الذئاب المنفردة ونيس الجميلة

حجم الخط
1

لم أكن قد حسمت أمري تماماً للنزول إلى حفل الألعاب النارية المقرر على ضفة السين في هذه البلدة في ضواحي باريس في 14 يوليو، ذكرى سقوط سجن الباستيل الرهيب.
قلت لنفسي إنه مجرد حفل ألعاب نارية، وقد تكون مشاهدته من نافذة المنزل أكثر إمتاعاً. الصدفة وحدها أخذتني إلى الدوار القريب، المفضي إلى ضفة النهر، حين شاهدت اندفاع الناس إلى المكان لم يكن ممكناً البقاء في البيت، قررت الانضمام وعائلتي إلى الجموع.
كان مساءً رائقاً بالفعل. عند الدوّار شهدتُ كيف أن الناس تدفقوا راجلين من كل شوارع البلدة، كل أسرة على حدة، وغالباً تجد مع العائلة طفلاً محمولاً، على كتفي الأب أو الأم. تجمّعَ الناس على ضفة النهر، كان نصف قمر أضاء الماء، والقواربَ البيضاء الراسية القريبة وسط النهر. سلسلة طويلة من الناس احتشدت فوق الجسر، أرادوا أن يطلّوا من مكان عال على مشهد الألعاب النارية.
مشينا، عائلتي الصغيرة وأنا، إلى ضفة النهر، يداً بيد مرةً، ومرة وأنا أحمل صغيري على كتفيّ، أو محتضناً إياه، مثرثرين كل الطريق عن القمر والنجوم والقوارب. ولعلنا استعدنا أغنية فرنسية للأطفال تعلمناها هنا تقول «يا قاربي الورقي، عد وخذني، أريد أن أسافر».
كان مساء سعيداً، ولا أجمل. صورة الحشد اللطيف في الساحة حملتني إلى أثينا القديمة، عندما كان الناس يجتمعون في مكان، كلُّ، مع زوّادته، على حجر، من أجل مشاهدة عرض مسرحي. إنها أوقات رخية، لا ترمي إلى فحوى ما، لحظات لا يعود معها المسرح نفسه، أو السينما، أو الأغنية وما ستقول، هو المهم، بل هذا التدفق والاجتماع اللطيف للناس، اللقاء والمشي والضحك والكلام المتطاير والهمس الليلي والأنفاس المخطوفة مع الأشكال الضوئية البديعة في سماء السين. كل ذلك، خصوصاً اجتماع الناس في الساحة، له معنى المدينة، أثينا كانت، أم باريس، أو نيس، حيث ضربت شاحنة الفرنسي التونسي محمد لحويج بو هلال، الأب لثلاثة أطفال، والبالغ من العمر إحدى وثلاثين سنة. الشاحنة التي استطاعت، من على بعد ألف ميل، أن تدمّر المساء كله. قارباً قارباً، قمراً قمراً، نجمة نجمة… الخ.

منطق لصوص البناطيل

مدينة نيس، ربما أكثر من أي مدينة فرنسية أخرى، تشكل مقصداً سياحياً استثنائياً، ما يضيف إليها معاني فوق معنى المدينة. وكان بديهياً أن يقضي في الاعتداء هذا الكم من الأجانب، من بينهم مواطنو القاتل التونسي، بالإضافة إلى جزائريين ومغاربة. لكن أغرب ما في الأمر أن المدينة السياحية الأولى هي كذلك المركز الرئيسي لتجنيد المتشددين في فرنسا. فقد سافر العشرات من السكان المسلمين في المناطق النائية البعيدة عن شوارع البلدة القديمة في نيس إلى سوريا في الأعوام الأخيرة للمشاركة في القتال. وهي تعتبر المدينة الأكثر تضرراً من ظاهرة الجهاديين. أما السبب فيعود إلى متشدد نشيط منذ عام 2010، وهو شخص مؤثر عرف بأنه أحد المجنّدين الرئيسيين للجهاديين الفرنسيين، الذي نشط بقوة في إلقاء الخطب في الضواحي، هو عمر ديابي السنغالي الأصل، الذي كان يسكن نيس في السابق، ومن المعتقد أنه يعيش حالياً في سوريا. وعلى الرغم من أن تنظيم «الدولة الإسلامية» تبنى الاعتداء، لم يعرف عن المجرم بو هلال تشدداً دينياً، وبالعكس، فهو متعاطي مخدرات، لا يعرف فروضاً دينية، والأرجح أنه تطرّف، بحسب السلطات، بسرعة كبيرة مؤخراً، ويبدو أن من المؤكد أنه عاني نوبات اكتئاب ومشكلات نفسية.
أما لماذا يمكن لأمثاله أن يكون حاقداً على شارع المحتفلين بيوم الحرية على شاطئ نيس، فهناك من الأسباب ما لا يخطر ببال، لا أدري لماذا أتذكر الآن حديثاً عابراً في السوق مع شاب تونسي (بالمصادفة كان تونسياً أيضاً، وكان من المحتمل أن ينتمي لأي جنسية آخرى)، قال لي، إنه يعيش مع زوجته في فرنسا، أما أطفاله فيعيشون مع جدّيهما في تونس، والسبب أن المدارس الفرنسية تعلّم الأطفال الجنس في المدارس! كما يمكن الإشارة هنا إلى سيدة مسلمة من بوركينا فاسو عاشت 27 عاماً في السعودية، وتعيش في فرنسا منذ 5 سنوات، قالت لي عندما سألت عن أحوالها «الحمدلله عايشين كتير مليح. صحيح بلاد كفار، لكن عايشين مليح». كذلك كنت قد قرأت مرة لصديق على الفيسبوك، يعمل مترجماً أحياناً في فرنسا، قال إنه استدعي من قبل البوليس للترجمة لعربي قبض عليه وهو يسرق بنطالاً من أحد المحالّ. الطريف في الأمر أن اللص قدّم مطولة في تاريخ النهب الاستعماري لبلاده. الذريعة نفسها تستخدم في كل مرة، إثر كل اعتداء إرهابي، حين يقال «إن علينا أن نتفهّم الدوافع، وننظر إلى سياسات الغرب وتاريخها في بلادنا»! إنه بالطبع منطق لصوص البناطيل، وإنها نظرة قد تفسّر سهولة أن يركب المرء تلك الشاحنة ليقتحم بها حشداً من المبتهجين، بينهم أطفال ونساء وعشاق، من أجل هدف مريض ومختلّ. وقد تفسّر كيف يمكن لأفراد يعانون التوحّش والتوحّد أن يصبحوا ذئاباً تستسهل أن تلتهم طفلاً بريئاً أو امرأة. نظرة قد تفسر كيف تهاجم الذئاب المنفردة نيس الجميلة.

٭ كاتب فلسطيني

 

الذئاب المنفردة ونيس الجميلة

راشد عيسى

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية