فنّ العنف أم عنف الفنّ؟

لا أدري ما إذا كان في هذا العنوان، شيء من الغلوّ أو ربّما شيء من الغرابة أو حتى اللعب اللغوي؛ ذلك أنّ ما دأبنا عليه في تلقّي الفنون عامّة، أنّها تقاس بمقياس الجمال، وبما توفّره من لذّة أو متعة، أو حتى من نفع وإفادة أو ما يصطلح عليه عامّة بـ«الجميل النافع». ومن حقّ المتلقّي، مهما يكن نصيبه من الفنّ؛ أن ينشد من الأعمال الفنيّة الجمال القائم على امتزاج الفكرة بالصورة، أو ما يتراءى له أنّه الحقيقة الحيّة الملموسة أو روح الشعب والجماعة، أو أن يبحث عن الفنّان في الفنّان نفسه؛ وقد تملّكته الأخيلة، واستأثرت به الاستيهامات، فلا يرى فيه سوى نوازعه الخاصّة أو ما يتوهّم أنّها بواعثه الدخيلة. بل من حقّه أن يتساءل: وما الجديد في طرح العلاقة بين الفنّ والعنف؟ أليس من أظهرِ وظائف الفنّ أن يناهض العنف ويدينه؟
وهو سؤال مشروع ، فلا أحد يتوقّع من الفنّان أن يعنّف متقبّلي فنّه، أو من الفنّ أن يشرّع للجريمة أو يرفعها أو يصيّرها على طريق نافذ سالك. على أنّنا تخيّرنا في هذا الرأي الذي نجازف به، ألاّ نبقى حبيسي أستيطيقيا كلاسيكيّة؛ لمسوّغات لعلّ من أبرزها هذه العلاقة الملتبسة بين الفنّ والعنف، فقلّما خلا عصر من فنّان يواجه العنف بفنّه؛ وإن كان يخلع عليه أسماء تنتسب إلى العائلة المفهوميّة نفسها، ومن  فروع شجرة أنسابها، نظير الطغيان والجور والظلم والجريمة، أو الإرهاب، أو كلّ فعل عنيف ماديّا كان أو رمزيّا. فالعنف مرتبط بالشدّة والقوّة والقسوة والغلظة، وهو في لسان العرب الخرق بالأمر وقلّة الرفق به. لكنّه يرد أيضا بمعنى اللوم والتحقير والشتم. وقد تمثّل ابن منظور لذلك بالحديث النبوي «إذا زنت أمَة أحدكم، فليجلدها ولا يعنّفها». وفي تقليبات الجذر (ع.ن.ف) مثل (ن.ف.ع) و(ع.ف.ن) ما يغري بتخريجات شتّى، ليس هذا مجالها.
وما يزعمه البعض من صلة لفظة اليونانيّة bi-، أي القوّة الحيّة، بلفظة «عنفوان» العربيّة، ولو افتراضا، غير دقيق. صحيح أنّ عنفوان كلّ شيء أوّله، وأنّه غلب على النبات والشباب، ولكن لفظ «عنفوان» ليس من «عنف» ، وإنّما هو من باب الإبدال؛ كما جاء في مقاييس اللغة لابن فارس، وهو أنّ العين مبْدلة من همزة؛ والأصل الأنف، وأنف كلّ شيء أوّله.
العنف ليس ظاهرة جديدة، فإنه يسيطر على كلّ تاريخ البشرية، ومعها بدأ. وبعض هذا العنف لا يزال لغزا غير قابل للاختزال  في تفسير دون آخر؛ على نحو ما يقوله البعض من أنّ مردّه إلى غريزة حفظ الذات أو الدوافع الجنسيّة، أو هو مظهر من مظاهر البدائيّة والمتوحّش في الإنسان وصورة من غرائبيّة البشر، أو هو تعبير عن السلطة عامّة، وغضب إله العهد القديم، والآلهة عامّة؛ على نحو ما نجد في صور الجحيم والقيامة في الكتب الدينيّة، أو تمثيل المسيح على الصليب، وما إليها.
 في الفنّ يحضر العنف بدلالات وهيئات شتّى، وينشأ أكثر من سؤال: هل هناك فنّ عنيف؟ بل هل يمكن أن نتكلّم على جماليّة العنف أو إنشائيّته؟ ونحن نعرف من تاريخ الفنون أنّ ما قد نعتبره اليوم عنفا أو انتهاكا لحقوق الآخر، مسألة نسبيّة؛ إذ كان يُعدّ من المآثر والمفاخر، على نحو ما نجد في نماذج غير قليلة من شعر المديح والهجاء، أو في الأعمال التشكيليّة التي تعيد الاعتبار للجسد، وتجعله معين الفن أو وسيلة للتعبير عن العنف وتمثّله ومنعه أيضا. وفيها نقف على جسد مقطّع مفكّك، ليس بميسور العين أن تقيسه أو تستوعبه بيسر؛ كما لو أنّ النحّات عاجز عن تخيّل أكثر من مسطّح في الوقت نفسه، أو أنّ غياب الوحدة غيابا كلّيّا، هو ما يشدّنا إلى الفنّ حيث كلّ مفردة أو تجزئة تُضاف إلى تفاصيل أخرى؛ فلا ينجم عنها سوى مجموع مفتوق، كما يقول الفرنسي تيودور جيريكو (1791ـ1824). بيد أنّ الجسد المفكّك المبتور أو الموسوم، لا يعني أنّ اللوحة مفكّكة، أو أنّ الفنّان لا يراعي وحدة الموضوع.
وللتوضيح فإنّه ليس من حقّ أيّ كان أن يستنطق أو أن يسأل فنّانا أو مبدعا عن المقصد من «لعبه»، إلاّ أن يكون سؤالا بريئا (ولا براءة في السياق الذي نحن به). لا يحقّ له ذلك أبدا لأنّ عالم اللّعبة الفنّيّة منغلق على نفسه استيطيقيّا، والفنّان نفسه ليس واعيا به ضرورة. ولا تعنينا ها هنا الناحية الدينيّة أو السوسيولوجيّة أو السياسيّة أو الاقتصاديّة… حيث عالم الفنّ مشرع على أنشطة أخرى قد تتعلّق بالتّربية الاجتماعيّة أو بإذكاء الصّراع الإيديولوجيّ أو حتّى بتحقيق الكسب المادّيّ. هذا فضلا عن أنّ  كلّ أثر فنّيّ ـ مهما تكن قيمته أو عظمته ـ تخليق لعالم افتراضيّ، وهو «ناقص» ضرورة، ولعلّه نقص مقصود، شأنه شأن النّقص في الأشياء أملا أو رجاء فيها. وهو، من ثمّة، يقتضي جهدا تأويليّا يتعلّق به أبدا ليكون بالفعل أثرا فنّيّا. وهذا عمل القارئ المتمرّس بالفنّ .
ما لا يدركه بعضنا أنّ الفنّ، أيّ فنّ، يقوم في زمن مقسّم مشظّى، وأنّه يمكن أن يقودنا بدل أن نقوده، وأنّ من حقّ الفنّان أو»الرسّام العالم» أن يطلق الصّورة في فضاء المتخيّل ويرسلها.
بل من حقّه أن يستخدم تقنية في الفنّ هي أقرب ما تكون إلى التّقنية المسمّاة  Dripping، المنسوبة إلى الرّسّام الأمريكيّ بولوك. وهي تقوم على أن يحمل الفنّان علب الألوان بعد أن يثقبها؛ ثمّ يسحبها على اللّوحة ويهزّها. فإذا نحن نقرأ هذا الفنّ وكأنّنا نفكّ الخطّ المسماري أو الهيروغليف المصريّ.
بل من حقّه أن يحرص على أن لا يفهم؛ وبخاصّة في الفنّ الحديث الذي يقدّم «الانفعال» على الفهم. والفنّان لاعب، واللاّعب على ما يقول أصدقاؤنا من أهل الفلسفة، ليس «موضوعا» للّعب، وإنّما اللّعب هو الذي يرتقي عبر اللاّعبين إلى مستوى التّمثّل، ويستقلّ عن وعيهم.
ولنا في السياق الذي نحن به، أن نتمثّل بالسينما، بفيلم الأمريكي جيمس والـ «فرانكشتين». ومدار أحداثه على بعث الحياة اصطناعيّا، وتشكيل جسد بشريّ من قطع جثث. على أنّ البطل بدل أن يضع دماغا بشريّا سليما، وضع دماغ مجرم سفّاح. وشبيه بهذا ـ وإن في سياق مخالف ـ  ما قام به زوكسيس في عمله فينوس، من استلهام خمس صبايا بديعات، أو «منتحبة رونداديني»: صورة الجسد الأجدع، أو»طوّافة البحر» أو «مقاطع» لتيودور جيريكو ـ وقد سلفت الإشارة إليه ـ  فمن المعروف أنّه أنجز أكثر من رسم لأعضاء مقطّعة، وأعدّ بعض أعماله في مدرّج تشريحي بمستشفى بوجون القريب من مرسمه. ويرى الدارسون أنّها توقفنا على تخوم الرعب، وتصوّر بواقعيّة تراجديديّة «القطع التشريحيّة» وقد عرضت مثل طبيعة ميّتة، على لحاف أسمر؛ بما يشكّل صورة «الجمال غير الشرعي» ومشاهد فرجويّة ورؤى مهلوسة. ولا يعنينا هنا أن نبحث في شغف هذا الفنّان مثلا بتمثيل ما هو دمويّ أو تراجيديّ، فقد يكون مردّه إلى ما يسمّيه البعض «شرور العـصـــر» أو أثر الثورة الفرنسيّة فيه، وربّما لدوافع ذاتيّة مستبهمة النشأة، أو لتردّده على مستشفى بوجين.
ما يعنينا في سياق كلامنا على العنف في الفنّ، أنّ الفنّان المعاصر لا يتهيّب اختراق الحدود التي تفصل تقليديّا بين عالَم الفنّ وعالَم اليوميّ والسّوقيّ والوظيفيّ. والأمر لا يتعلّق بمتحف لفنون الزّينة، وإنّما بقدرة الفنّ على أن يُدرِجَ في عالمه ما هو أكثر غرابة عنه، أو قدرةَ الفنّان على مواجهة العالَم؛ أدفعته إلى ذلك أم لم تدفعه قوى غريزيّة جنسيّة أو قوى روحيّة رمزيّة أو قوى حيويّة خياليّة، أو تفاعل خلاّق مع التصوّر الميكانيكي الديكارتي للجسد، أو ما يسمّى «الجسد الآلة». فعلّ هذا «العنف الفنّي» يجد سنده في الفنون التشكيليّة خاصّة، وفي الفتوحات التشريحيّة التي دشّنها عصر النهضة. وهو ما تمثّله رسّامو هذا العصر ونحّاتوه وحفّاروه، وهم يشرعون النظر على حقول جديدة، سواء في ضوء «جسم الإنسان الرائع» بعبارة ميخائيل أنجيلو، أو ما يشبه «مطبخا مأتميّا» للأجساد المقطّعة.
وهو ما يفصح عنه فوكو بعبارته البليغة النافذة «ما بين ذؤابة الريشة، الحادّة، ومضاء النظر؛ سينهض المشهد بإطلاق مخزونه» أي الثورة في فنّ النهضة عامّة، على تصوّرات الكنيسة الكاثوليكيّة. ومع ذلك فإنّ هذا الفنّ، يجمع بين القوّة (العنف) والرقّة، بل هما يتداخلان ويلتبسان كما في تمثال أنجيلو «الليل»، (حسناء مستغرقة في النوم). وقد عقّب النحّات على مديح  الشاعر جوفانين في أنّ السعادة ليست في النوم، وإنّما في «أن تُمسخ حجرا»؛ إذ يغدو الموت مصيرا محسودا، في عصر مجرم مخزٍ، بعبارته.

كاتب تونسي

فنّ العنف أم عنف الفنّ؟

منصف الوهايبي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية