخابات المقبلة، حسب زعمهم.
وانشق حزب المحافظين وحكومته.. بين مؤيد للبقاء يقوده زعيم الحزب كاميرون وعدد من كبار الوزراء والشخصيات الكبيرة ذات الوزن، وآخر يريد الانفصال.. وأصبح رفاق الأمس أعداء اليوم وربما غدا، بعد أن وصل مستوى الحملات الدعائية إلى الحضيض.. ويبحث الحزب بعد استقالة كاميرون، عن شخصية «سوبر» تكون قادرة على توحيد الصفوف ورأب الصدع الذي لم يواجهه هذا الحزب ربما في تاريخه. ويرجح أن تفوز وزيرة الداخلية تريزا مي بهذا المنصب بعد ان حصلت أول من أمس، على تأييد معظم النواب، وهي في انتظار تصويت أعضاء يوم الخميس.. وتنافسها اندريا ليادسون.. وباختصار فإن رئيس الحكومة الجديد سيكون امرأة لتكون الثانية في تاريخ بريطانيا بعد مارغريت ثاتشر.
هذا هو الوضع العام في بريطانيا منذ الإعلان عن نتائج التصويت الصادمة لصالح الانفصال بنسبة ضئيلة (٪48.1 و٪51.9 ) صبيحة 24 يونيو الماضي. ما شهدته بريطانيا خلال الأشهر التي سبقت التصويت وما تعيشه بعد إعلان النتائج، هو مسرحية شكسبيرية بامتياز، تذكرنا بأشهر قصص الخيانة في التاريخ.. بدأت وانتهت بسحب الخناجر والطعن من الخلف بين أصدقاء الأمس على طريقة بروتس، الذي صوب خنجره نحو ظهر قيصره يوليوس الذي يعتقد بانه كان والده وكان يحبه حبا جما وقلده أرفع المناصب ورفعه الى أعلى المقامات. فقال يوليوس لبروتس وهو يلفظ أنفاسه الاخيرة عبارته الشهيرة «حتى أنت يا بروتس» فراحت مثلا يردد في حالات خيانات الاصدقاء.
بدأ الإعداد للمسرحية في العام الماضي، خلال حملة الانتخابات النيابية في مايو 2015، بوعد من كاميرون باجراء استفتاء حول عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي. ورغم انه لم يكن ملزما باجراء استفتاء سيكون الثاني من نوعه، الاول على العضوية جرى عام 1975، الا أنه اضطر لهذه المجازفة بسبب المخاوف من فقدان كثير من الشعبية لصالح الحزب اليميني، حزب «الاستقلال البريطاني» (يوكيب)، بعد ان فقد نائبين لهذا الحزب الذي يتمحور برنامجه حول قضية واحدة… الحد من الهجرة بشكل عام وحرية الحركة لمواطني دول الاتحاد، خاصة حديثة العضوية كرومانيا وبولندا.
وبعد الفوز بأغلبية إجمالية خلافا لانتخابات 2010 ، الامر الذي اضطره لتشكيل حكومة ائتلافية مع حزب الديمقراطيين الاحرار، أكد كاميرون انه سينفذ وعده بالاستفتاء وحدد موعدا له (23 يونيو 2016) وبدأ تحركه للحصول على تنازلات من اوروبا، وحصل بالفعل على بعضها، لضمان الفوز في الاستفتاء الذي كانت استطلاعات الرأي في البداية ترجح فوز دعاة البقاء باغلبية مريحة وصلت الى ٪ 15.
ولم تجر الرياح كما اشتهى كاميرون والمنادون بالبقاء، لاسباب عدة، منها اسلوب التخويف والترويع من العمالة الرخيصة القادمة من اوروبا الشرقية، التي ستحرم البريطانيين من الوظائف، تلك الدعاية الكاذبة والزائفة، التي وجدت آذانا صاغية لاسيما في اوساط البسطاء، يضاف اليها النعرة القومية واستعادة السيادة والسيطرة على الحدود.. ومزاعم وأكاذيب قادة الخروج حول توفير ما قدره 350 مليون جنيه اسبوعيا تدفعها بريطانيا لاوروبا، لانفاقها على الخدمات الصحية.
هذه هي الحكاية في ظاهرها من البداية..
واليكم بعض الممثلين الرئيسيين على خشبة المسرح:
٭ كاميرون: وعد بالاستفتاء ووفى.. فطعنه صاحبه المرشح لخلافته بوريس جونسون عمدة لندن السابق والنائب الحالي بالوقوف ضده.. استقال كاميرون وكان أول القافزين من على متن السفينة واستقال من منصبه ليطعن الحزب والبلد ويتركهما في «حيص بيص» ويلقي بكاهل المرحلة المضطربة على ظهر صديقه الخائن بوريس جونسون.
٭ جونسون عمدة لندن ذو الأصول التركية والصديق غير الصدوق لكاميرون.. ذو شخصية هزلية كرتونية، وكان طفل الحزب المدلل ويتوقع له ان يكون زعيمه المقبل. كان قلبه مع البقاء وعقله مع الانفصال.. فداس على قلبه وعلى صديقه.
وفتحت نتائج الاستفتاء التي تفاجأ بها، الباب على مصراعيه امامه، الى أن طعنه صديقه وحليفه الرئيسي في الجماعة الانفصالية وزير العدل مايكل غوف، بسكين فقضى على احلامه بين ليلة وضحاها.
وأستعين بما قاله اللورد هزيلتاين الذي كان وزيرا في عهد ثاتشر، عنه «كان يدرك أن مصلحة بريطانيا تكمن في البقاء ولكن كان لمصلحته ان يقول غير ذلك. جونسون قطّع اوصال الحزب.. وخلق اكبر ازمة دستورية في التاريخ الحديث، وادى الى خسارة بلايين الجنيهات من مدخرات الشعب… ان ولعه بالأنا «ايغو» وطموحه وغروره كانوا بلا حدود، فدفع البلد نحو المجهول».
٭ مايكل غوف قاده طمــــوحه الى خيانة حليفه، وقبل أقل من ساعة من إغلاق باب الترشــــح أغمد خنجره في ظهره وقال إنه لا يصلح لان يكون رئيسا للوزراء وانا البديل… وفي النهــاية خانه مؤيدوه هزم في انتخابات الحزب، فـ«لا طال بلح الشام ولا عنب اليمن».
٭ نايجل فراج رئيس «يوكيب» عضو في البرلمان الاوروبي عن بريطانيا، كان وراء الاستفتاء ومن دعاة الطلاق مع اوروبا، ولعب دورا حاسما في ترهيب الناس من المهاجرين.. وعندما تحققت أمنيته التي شارك في تأسيس حزبه من اجلها عام 1993، وجد نفسه ايضا خارج اللعبة، فاختار الهروب بالاستقالة من زعامة حزبه للتفرغ لحياته الشخصية كما زعم.
٭ كوربن زعيم حزب العمال، أيد البقاء.. وبدلا من ان يلتف نواب الحزب حوله ويستغلوا هذه الفرصة السانحة للانقضاض على المحافظين وهم في اضعف حالاتهم، خانوه وانفضوا من حوله لغرض في نفس يعقوب، وطالبوه بالاستقالة.. وهو يرفض حتى الان ويقاوم ويؤكد ان شرعيته تأتي من القاعدة الحزبية التي صوتت له ( 63 ٪) وهي نسبة لم يحظ بها زعيم في السياسة البريطانية.
وناصبه العداء عدد كبير من نواب اليمين في الحزب والمحسوبين على رئيس الوزراء الاسبق توني بلير، منذ اليوم الأول من انتخابه في سبتمبر 2015. فاستقال العديد من وزراء الظل (الحزب المعارض في بريطانيا يشكل ما يسمى بحكومة ظل المعارضة للحكومة وهذا متبع في بريطانيا) بسبب سياساته التي تنسف سياسات الحزب التقليدية لا سيما في عهد بلير. كما تنسف سياسات المؤسسة الحاكمة ككل.
فكوربن هو من الشخصيات التي قادت حملة مناهضة الحرب في العراق عام 2003
وعارض وهو زعيم الحزب قرار الانضمام الى التحالف الدولي ضد «داعش» والمشاركة في عمليات القصف الجوي في الاراضي السورية. وهو مع نزع السلاح النووي ويعارض شراء غواصات نووية ستكلف دافع الضرائب حوالي 100 مليار جنيه.
وهو ضد سياسة «التقشف» التي تفرضها الحكومة على حساب الفقراء والمعوزين، وضد تعويض خسائر البنوك على حساب دافع الضرائب، وهذا ليس سوى غيض من فيض.
ولهذه السياسات يريد معظم المستقيلين التخلص منه.. فحتى رئيس الحكومة المعارضة تدخل وعلى نحو غير معتاد، وطلب منه الاستقالة.
يضاف لما تقدم موقف كوربن المؤيد للقضية الفلسطينية والمعارض بشدة لسياسات الاحتلال، وهو من قاد الحملة في مجلس العموم لاستصدار قرار بالاعتراف بدولة فلسطين. ويعمل السفير الاسرائيلي في لندن من وراء الكواليس وعبر المنظمات الصهيونية واصدقاء اسرائيل في اوساط نواب الحزب، للضغط عليه باتهامه بالتقصير في مواجهة معاداة السامية المتفشية في الحزب على حد زعمه.. فهل هنا تكمن المؤامرة؟

٭ كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»

في السياسة البريطانية… عندما سُحِبت الخناجر

علي الصالح

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية