القاهرة ـ «القدس العربي» : الأغلبية الساحقة في واد والصخب السياسي الذي تمتلئ به صفحات الصحف المصرية الصادرة يومي السبت والأحد 23 و24 يوليو/تموز ووسائل التواصل الاجتماعي في واد آخر، فالأغلبية لا يزال اهتمامها مركزا على الأسعار وزيادتها والشكوى منها.
كما اهتمت الأغلبية بالإعلان عن أسماء الأوائل في الثانوية العامة، وإعلان النتيجة وما سينتج بعد ذلك عن مشكلة القبول في الجامعات ومكاتب التنسيق، والاهتمام بذكرى ثورة يوليو. وانقسمت فئات المجتمع في الاهتمام بما يخصها هي، فأصحاب المعاشات وعددهم بالملايين غير راضين عن زيادة الـ10٪ التي قررتها الحكومة. ومرضى الكبد مهتمون بتوفير العلاج المجاني لهم وبالأدوية الجديدة.
كما بدأ الاهتمام باتجاه وزارة الصحة إلى التعاون مع الجيش في توفير مراكز الرعاية المركزة في جميع المحافظات، بعد أن تحولت إلى مشكلة خطيرة، بحيث يحتاج أي مريض إلى واسطة حتى في المستشفيات الخاصة ذات الأسعار المرتفعة.
أما شركات المقاولات والعاملون في البناء فهم الأكثر سعادة بسبب كثرة مشروعات بناء المدن والطرق والمشروعات الأخرى. أما الشباب فمهتمون بطرح وزارة الإسكان عشرات الآلاف من الشقق الجديدة للإيجار، وهكذا لا اهتمام بالسياسة، لا بمؤتمر القمة العربي ولا حتى بالمشكلة الأخطر وهي الفتن الطائفية، التي يأمل المواطنون، مسلمين وأقباطا، في حلها وتطبيق القانون على الجميع من دون تمييز.
وهناك اهتمام إلى حد ما بمتابعة استعادة الدولة أملاكها المسروقة، وحملة مقاومة الفساد في قضية صوامع القمح وغيرها. وبدأت الأحزاب السياسية تولي بعض الاهتمام للمشروع الذي أعدته الحكومة وأرسلته إلى مجلس الدولة لمراجعته عن قانون الإدارة المحلية الجديد، الذي ستجري على أساسه الانتخابات نهاية هذا العام، ومدة العضوية أربع سنوات، وثلاثة أرباع المقاعد، وعددها حوالي ثلاثة وخمسين ألفا ستكون بالقوائم المغلقة، والربع بالانتخاب الفردي على ألا تقل نسبة العمال والفلاحين عن 50٪ للعمال والفلاحين في القوائم المغلقة وثلث القائمة للشباب وثلث للمرأة وكل قائمة لابد أن يكون فيها مسيحي وعضو من ذوي الإعاقة.
أيضا اهتمت الصحف بقضية البوكيمون وتحليل ونقد مسلسلات رمضان، والاهتمام بترشيح مشيرة خطاب لمنصب رئاسة اليونسكو والمعارك حول الخطبة الموحدة التي أخذت بها وزارة الأوقاف ويعارضها الأزهر، وإلى بعض مما عندنا..
مسلمون وأقباط
ونبدأ بالقضية التي بدأت تزاحم قضايا الأسعار وعلاج «فيروس سي» وزيادة المعاشات، ألا وهي أحداث الفتنة الطائفية، خاصة في المنيا، لدرجة أن الرئيس السيسي تكلم عنها في حفل تخريج دفعات من القوات المسلحة. وقال عنها يوم السبت زميلنا في «المقال» أشرف مراد:
«تأكيدات الرئيس خلال حفل تخريج دفعات من القوات المسلحة على أننا في دولة القانون التي تحاسب المخطئ، وإشارته إلى ضرورة عدم التشكيك في ذلك، تطرح عددا من الأسئلة، خصوصا في ما يتعلق بمدى إقرار مبدأ المساواة بين المواطنين ومدى تفعيل هذا المبدأ على الأرض، خصوصا إذا كان الرئيس على قناعة تامة بأن جميع المواطنين هم مصريون، وأنه لا يجوز القول إن هذا مسلم وذلك مسيحي، فإذا كنا على ثقة تامة بأن تلك هي نظرة رئيس الدولة وقناعاته تجاه حقوق المواطنين من جانب، وإذا كان من غير الممكن تجاوز أحداث السنوات الخمس الماضية وتأثيراتها العميقة على سلوك المجتمع واتجاهاته كما أشار من جانب آخر، فإننا نتطلع إلى البدء في اتخاذ التدابير الكفيلة بمعالجة تلك الأحداث المتكررة بما يتماشي مع طبيعة دولة القانون التي طالب بعدم التشكيك في قيامها بدورها، ولما كان التعامل مع تلك الأحداث يأتي دائما متطابقا في كل مرة مجسدا تصدر رجال الدين المشهد من خلال اعتماد الآليات الموازية للقانون، سواء تصريحات التهدئة وضبط النفس التي أطلقها المفتي، أو الحديث عن الجلسات العرفية وزيارات بيت العائلة أو تصريحات عمدة قرية «طهنا الجبل مسرح الأحداث الأخيرة»، التي وصف فيها الأوضاع بالمستقرة، والتي وصف فيها حادث مقتل المواطن فام ماري بأنه حادث جنائي. إن مواجهة محاولة إشعال الفتن لن يوقفها سوى الالتزام المنطقي بان يجد القبطي مكانا يصلي فيه، نعم هكذا ببساطة فإذا لم يجد هذا المكان وقرر أن يصلي في منزله فليس أقل من احترام خصوصياته تلك التي لا تؤذي أحدا. أما الرضوخ لمحاولات البعض فرض وصاية على مواطنين من المفترض تمتعهم بحقوقهم كاملة غير منقوصة، فإن ذلك لن يسهم في وأد الفتنة ولن يعني سوى رضوخ لرغبة متشددين لا يتوقفون عند حدود ما».
الحل الحقيقي للفتنة الطائفية حبيس الأدراج
أما زميلنا وصديقنا الكاتب محمد الخولي فإنه في عدد «المقال» ذاته أعاد التذكير بأن الحل الحقيقي للأزمة موجود منذ عام 1972 قائلا: «وتبقى أسباب الفتن الطائفية التي حدثت في مصر متشابهة في أغلبها، فإما هي بسبب علاقة بين مسيحي ومسلمة، أو بسبب بناء منزل يعتقد مسلمون أنه سيتحول إلى كنيسة، أو بسبب حالة احتقان بسبب ما يقوله مشايخ عن المسيحيين، أو ما يقوله قساوسة عن المسلمين، ورغم أن مفتاح النجاة في أيدينا منذ 1972 لكننا لا نفكر في استعماله حتى الآن. طوق النجاة كان في تقرير الدكتور جمال العطيفي عن احداث الخانكة الطائفية التي وقعت في 1972، التقرير وضع ثلاث توصيات لحل الأزمة في مصر، وأهمية التقرير أنه تناول جذور الأزمة واستمع لطرفيها ووضع حلولا عملية لانهائها. لكن هذا التقرير ما زال حبيس الأدراج حتى وقتنا هذا ولم يفتحه أي رئيس ممن جلسوا على مقعد الحكم. التوصيات الثلاثة تتحدث عن آلية جديدة تسهل بناء الكنائس، وعن ضرورة قيام الدولة بدورها في ضبط الخطاب الديني في المساجد والكنائس، وأن يتحدث كل أصحاب دين عن دينهم وتعاليمه، لا أن ينشغل بدين الآخر والذم فيه. أما التوصية الأخيرة فكانت متعلقة بدراسة التربية الدينية في المدارس، فأوصت بان تتسم جميعها بعرض لحقائق الأديان بحسن إدراك وسعة صدور وبعد عن التعصب».
الوحدة الوطنية ضمانة الوجود والنجاح
ولمن لا يعلم كان المرحوم الدكتور جمال العطيفي أستاذا للقانون وعينه أستاذنا الراحل محمد حسنين هيكل مستشارا قانونيا لمؤسسة الأهرام، وكلفه الرئيس السادات برئاسة لجنة لوضع تقرير عام 1972 عن أحداث الزاوية الحمراء وتقلد بعد ذلك منصب وزير الإعلام. ومما يؤكد الإحساس بخطورة المشكلة أن «الأهرام» كتبت في صفحتها الأولى يوم السبت كلمة بعنوان «تحذير من الفتنة» وهي غير كلمتها التي تنشرها في الداخل لتعبر فيها عن رأيها قالت عن كلمة الرئيس يوم الخميس: «لذلك كان الرئيس عبدالفتاح السيسي حريصا خلال كلمته التي ألقاها في الكلية الحربية، (أمس الأول) على تأكيد أهمية الحفاظ على الوحدة الوطنية، كما حذر بشدة من محاولات الوقيعة بين المصريين، مؤكدا على أنه لا فرق بين مصرى وآخر، وأن جميع أبناء الشعب متساوون في الحقوق والواجبات، مشددا على أنه ينبغي أن نمارس هذا المنطق في تصرفاتنا وردود أفعالنا تجاه بعضنا بعضا، وألا يقتصر ذلك على مجرد القول فقط وأن الوحدة الوطنية هي ضمانة الوجود والنجاح لمصر. وتعي الدولة المصرية تماما أن من أهم دعائم تحقيق الوحدة الوطنية سيادة القانون وتطبيقه من دون تمييز على الجميع، ومن المهم في هذا السياق تجاوب المواطنين مع توجه الدولة لترسيخ دولة القانون التي تساوي بين الجميع وتعزز مبدأ أن كل من يخطئ سيعاقب بموجب القانون، ومن دون استثناء، وأنه عند وقوع حدث يشتم فيه رائحة الطائفية تمنح الفرصة للقانون ليأخذ مجراه قبل الاندفاع نحو التصعيد وتسخين الساحة».
الشهرة من دون إنجاز
وفي العدد ذاته من «الأهرام» قال زميلنا سامح فوزي «قبطي»: «الحديث الذي قيل، ويقال عن الشأن الديني، ومواجهة التوترات الدينية، وما يطلق عليه الأزمات الطائفية سيظل مجرد أحاديث أزمة، تمضي مثلما مضت سابقتها، وقد نعود في حالة تجدد الأزمات في المنيا، أو غيرها إلى نقطة الصفر، ونجتر ما سبق ترديده، بحيث أصبح هناك متخصصون في هذا الحديث، تمثل الأزمات الطائفية «مواسم» مهمة بالنسبة لهم في الظهور العام، وإثبات الحضور، والشهرة من دون إنجاز جاد. إذا كنا جادين في مواجهة المأزق الطائفي أو التوترات الطائفية ينبغي أن نسير على طريق بناء التماسك الاجتماعي الحقيقي، مثلما سارت وتسير الأمم المتقدمة، من دون الاكتفاء ببردة الشعارات التي نلقي بها على سطح إناء يغلي في باطنه. تطبيق القانون يعد أحد المداخل الأساسية في الحفاظ على التماسك الاجتماعي، إذ من خلاله يشعر الفرد بالأمان وترتفع ثقته في النظام القائم، ويتوقع دائما أن الحق يصل إلى أصحابه والعقاب ينزل على المسيء. كم نحن بحاجة إلى التأكيد على أن أي جرائم ينبغي أن لا تمضى بلا عقاب، ولا نلتمس أسبابا واهية أو حججا في غير محلها لتضميد قسري لجراح تحتاج إلى تدخل جراحي جاد، وتقتضي تطبيق القانون. مراجعة الوضع القانوني الذي عفا عليه الزمن في تنظيم بناء وترميم الكنائس. ولا يكون القانون الجديد الذي لا أحد يعرف مضمونه إلى الآن إعادة إنتاج لأفكار قديمة بالية في ثوب حديث».
أحداث فردية!
ومن «الأهرام» إلى «وفد» السبت أيضا وزميلنا مجدي سرحان في بابه اليومي «لله والوطن» الذي قال فيه وهو حزين: «كلمات تفيض بالألم والأسى كتبها الزميل والصديق العزيز منتصر سعد بمناسبة أحداث المنيا الأخيرة، أستأذنه في نشرها من دون تعليق مني لأنني أجدها تعبيرا صادقا متكاملا عن الواقع المأساوي الذي يعيشه بعض إخواننا الأقباط في محافظات الصعيد وغيرها. كتب منتصر سعد: حسام حسن اتعمل له محكمة عاجلة، ولكن المنيا طبعا لازم يكون فيه بيت عائلة وجلسات عرفية وتصريحات تطالب بضبط النفس فوق دماء الأبرياء، والقصة تموت علشان نصحى على قصة تانية وتالتة ورابعة وخامسة، ونرجع ونقول: أحداث فردية هاتوا بيت العيلة واعملوا قعدة وصالحوهم على بعض. الدولة التي تتوارى بقانونها وراء جلسات الصلح هي دولة ضعيفة أو هي دولة سعيدة بما يحدث، وعلى فكرة القصة ليست بناء كنيسة بقدر ما هي فكر متغلغل داخل النفوس ومتمكن من العقول. ليه المنيا بالأخص فيها الفكر الداعشي منتشر بهذه الصورة؟ ووصل لدرجة الدم كمان؟ ولسه المسؤولين قاعدين على كراسيهم؟ هل بسبب انهم بيقدموا المبررات الواهية الكاذبة نفسها؟ أم لأن ظهرهم اللي في المنيا الداعشي هو اللي بيحميهم؟ يعني لو غيرتوا المسؤولين هنقوم بمظاهرات؟ أين الدولة من كل هذا؟ لا يمكن أن ننسى محافظة قنا يوم أن تم تعيين محافظ مصري مسيحي لها عملوا مظاهرات وقطعوا السكة الحديد، أما محافظ المنيا الحالي فيكفيه أنه في مكتبه وكله تمام يا افندم سيادة الرئيس، أنا وغيري من المصريين المسيحيين لا ننتظر أحدا يقول: «دول أصلا تصرفاتهم بعيدة عن الدين» وندخل في مجادلات وحوارات، لكن اسألوا الدولة: ليه «الأحداث الفردية» هذه تاخذ هذا المنعطف الذي يجعلكم أنتم تقولون انها ليست من الدين في شيء؟
الغلط فين؟ ومين المسؤول عن الفهم الغلط للدين؟ ومين المسؤول عن تصحيح تلك المفاهيم؟ القصة ليست تجديد خطاب أو خطبة مكتوبة، اسألوا أنفسكم أولا: مين فيكم بيربي أولاده على قبول الآخر؟ مين فيكم بيزرع في ولاده كلمة: «ربنا هو اللي بيحاسب الناس على معتقداتها وأفعالها؟».
السيطرة على أعمال الشغب في المنيا
ونشرت «الوفد» في صفحتها العاشرة يوم السبت تحقيقا لزميلنا أشرف كمال جاء فيه: «أكد اللواء شادي أبوالعلا عضو مجلس النواب عن المنيا أنه تم الاتفاق مع الدكتور علي عبدالعال رئيس مجلس النواب على تشكيل لجنة برلمانية من نواب المنيا للنزول لقرية طهنا الجبل التابعة للمركز، للوقوف على الأسباب الحقيقية حول مشكلة القرية الأخيرة، التي أسفرت عن مقتل شخص وإصابة 2 آخرين. وأضاف أبوالعلا أنه تم التنسيق مع النائب علاء السبيعي نائب مركز المنيا، وتم التواصل مع كثير من أهالي القرية، لكن الجميع يروي المشكلة من وجهة نظره. مؤكدا أنه تم الاتفاق بين النواب لعقد جلسات استماع من الطرفين للوصول للحقيقة.
يذكر أن قرية طهنا الجبل التابعة لمركز المنيا شهدت أحداث عنف بين عائلتين، أسفرت عن مقتل شخص وإصابة آخرين، وقد فرضت أجهزة الأمن كردوناً أمنياً لمنع تجدد الاشتباكات من جديد. وأعلنت الوحدة المحلية لمركز ومدينة المنيا عن توجه قوافل دعوية إلى قرية زهرة وقرية ريدة في مركز المنيا، بهدف تصحيح المفاهيم والتصدى للفكر المتطرف، وحث الأهالي على التمسك بفضائل التسامح في ما بينهم. وكان رئيس نيابة مركز المنيا قد استجوب 17 متهماً من المتورطين في الأحداث، الذين تم إلقاء القبض عليهم بمعرفة سلطات الأمن، وجميعهم مسلمون، ووجهت لهم تهم إثارة العنف والشغب وحرق وإتلاف ممتلكات الغير. كما شهدت القرية أحداث عنف بين مسلمين وأقباط الأسبوع الماضي وانتقل اللواء رضا طبلية مدير أمن المنيا والمقدم أحمد صلاح رئيس المباحث وقيادات المديرية وتبين قيام المتجمهرين بحرق بعض الأثاث والكراسي وإتلاف باب خشبي ودورة المياه في منزل إبراهيم خليل إبراهيم، كما تم حرق سقف حجرة في منزل مجاور ملك موسى صليب عبدالملاك 65 سنة، وهو فلاح، واحتراق بعض الأثاث، ومخدات وحصيرة وإتلاف دراجة نارية أمام منزل أشرف حنا يوسف، والباب الحديدي للمنزل. وتمت السيطرة على الأحداث وفرض كردون أمني حول القرية تحسباً لتجدد الاشتباكات، وتم إلقاء القبض على جميع المشتبه في تورطهم في الأحداث».
فهمي عنبة: لم يكن المصريون
يسألون عن ديانة جيرانهم
ومع ذلك قال زميلنا فهمي عنبة رئيس تحرير «الجمهورية» الحكومية في يوم السبت أيضا:
«لا ننكر وجود احتقان شديد عند الأخوة المسيحيين وشعور بعضهم ببطء الإجراءات التي يطالبون بها، خاصة في إصدار القوانين الخاصة بهم والسماح لهم ببناء الكنائس، رغم وجود إرادة سياسية قوية لإنهاء ذلك في أقرب وقت وفقا للدستور الذي شارك في وضعه أربعة يمثلون الطوائف المسيحية، الكنيسة الأرذثوكسية والكاثوليكية والإنجيلية، إضافة إلى حجاج أدول عن النوبة. لا يمكن لمسيحي واحد أن يصدق ما يريده دعاة الفتنة من تجاهل المسيحيين لأنه يعلم أن هناك 39 نائبا في البرلمان يمثلونهم، وأنه لم تخل حكومة من وجود وزراء مهمين. وكان وزير المالية السابق والأسبق مسيحيا ومر على مصر وزراء داخلية ودولة للشؤون الخارجية وعشوائيات من الأقباط فهل في ذلك اضطهاد؟ لم يكن المصريون يسألون عن ديانة جيرانهم ولن يفعلوا.. ولا تقع حوادث العنف والسباب والمشاجرات أو حتى مشاعر الحب بين شاب وفتاة لأن أحد الأطراف مسيحي والآخر مسلم.. ولكنها أحداث عادية تتكرر كل يوم بين المواطنين، ويجب عدم تحميلها أكبر من حجمها وتضخيمها لتبدو فتنة طائفية.. أو أن المصريين في حرب أهلية.. فهذا هو هدف من لا يريدون الخير لهذا الوطن من الداخل والخارج. لابد أن يتصدى الجميع لمن يحاولون الوقيعة بين عنصري الأمة.. فبدون شعارات ولا كلام كبير نحن مواطنون في دولة واحدة، ونعيش تحت سماء واحدة.. ولابد أن نعي أننا شركاء في هذا الوطن.. كلنا مصريون وعلينا أن نتعامل كأبناء أمة واحدة.. ولا نختلف ولا نتنازع حتى لا نعطي الفرصة لنجاح مؤامرات أهل الشر».
الفتنة نائمة
وفي مجلة «روز اليوسف» الحكومية التي تصدر كل سبت أعاد رئيس تحريرها زميلنا إبراهيم خليل التذكير بما قاله الرئيس فقال: «في الذكرى الرابعة والستين لثورة يوليو/تموز، وفي أرض العلم العسكري لتخريج دفعات من شباب الكلية الحربية والفنية العسكرية، أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي أننا نعيش في دولة القانون واللي هيغلط هيتحاسب، من أول رئيس الجمهورية، في تحذير لكل الخارجين على القانون فقد مضى عهد جلسات الصلح وتقبيل الذقون وتظل الفتنة نائمة إلى أن تشتعل مرة أخرى».
إلغاء العظة الأسبوعية
لكن يبدو أن الأمور ليست على ما يرام، أو لم تعد كذلك بين الدولة والبابا تواضروس، ففي عدد مجلة «روز اليوسف» نفسه نُشر تحقيق لزميلنا عادل جرجس قال فيه: «تطور غير مسبوق أعلنه البابا الأربعاء الماضي من الكنيسة المعلقة في مصر القديمة، بإلغاء عظته الأسبوعية وتحويلها إلى اجتماع صلاة، بسبب ما سماه الأحداث المؤلمة التي وقعت الأيام الماضية، والتي يتابعها قداسته شخصيا مع المسؤولين، كان آخرها لقاء مع رئيس الوزراء حيث قال «نفكر جميعا في كيفية إنفاذ القانون وتحقيقه، كما نصلي من أجل بلادنا الحبيبة الغالية مصر وكل شهيد ومصاب، من أجل أن ترجع لنا الروح المصرية الأصيلة. لهذا جعلت اليوم اجتماع صلاة». وقد أعلن المتحدث الرسمي للكنيسة في بيان له أن البابا أعد لاجتماع الصلاة هذا بنفسه، من خلال كتيب تم توزيعه على الحضور لمشاركة الجميع في الصلاة، وهناك العديد من الدلالات والرسائل التي أراد البابا أن يرسلها لأطراف كثيرة تشكل في مجموعها صداما مع الدولة وبداية للتصعيد من قبل البابا. ويفسر أحد كبار مطارنة الكنيسة ذلك بالقول إن اجتماعات الصلاة لا تفرض داخل الكنيسة إلا إذا كانت الكنيسة تستشعر أن هناك ضيقة كبيرة يمر بها الشعب القبطي وأنه قد أغلقت كل أبواب الحلول لتلك المشكلة».
محاولات لاحتواء الفتنة الطائفية
وعلى كل حال فقد حملت صحف أمس الأحد أنباء عن حل أزمة قرية أبو يعقوب في محافظة المنيا، التي شهدت اشتباكات بين مسلمين وأقباط بسبب الاعتقاد بأن أحد الأقباط يحول منزله إلى كنيسة، من دون ترخيص، وهو ما لم يحدث وتم الاتفاق على تعويض المتضررين بحكم عرفي من بيت العائلة المصرية. كما أمرت النيابة في بني سويف بالقبض على ثمانية أقباط وعشرين مسلما متورطين في أحداث قرية صفط الخرسا التابعة لمركز الفشن. كما نجحت لجنة المصالحات في محافظة البحر الأحمر الممثلة لمشايخ وقساوسة وشخصيات عامة من اتمام مصالحة في الغردقة».
مقال لعبد الناصر
حوادث الفتن الطائفية التي تحاول أن تكسر روحنا الوطنية، تتزامن مع الاحتفالات بالذكرى الرابعة والستين لثورة 23 يوليو/تموز سنة 1952 وذكرى قائدها خالد الذكر كما تتزامن مع انعقاد مؤتمر القمة العربية في العاصمة الموريتانية نواكشوط. أطل علينا عبد الناصر من خلال مجلة «المصور» في عددها الذي خصصته لعبد الناصر وثورة يوليو/تموز يوم الأربعاء ورغم ارتفاع ثمن النسخة الواحدة، الذي بلغ عشرين جنيها، إلا أنه لقي إقبالا كبيرا، وفيه مقال له نشرته في أغسطس/آب عام 1955 مجلة «الاثنين والدنيا» التي كانت تصدر عن مؤسسة دار الهلال التي تصدر مجلات «المصور» و«حواء» و«الكواكب» و«طبيبك الخاص» ومجلة «الهلال» الشهرية وغيرها من الاصدارات وكان عنوان المقال «نحو قومية عربية وإسلامية» ونصه هو: «تهدف الثورة في سياستها العامة إلى هدفين الأول: أن تكون وطنية الشعب المصري وطنية مصرية خالصة. الثاني: أن تكون قوميته قومية عربية إسلامية.
لا ريب أن الهدف الأول يقوم على تعاون الشعب داخل بلاده تعاونا وثيقا كتعاون أعضاء الجسد الواحد، فتتألف منه قوة ذاتية متينة. والهدف الثاني يقوم على تعاون الأمم الإسلامية والعربية في الخارج تعاونا مفيدا يحقق لكل منها شخصية دولية محترمة في المعترك الدولي، ويؤلف منها قوة مهيبة الجانب قوية الدعائم متضامنة في الدفاع عن عزتها وكرامتها عاملة على الدوام لتحقيق السلام العام، وليس أجل من تعاون الأمم الاسلامية والعربية، التي تشترك في أدوار التاريخ الطويل والتقاليد الدينية والاجتماعية، التي مرت بتجارب عدة في حياتها السياسية وعانت ألوانا من الشدائد والصعاب، وتعلمت من دروس الماضي كيف كان النزاع سببا في ما أصاب المسلمين والعرب من كوارث. وكيف كانت الأطماع وضعف الأخلاق اساسا لما وصل إليه المسلمون والعرب من وهن وضعف، أتاح للأجنبي السيطرة والسيادة والاستغلال. ولابد لتعاون الأمم الإسلامية والعربية من صدق الإرادة وإخلاص النوايا، فإن مجد المسلمين والعرب في الماضي حققه رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه وأخلصوا في ما هدفوا إليه فأمدهم الله بنصره، وكانت لهم في العالم الكلمة العليا وازدهرت حضارتنا بجهود هؤلاء الرجال وإخلاصهم، حتى إذا تغيروا تغيرت أحوالهم وضعف شأنهم وانهارت حضارتهم، فعلينا أن نعتز ونعتبر بماضينا وأن نتعظ بغيرنا وأن ننتفع في نهضتنا الجديدة بما سلف من تجارب ودروس وأن نضاعف جهودنا في هذا العصر الذي يفرض علينا واجبات خطيرة. فقد أخذت الدول تتسابق نحو القوة ونحو الرقي وتعمل لخير شعوبها، معتمدة على العلم الحديث والتربية المتينة الصالحة، فلنأخذ طريقنا نحوا مستقبل مجيد يقوم على العلم والأخلاق وعلى الاخلاص وصدق العزائم والله مع المخلصين».
وكان أول كتاب لعبد الناصر بعد الثورة مباشرة هو «فلسفة الثورة» الذي حدد فيه الدوائر الثلاث التي ستتحرك فيها مصر وهي العربية والإسلامية والأفريقية.
طاقات المصريين
ومن عبد الناصر إلى زميلنا في «الأهرام» عبد العليم محمد وقوله: «تمكنت ثورة 23 يوليو/تموز عام 1952 من اكتشاف طاقات المصريين على العمل والتعليم والعلم والإنتاج والصناعة، ووضعت مصر في مرتبة اقتصادية تفوق بعض الدول التي ننظر إليها الآن بانبهار مثل، كوريا الجنوبية. ونجحت الثورة في تمكين مصر من بناء نموذج متكامل على صعيد السياسات الداخلية والخارجية، وهو النموذج الذي كان ملهما لدول عديدة أخرى ليس فحسب في الدائرة العربية، بل في العالم الثالث. وكانت مصر بمثابة لسان حال هذه الدول في المحافل الدولية والإعلامية، رفعت صوتها ضد الاستعمار ومن أجل التحرر الوطني ومبادئ السيادة والعدل والمساواة. ولاتزال القيم التى مثلتها ثورة يوليو 1952، رغم تغير الظروف والسياق قادرة على تشكيل مرجعية سياسية ومبدئية بشرط توافر النية على استثمارها والوعي بشروط المرحلة الراهنة».
تقويم موضوعي لثورة يوليو
وفي العدد نفسه من «الأهرام» قال زميلنا وصديقنا رئيس مجلس إدارة الأهرام الأسبق مرسي عطا الله في عموده اليومي «كل يوم»: «إن الثورة التي التف شعب مصر حولها بالتأييد والمباركة منذ اللحظة الأولى لم تكن من صنع طليعة منظمة عكس تشكيلها المعبر عن كل تيارات الوطن، إنها تعبر عن حلم واسع عريض لا يمكن معه لفرد أو جماعة الادعاء بأن وحي تفجير الثورة قد هبط عليه وحده! إن الوفاء لثورة يوليو/تموز ينبغي ألا يكون مدخلا لأي كهنوت يحجر على حرية الانتقاد المشروع لسلبياتها وأخطائها طالما أن النقد يجيء بعيدا عن التشكيك فيها وفي مبادئها العظيمة، التي جاءت ثورة 30 يونيو/حزيران 2013 بمثابة امتداد طبيعي لا يغلق الباب تماما على من توهموا حقبة بعد حقبة إمكانية الرد عليها. أتحدث عن تقويم موضوعي لثورة يوليو وليس مجرد نفض للغبار الذي حاول البعض إلقاءه على كل ملفاتها بعيدا عن ضرورات الدقة والموضوعية والفهم الصحيح لحركة التاريخ».
ناصريون بلا عبد الناصر
ومن «الأهرام» إلى «جمهورية» السبت وزميلنا ماهر عباس وقوله: «يمر اليوم 64 عاما على ثورة 23 يوليو، التي قادها الزعيم الخالد جمال عبد الناصر، ومازالت هي أهم الثورات في العالم الثالث، وتعرضت في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي والعقد الأول من الألفية الحالية إلى هجوم قاس من أعدائها، ومن أصحاب المصالح الذين نهبوا قوت الشعب وثرواته وحاولوا جاهدين محو إنجازاتها وتاريخها في التعليم والصحة والصناعة والعدالة الاجتماعية التي كونت كاريزما الزعيم عبد الناصر التي دعمها وقوفه في خندق العمال والفلاحين والطبقة الوسطى التي انتهت. ستبقى يوليو/تموز نموذجا يدرس لأن أكثر أهدافها صالح لعلاج ما نعيشه اليوم، وستبقى منارة لكل من يحاولون بناء وطن برأسمالية وطنية معتمد على سواعد أبنائه بعدالة اجتماعية لا بنهب أو استبداد ممنهج، كما شاهدنا منذ عصر الانفتاح في السبعينيات إلى عصر نهب مصر في العقود الثلاثة قبل ثورتي يناير/كانون الثاني ويونيو/حزيران التي استلهم الشباب وهم الناصريون بلا عبد الناصر رؤيته، وأعادوا التذكير بها في ميادين مصر بصور ناصر».
كان كل شيء في حياتنا حلالاً طيباً
أما في «الوطن» فإن رئيس تحريرها التنفيذي محمود الكردوسي فقال متفاخرا بأبيه في بروازه اليومي «كرباج»: «كان لدى أبي دكان صغير: شاي وسكر وصابون وعدس وزيت وملح وسجائر، وعلى واجهة الدكان صورة ملصوقة بالغراء للرئيس عبدالناصر: الكتفان بعرض الصورة والوجه أوسع من الأفق كان أبي يبيع ويشترى بـ«المليم» وكان يلف بضاعته الفقيرة في ورق جرائد: «عبدالناصر يخطب» «عبدالناصر يتحدى» «عبدالناصر يبحث» كان رزقنا حلالاً، وعشقنا حلالاً، وخوفنا حلالاً، وغناؤنا حلالاً، كان كل شيء في حياتنا حلالاً طيباً لأن «أبانا» يحبنا ويحرسنا ويعطف علينا يجلس معنا على عتبات البيوت وسطوح الأفران ويستظل بصفصافنا ونخيلنا. كان حاضراً في الحلم والحكاية والموال وفي الخرافة: «لو أبوك جمال عدِّي البحر من غير ما تتبل» وكان أبى ينصحني: «عش بشرفك ومت بكبريائه لتراه في الجنة».
الزواج غير الشرعي بين المال والسلطة
وأخيرا إلى زميلنا وصديقنا ياسر رزق رئيس مجلس إدارة مؤسسة أخبار اليوم ورئيس تحرير «الأخبار» التي قال فيها أمس الأحد: «ثمة من يروج لأن الأحوال في مصر الملكية كانت أفضل، وأن الشعب كان أسعد وأن الخير كان يغمر الجميع، بدليل أن الجنيه الإسترليني كانت قيمته لا تزيد على 97.5 قرش مصري مثلما يروجون، لأن الأوضاع الاقتصادية في عهد مبارك كانت أفضل، بدليل أن معدل النمو كان 7٪ هؤلاء يقلبون الحقائق ويزيفون الوقائع لتغييب وعي الناس، فمعدل النمو الذي تحقق في نهايات عهد مبارك كانت ثماره تذهب للأغنياء ورأسمالية الأصهار والمحاسيب، وكاد الزواج غير الشرعي بين المال والسلطة يثمر طفلاً سفاحاً هو توريث الحكم، لولا انتفاضة الشعب وفي مقدمته الشباب وتأييد الجيش».
حسنين كروم