كان الأسبوع الأخير الأصعب في تاريخ حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي، بدءا من الانهيار المتسارع في سعر الجنيه أمام الدولار، إلى اتساع نطاق الهجمات الطائفية، واضطراره لاحتمالات الرد على هجمات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وبينها منح حق اللجوء السياسي للزعيم التركي المعارض فتح الله غولن، وأخيرا وليس آخرا، البحث عن صيغة ما لتبرير عدم المشاركة في القمة العربية في موريتانيا.
وتبدو هذه الموضوعات مجتمعة في أهميتها، مع تباينها في انتمائها إلى قضايا اقتصادية وأمنية محلية، واخرى تنتمي إلى حقيقة المكانة الإقليمية لمصر في العالمين العربي والإسلامي. ونركز اليوم على السياسة الخارجية، ونؤجل الوضع الداخلي، رغم خطورته التي لا يمكن انكارها حتى من أقرب المؤيدين لنظام السيسي نفسه.
هل يمنح السيسي اللجوء إلى غولن؟
في اللحظات التي اكتب فيها هذه الكلمات، تشير وكالات أنباء تركية إلى أخبار لم تتأكد بعد بشأن مغادرة الزعيم التركي المعارض فتح الله غولن للولايات المتحدة، حيث يقيم، تفاديا لقيامها بتسليمه إلى تركيا، حسب طلب اردوغان، وذهب البعض إلى طرح اسم مصر كأحد البلدان المرشحة لاستقباله، لما تملكه من تاريخ عريق في منح اللجوء السياسي، إلا أنه من الواجب التعامل بحذر مع مثل هذه التوقعات.
إذ أن واشنطن لا يمكن أن تقوم بتسليمه بدون عملية قضائية معقدة، ستتطلب وقتا طويلا، وتنتهي بقرار نهائي من رئيس الجمهورية، سيتطلب النظر في المصلحة العليا للبلاد وليس مجرد الالتزام بقرار قضائي. وهكذا فإن وجود غولن يبقى خاضعا لاعتبارات سياسية وليس قضائية فقط، خاصة أن قرارات أردوغان شملت الاطاحة بآلاف القضاة والمدعين والمحامين، ما يثير شكوكا جادة في إمكانية مثول غولن أمام محكمة عادلة في حال تسليمه.
أما بالنسبة إلى قرار مصري محتمل بفتح الباب امام غولن، فيبقى، حسب تقديري، يفتقر إلى كثير من الحكمة السياسية، وتواجهه مصاعب اقليمية حتى اذا بدا مغريا امام القيادة السياسية، التي ستجد «مبررا» لمعاملة اردوغان بالمثل بالنظر إلى استضافته عددا من القنوات المعارضة للنظام المصري، لتصبح اصواتا رسمية لجماعة «الاخوان»، ناهيك عن تصريحاته التي تتجاهل أي إرادة أو آراء للشعب المصري الذي يعاني من استمرار العمليات الارهابية.
وفي الوقت نفسه فإن القاهرة لا تريد أن تصعد التوتر الإقليمي باستضافة غولن وكأنها تتورط في الاتهام بالتدخل في شؤون الآخرين الذي طالما انتقدته. كما أنها قد تفضل في هذه المرحلة عدم التورط في انزعاج سعودي غير مبرر، مع الحاجة إلى الحفاظ على العلاقات بينهما، خاصة أمام تعاظم الحاجة إلى تطبيق الاتفاقات الاقتصادية في ظل انهيار الجنيه امام الدولار، ووجود حكم من القضاء الاداري، يعتبر الاتفاق حتى الان بشأن الجزيرتين (باطلا). إلا أن التوقعات تبقى مفتوحة، للاسف، في ظل غياب الحكمة السياسية لدى نظام سارع بمصالحة نتنياهو قبل أن يحصل على أي تقدم بشأن المبادرة التي اعلنها السيسي لتحقيق السلام. إلا أن نظام السيسي لن يترك تصريحات أردوغان بدون رد، وقد تمت استضافة أحد الصحافيين المعارضين للنظام التركي في قناة مصرية أحدثت غضبا واسعا في أنقرة.. وجاءت لتذكير الحكومة السعودية التي كانت وصلت إلى اتفاق للتهدئة بين الجانبين.
ما حقيقة محاولة اغتيال السيسي في موريتانيا
لابد انني كمصري اشعر بكثير من الحزن أن تكون موريتانيا وشعبها المهذب المبدع وبلد الألف شاعر بشكل خاص، من يدفع الثمن لاستضافة أقل القمم العربية تمثيلا للزعماء العرب، وأنها استمرت ليوم واحد، حتى أن وسائل الاعلام اعتبرتها أحد اكثر القمم العربية فشلا (وكأن حضور القادة العرب عن بكرة ابيهم كان سيجعلها اكثر نجاحا أو أملا). وكانت موريتانيا قادرة بسهولة أن ترفض حضور القمة، كما فعل المغرب.
النظام المصري وجه طعنة غير متوقعة إلى موريتانيا بتبرير غير رسمي لعدم حضور السيسي القمة عبر فبركة قصة لعملية اغتيال، ما يعني أن حكومة نواكشوط عاجزة عن تحقيق الأمن لضيوفها. وأذكر خلال حضوري القمة العربية في بيروت عام 2002 أن الجميع كان يترقب حضور الرئيس المخلوع حسني مبارك لتمثيل مصر، وفجأة أعلن أن رئيس الوزراء سيحضر مكان مبارك، ثم سربت إلى وسائل الاعلام أن مبارك «لن يحضر لاسباب أمنية»، رغم أن القمة شهدت حضورا مهما للزعماء بينهم العاهل السعودي الراحل الملك عبدالله وغيره. انها المغالطة نفسها حصلت مع موريتانيا، وربما للسبب نفسه. إذ أن رئيس مصر رفض الحضور في بيروت احتجاجا على تجاهله في صياغة (المبادرة العربية) للسلام مع اسرائيل.
أما في قمة نواكشوط، فإن الرئيس المصري لم يجد ما يقوله بعد الفشل الكامل لقرارات قمة شرم الشيخ قبل اكثر من عام، سواء بانشاء القوة العربية المسلحة، أو غيرها. وكان من الاولى أن نواجه العرب بالحقيقة، بدلا من تعليق فشل العرب جميعا على موريتانيا التي يحمل الشعب المصري لها كل التقدير، مع الاعتذار عن حبها لمصر والعرب جميعا.
٭ كاتب مصري من أسرة «القدس العربي»
خالد الشامي