طبول ترامب وإيقاع فارس

قدم ترامب خطاباً قوياً في كليفلاند الجمعة 22 يوليو ليعلن من خلاله قبوله الترشح عن الحزب الجمهوري في الانتخابات الأمريكية المقبلة، وهو الخطاب الذي سيحتل مكانه في أرشيف التاريخ تحت عنوان «أمريكا أولاً وفوق الجميع»، والعنوان وحده يغني عن قراءة خطابه الطويل فكما يقولون «الجواب بيبان من عنوانه».
لم يكتب ترامب الخطاب، الرؤساء عادة لا يفعلون ذلك، أو على الأقل فإن ترامب ليس مؤهلاً لكتابة خطاب بهذه القوة، وعلى هذه الدرجة من التماسك، ولكن الخطاب يؤشر لوجود تيار جديد في السياسة الأمريكية، من شأنه أن يتمدد في السنوات المقبلة وبغض النظر عن فوز ترامب في الانتخابات المقبلة من عدمه، ويمكن وصف من وضعوا الخطاب بأنهم استطاعوا أن يحولوا (الحلم) الأمريكي القديم ويعيدوا تقييفه ليتناسب مع (الغريزة) الأمريكية الجديدةَ.
خطاب قومي شوفيني، ولدرجة ما يمكن تشمم رائحة الفاشية بين السطور، ورائحة أخرى (غير مريحة) ستجد اسماً لتوصيفها بعد بضعة أسابيع أو أشهر على الأكثر، وستدخل في معاجم العلوم السياسية لتكون أوقع عبارة أثراً في الفترة المنقضية من الألفية الثالثة، ولأن ترامب في تلك اللحظة لم يعد ترامب قبلها، ولأن معركته الآن حاسمة وكبيرة، فمن المؤكد أنه سيستسلم لفريقه بالكامل، ويمكن أن يكتشف بعد فترة وجيزة الأطر الفكرية التي يستند لها الفريق أو، على الأقل، احتواءها بالكامل، فالواضح من الخطاب أن ثمة فلسفة تقف وراءه، كما كانت وراء هتلر أطياف نيتشه وشوبنهاور وشبينغلر وصولاً لكانط وهيغل، وهذه الفلسفة لم يتلقها ترامب مباشرة، ولكن هي التي تلقفته، وهنا يفترق ترامب عن هتلر الذي كان قارئاً ممتازاً ومتمكناً من التعامل معها بصورة نقدية أيضاً.
من بين أسماء كثيرة حول ترامب، خاصة في فريقه الذي يخوض في ترسيم سياسته الخارجية توجد أسماء عديدة، معظمها تقليدية ومكررة وخبرتها بعيدة عن أن توصف بالفكرية، فأكثرهم غارقون في الجانب الاستراتيجي وربما التكتيكي المجرد، وبعض أفكارهم رجعية وتحاول أن تسير في عكس اتجاه الزمن، لتدشن عصر الأمركة في مواجهة العولمة، وهذه دعاية انتخابية يعرف الأمريكيون استحالة تحقيقها لأن بلادهم باتت بتداخلها السرطاني في جميع ما يجري حول العالم ونمطها الاستهلاكي لا تستطيع أن تخرج ببساطة من دورها من دون خسائر فادحة جداً، وحتى لو أطلق ترامب حركة نشيطة للتعمير وإصلاح الجسور والمطارات التي وصفها بأنها أصبحت تشبه نظيراتها في دول العالم الثالث، فإن عليه أن يتذكر أن هذه الاستراتيجية انتهجها كل من هتلر وروزفلت قبل الحرب العالمية الثانية.
الرجل الأخطر في فريق ترامب هو وليد فارس المتأمرك والمتعصب لأمركته الطارئة والمستجدة، وأول علائم الأمركة التي تحتل عقل فارس هي طريقة كتابته لاسم العائلة، فيستبدل Fares الشائعة للغاية بـ (Phares) وهي ما لا تعبر لدى لفظها عن اسمه العربي. ولذلك كان خطاب ترامب يشهد مغازلة انتهازية للأمريكيين من أصول أفريقية ولاتينية لدرجة أنه نصب نفسه مدافعاً عن حقوقهم ومصالحهم، بينما لم يشهد الخطاب أي نفس تصالحي مع الإسلام، فكان اقتران الإسلام بالإرهاب والتعصب واضحاً ومباشراً في جميع المواقع القليلة في خطابه.
وليد فارس على يمين اليمين، وملكي أكثر من الملك، وهو أدرى أهل الشرق الأوسط بشعابه لدى ترامب وفريقه، ولذلك كان واضحاً إصرار الخطاب على وصف اسرائيل بأعظم الحلفاء في المنطقة، لا ليس ذلك فقط، ولكنه قدمها بوصفها وحدها أهم من حلف شمال الأطلسي بأسره، وبالطبع فهذه رؤية لا تحتاج مناقشة علمية أو حتى سياسية، لأن اسرائيل تراجعت في المنطقة، وكل ما يمنح اسرائيل زخماً هو دخولها على الخط لتسويق نفسها بوصفها حليفاً في مواجهة إيران، أما محطات فشلها العسكري في العقدين الأخيرين فمتعددة على الأقل في الحروب التي تجري بطريقة حرب العصابات، فهل يتوجه ترامب لإطلاق اليد الاسرائيلية لحروب التدمير الواسع النطاق.
تركيا غائبة، الخليج العربي كذلك، مصر ذكرت على الهامش في أكثر من موقع، وعلى سبيل تقديم المثال من دون أن أي إشارة لوضعها في أي من اعتبارات ترامب، وبقيت اسرائيل وبعدها ايران التي يراها في طريقها للسلاح النووي، ويحرض الغريزة الأمريكية من خلال تذكيرها بحادثة البحارة الذين جثوا على ركبهم بعد القبض عليهم من الايرانيين، فهل يضع ترامب العالم أمام قطبية جديدة يشكلها خياله المحدود الذي يرفض أن يرى قوس قزح الذي يغطي المنطقة، القوس الذي ذكرته التوراة بوصفه تذكيراً بالعهد الذي قدمه الرب لنوح بألا يكون طوفان آخر، فهل يسعى ترامب لأن يمحو ذلك القوس نهائياً تحت ثنائيته بين الأبيض والأسود، وهل يمكن أن تصب هذه اللوثة الخاصة بنهاية الأيام والخلاص النهائي بما تأسس سابقاً مع الرئيس جورج بوش الابن، ويظهر بوضوح أن هذه اللوثة تترافق مع ترامب بسعيه الذي سيطلقه من أجل تمكين الجماعات الدينية والإنجيلية من تبني خطاب سياسي كان يشترط الانصراف عنه من أجل المحافظة على الإعفاء الضريبي الذي يشملها. يريد ترامب أن يقدم نسخته من المنابر، أن يعطي حافزاً جديداً للغريزة الأمريكية، يستنهض جنوناً جماعياً، فأي وصفة لعينة لا يمكن أن ينتجها إلا متعصبون من طراز رفيع، ودمويون سابقون من مخلفات حرب العراق، وأخطرهم من مخلفات الحرب الأهلية في لبنان.
كيسنجر يسمع طبول الحرب العالمية الثالثة، ومسألة حاسة السمع بالنسبة لكيسنجر ابن الرابعة والتسعين هي شأن طبي بحت، فجميع التيار الذي يمثله كيسنجر ويتبعه كثير من مراهقي السي آي أيه ومراكز البحث الأمريكية يدرك بالفعل أن الولايات المتحدة تغيرت بصورة كبيرة، وأنها تراجعت بشكل ملموس، ولكنهم لا يدركون أيضاً ما الذي تغير في العالم على وجه الدقة، يرون الديمقراطيين مرتعشين أمام دول يصفونها بالهشة والهزيلة، ولكنهم يراهنون على دول أكثر هشاشة مثل اسرائيل التي تختزل عندهم كل ما يعنيه الشرق الأوسط وتعقيداته وتقاطع القوى والمصالح على أرضه.
الأمريكيون يستشيرون وليد فارس، متناسين أن الرجل لم يتمكن من أن يفعل شيئاً ليحمل صديقه ومعلمه القديم سمير جعجع إلى قصر بعبدا، ومع ذلك يراهنون أن يكون رافعة لدونالد ترامب في طريقه للبيت الأبيض، في هذا العالم الغريب والمجنون، يمكن أن يحدث ذلك.

٭ كاتب أردني

طبول ترامب وإيقاع فارس

سامح المحاريق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية