نحن والغرب: الوعي ليس وصفة جاهزة تُشترى

حجم الخط
0

إذا ما قورن المستوى العام لمواطن دول العالم النامي، مع مستوى مواطن الدول المتطورة، فإن الدائرة ستتسع للكثير من الفروقات لصالح الثاني. إذا كان الواقع هكذا، فما الإقتراحات الممكنة التي تنهض بالوضع؟ وكم من الزمن نحتاج لإنجاز هذا الهدف؟
إن هذا المأزق يحتاج كثيراً من حديث ومناقشة الخبراء والمحللين والمتابعين والمسؤولين الغيورين، ولكن من الهام جداً إلقاء الضوء على درجة الوعي العام، لدى المواطن العربي. فالوعي ليس وصفة جاهزة، تُشترى ـ مهما بلغ ثمنها ـ إنما الوعي المقدرة الفردية والجمعية، على إنجاز أهداف تتطلع إليها الأمة في تحقيق الرفاهية والإزدهار. تتشكل الأحزاب والمؤسسات وآليات لتنفيذ الأهداف، بجدلية التوافق والتعاون والتفاعل بين تلك المكونات، وأفراد المجتمع ككل، وبطريقة ديمقراطية تحفظ لكل فرد حقوقه، كما يقدم واجباته. كم من الوقت يقرأ المواطن العربي (معدل قراءة المواطن العربي 6 دقائق سنوياً، مقابل 12 ألف دقيقة سنوياً للمواطن الغربي حسب تقرير التنمية البشرية 2010)، ليواكب العصر، وكم إنتاجيته (18 دقيقة يومياً مقابل 7 ساعات يومياً للمواطن في الدول المتقدمة، حسب الإتحاد العربي للتنمية البشرية)، ليحقق ذاته من خلال العمل، الذي يؤنسن الإنسان ويهذبه، وينسج علاقته الجيدة مع أفراد مجتمعه، والمجتمع البشري ككل. إننا ندرك حجم المشكلات التي يواجهها المواطن، ولكن هذا الحجم سيزداد وسيحكم الخناق عليه، إذا لم يحاول الخروج، وهي الولادة القيصرية المؤلمة، ولكن لا بد منها. وليخرج كطائر العنقاء من الرماد ( محمود درويش)، وليفتش كل مواطن عن بقعة أمل يحاول منها الإنطلاق (هذا يجب أن يشمل كل فرد وكل لون أو طيف أو منبت). وعليه أن يراكم تجربته وتجارب كل الأفراد، من خلال الأحزاب والمؤسسات، ويعدل دوماً من خط سيره، فيتلافى الأخطاء ويبني على الصحيح. نبدأ من الأسرة التي تربي على القيم والتعاضد المجتمعي، ثم المدرسة والجامعة، حيث التربية المنهجية السليمة والتجربة الميدانية الرائدة، والخريجين القادة. وترسم المنظمات المختلفة، برامجها في تناغم وتعاون، لأجل إحترام الإنسان العربي ورفع مكانته وكرامته، وهي شرط لا يمكن أن ينهض الإنسان دون ذلك. إن أهم ما يساعد على النهوض الفردي والجمعي، هي المسؤولية المجتمعية، التي يرسمها الجميع ويقوم بها الجميع تجاه الجميع. هذه المسؤولية المجتمعية، التي تبدأ بأعمال الخير والمساعدة الطوعية والإختيارية والموسمية، إلى الأعمال المنظمة والمستمرة والهادفة والمراقبة لتنفيذ أهدافها، والتي تقيم وتقوم دوماً أنشطتها، بحيث يزداد يومياً أعداد ونوعية المشاركين. إن ما تم الحديث بجوهره عن الوعي، يمثل الناظم والراعي والضابط، لكل تصرفات ومسلكيات الأفراد والمؤسسات، بإتجاه مجتمع الغد. فدرجة الوعي المتدنية، هي المسبب الرئيس في إهدار منجزات الربيع العربي مثلاً، فالمواطن قبل قدوم الربيع وأثناءه وبعده، لم يتغير بالشكل المطلوب، ليقود مثل هذا الطوفان ويقود سفينة الأمل إلى شاطئ العرب المتعطش لإسترداد كرامته، ومع ذلك لا يعني الإستسلام، بل التطوير للذات بسرعة غير طبيعية. لقد بنينا غرفة دون باب للخروج، ولهذا ورغم أن مسيرة الربيع العربي جاءت عفوية، إلا أننا لا زلنا نضيع الوقت ـ لقلة الوعي ـ في الخروج من هذه الدوامة، فمن لا يعرف السباحة سيغرق حتماً، ولو في طشت ماء، وتجرفنا التيارات هنا وهناك، وكأنه لا حول لنا ولا قوة، نشكك ببعضنا وننسى تاريخ بعضنا المشرف ( أو نتناساه )، فذاكرتنا مثقوبة أو نثقبها متى رأينا ذلك مناسباً لنا. نعتبر تاريخ بعضنا الذي بدأ للتو هو تاريخ العامة منا، بل تاريخ البشرية السابق والحالي والقادم. أخذنا قشور حضارة العالم وحضارتنا وتناسينا العمق.
إننا معشر العرب علينا جميعاً أن نسأل أنفسنا يومياً مرة واحدة على الأقل: هل تعلمت شيئاً جديداً؟ كم قرأت؟ كم عملاً مجتمعياً أنجزت؟ ما الأشياء الخاطئة التي عملتها وآخرون؟ كيف تصرفت إزاء أخطائي وغيري؟ ما خطتي غداً؟ هل لي دور في مؤسسة أو منظمة أو حزب أو حركة، تطور بحقيقة الأمة؟ هل أتابع مختلف شؤون وشجون الأمة؟ هل لي مساهمات إنسانية، بما فيها الخارجية؟ هل أحاول الإستفادة من مختلف الإنجازات التي تحققها الدول المتقدمة، مع التقدير لتلك النجاحات؟
إن الإنسان العربي لو نظر بتعمق، لوجد صورة مأساوية، ولكن كما يقولون أن تأتي متأخراً، خير من ألا تأتي، فالهوة بيننا وبين البلدان المتقدمة، هائلة، ولكن مسافة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة ( المثل الصيني ). علينا أن نحقق الأهداف القريبة والتي في متناول اليد، ثم نطور سقف التوقعات بإستمرار. إن ما نتحدث عنه هنا، لا بد له من البيئة الديمقراطية، والتي بدونها سيكون التطور شاقاً جداً، كالذي يحفر على صخرة بإصبعه. ورغم ذلك فهذه البيئة، لا تُصنع ولا تُستورد، بل من رحم المعاناة تولد، وعلينا المساهمة والمساعدة بولادة طبيعية، قدر الإمكان، عسى أن يكون المولود غير مشوه. وكما قال الشاعر المصري أحمد فؤاد نجم، بلسان رفيق دربه الشيخ إمام الذي صدح : ‘ إرمِ الكلمة في بطن الظلمة تحبل سلمى وتولد نور ‘
عبدالله أبو مازن

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية