مفارقات لبنانية

حجم الخط
2

يبدو لبنان اليوم وكأنه مفارقة كبرى، ومجموعة من الأحجيات. هنا تتعايش كل التناقضات، من ‘الاراب ايدول’ (برنامج محبوب العرب) الذي صور في بيروت واثار كل هذه الحماسة في العالم العربي) الى اعتصام الشباب المطالبين باستعادة الديموقراطية، الى الانفجارات والاشتباكات في كل مكان، وصولا الى عيد الموسيقى.
اوطان تتعايش في وطن، ومدن متعددة في مدينة واحدة اسمها بيروت.
ولكن الى متى؟

صوت من فلسطين
كان مساء السبت موعدنا مع تتويج محمد عساف ‘محبوبا للعرب’. وبصرف النظر عن عدم استساغتي للقب الذي حمله الشاب الفلسطيني الآتي من قطاع غزة، فإن لحظات تتويجه كانت مؤثرة وجميلة. من سجدته لحظة اعلان فوزه، الى كلامه عن وطنه، الى الكوفية على كتفه والعلم الفلسطيني في يده، الى غنائه محمولا على الاكتاف وهو يدعو الى تجديد العروبة، الى مشاهد الفرح في رام الله وغزة والناصرة…
كان لا بد لهذا الفتى الفلسطيني الذي سرق قلوبنا بصوته الرائع واطلالته الجميلة وتواضعه وحسه العميق بالانتماء الى ارضه، من ان يفوز في النهاية.
لن اعيد ما قيل في البرنامج عن ان المتبارين الثلاثة في الجولة الأخيرة يتساوون في النجومية، (وهذا صحيح) فأنا لا تعنيني النجومية وطقوسها المملة، ولم اصب بالدهشة امام السيارة التي سيفوز بها الرابح، واتمنى ان يتجنب الفائز افخاخ آلة الاعلام والدعاية التي تهدد كل شيء بالابتذال.
كان لا بد لي من ان اشاهد محمد عساف بعد كل ما سمعته عن الفتى، فتورطت في مشاهدة الحلقات الأخيرة من البرنامج، واحسست بسحر الفن الذي اخذني عبره محمد عساف الى بلاده/بلادنا واعادني الى شرف الكوفية الفلسطينية التي تلوّح في سماء المقاومة.
في لحظات هذا التعب العربي الكبير، ووسط كل الحزن واليأس المحيطين بنا من كل صوب، جاء هذا الشاب من مخيم اللجوء في غزة المحاصرة بالاحتلال والأسى ليذكرنا بمدينته بئر السبع، ويأخذنا الى الفرح الطالع من القلب والحنجرة الذي يعيد المعنى الى المعنى. فكان التصويت له بمثابة تصويت للعودة الى جوهر الموضوع في المشرق العربي، اي الى فلسطين.
قد نقول ان فلسطين صارت في كل مكان من ارض البلاد الشامية، حيث يسيل الدم السوري الباحث عن الحرية في مواجهة الاستبداد. وهذا صحيح، لكن علينا ان لا ننسى ان جذر المسألة كلها يقع هناك اي هنا، واننا حين نختار فلسطين نقول لا للاستبداد والاحتلال في الآن نفسه.
كان لا بد من فوز محمد عساف، لا لأن صوته ممتاز بكل المقاييس فقط، بل لأنه ايضا وايضا يقول للفلسطينيات والفلسطينيين ان رسالة الفن هي الدفاع عن كرامة الانسان وحريته، ومقاومة الاحتلال والاستبداد والتعصب الديني.
لا تفهموا فوزه خطأ، انه ليس مجرد لحظة استراحة من عفن السياسة والسياسيين في فلسطين والمشرق العربي، او لحظة نسيان الحزن بجرعة من الفرح، بل هو اولا مناسبة لتذكيرنا بأن الحرية هي مرادف للابداع، وان المقاومة ليست تجهما وسوداوية وشعارات فارغة ويأسا، بل هي افق تصنعه الكلمة والموسيقى والحكاية.
المقاومة فعل حرية، والمقاومون لا يستشهدون ويؤسرون الا ليقولوا انهم ‘يستحقون الحياة’.

مظاهرات وموسيقى
الحشد الشبابي اللبناني في ساحة رياض الصلح ليل الخميس 20 حزيران/يونيو، كان اشبه بصرخة في وادي موت السياسة اللبنانية. مئات من الشابات والشبان حاولوا الوصول الى ساحة المجلس النيابي، مطالبين بالديموقراطية والغاء قانون التمديد للمجلس النيابي، فواجهتهم آلة القمع بالهراوات والضرب.
غريب، فالقمع في لبنان لا يطاول سوى المدنيين الذين يطالبون اجهزة الدولة بالعمل واحترام نفسها. اما المسلحون في كل مكان، من ‘ابطال’ غزوة القصير، الى صيدا الى البقاع الى طرابلس، فلا يلقون من الجيش والشرطة سوى التفهم والتفاهم.
كان ليل الخميس عاصفا، واعلن المشاركون في الحشد انهم سوف يستمرون في اعتصامهم، لكن مساء الجمعة كانت ساحة رياض الصلح خالية الا من رجال الأمن.
قيل ان الاعتصام جرى تأجيله بسبب الصواريخ التي اكتشفت في بلونة، وقيل ايضا انه سيتحول الى اعتصام اسبوعي، لكنه ككل محاولات القوى المدنية والعلمانية يواجه بالقمع والتهميش.
مساء الجمعة حين لم اجد احدا في الساحة مشيت في جولة في وسط بيروت. وكانت المفاجأة. اعداد لا حصر لها من الفتيان والفتيات يسيرون جماعات في وسط المدينة بحثا عن منصات عيد الموسيقى.
كأنك لست في مدينة بل في مونتاج سينمائي ينقلك من مكان الى مكان، ويجعل الأمور تختلط في وجدانك.
ذهبت للمشاركة في اعتصام، فوجدت نفسي في عيد؟
اين كنت؟
هل هذه بيروت؟ ام انها صورة افتراضية لمدينة كان اسمها بيروت؟

من يأسر من؟
لكن المشهد اللبناني لا يتوقف هنا، فلبنان صار هناك، في سورية. حزب الله يملأ بيروت بشعارات الدفاع عن زينب، والسلفيون يلوحون بالسلاح في صيدا في مواجهة السلاح الشيعي!
الحرب السنية الشيعية تدق ابواب لبنان بعنف، من البقاع الى صيدا الى الشمال الى بلونة في كسروان!
لكن المزاج اللبناني يرفض الحرب، وليس مقتنعا بحتمية وقوعها.
المهرجانات الصيفية بدأت كأن لا شيء، وكل شيء يغلي استعدادا لاستقبال الحرب الأهلية الاقليمية، التي صار لبنان اسيرها.
الى اين؟
هل اخذنا حزب الله في مغامرته السورية الى الهاوية؟ ام ان الشعب السوري سينجح في التخلص من هاوية الحرب الطائفية، وينتصر على الاستبداد، فينقذ نفسه وينقذ لبنان معه؟
لست ادري.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية