بخلاف الشائع، لم تجنح الثورة الفرنسية في أيّ من منعطفاتها، ومع أيّ من رموزها باتجاه الفصل بين الدين والدولة. بالعكس تماماً، ارتاب قادتها ومشرّعو «جمعيتها التأسيسية» قلقاً متواصلاً من أن يؤدي اختزال شؤون الدين في التعبّد الفرديّ والمنزليّ إلى انحلال الرابطة الإجتماعية. وعلى خلفية هذا القلق المتواصل، كان السعي إما لإعادة ترتيب العلاقة بين الدولة وبين الكنيسة وفقاً لمفهوم العقد الإجتماعي بالشكّل الذي فهمه ووظّفه أركان الثورة، وإما لصياغة دين جديد للأمة، يكون في آن واحد قومياً وإنسانياً.
الفصل بين الدولة وبين الكنيسة، وبين الكنيسة وبين المدرسة العمومية، لم يحدث في فرنسا إلا بعد 116 عاماً على قيام الثورة، وفي عزّ «الجمهوريّة الثالثة» التي قامت في إثر الهزيمة الفرنسية أمام بيسمارك، وكمحاولة تجسير الهوّة الفاصلة بين «فرنسا الثورة» و»فرنسا الثورة المضادة»، وقد فهم مؤسسوها، رغم غلبة المناخ المتأفف من الإكليروس فيما بينهم، أنّ عليهم قبل كل شيء مهادنة الكاثوليكية، والسعي لاستمالتها، إذا ما أرادوا للفكرة الجمهورية أن تدوم، كي لا يكون سقوطها محتوماً وسريعاً، على غرار الجمهوريتين السابقتين الأولى والثانية.
لم تكن الثورة الفرنسية علمانية لأن المشاريع الفلسفية السياسية التي تنازعت خشبة المسرح فيها رابضت في اطار اللاهوت السياسي، ساعية لإعادة تشكيله أو تثويره، وليس إلى نقده أو تفكيكه. وفي المقابل، ليس لقرار الفصل بين الدولة والكنيسة لعام 1905 أن يختزل لوحده كل معاني العلمانية وأبعادها، وقبل كل شيء ليس بـ»الفصل» تُعرّف العلمانية، ذلك أن سمة الحداثة السياسية عموماً، والمسارات الديمقراطية خصوصاً، هي توسيع نطاق التسييس، وتسييس كل شيء، تسييس ما لم يخطر بالبال تسييسه في المجتمعات التراتبية ما قبل الحديثة، والإعتراض المركزي للكنيسة الكاثوليكية في فرنسا وعموم أوروبا كان يتناول هذه الزاوية بالتحديد، كان يتناول زاوية الديمقراطية التي تسيّس كل شيء، والتي أعتبرت حتى التصالح المتأخر – والحذر – معها، مناقضة للتصوّر الكاثوليكيّ عن العالم، التصوّر الذي يسوّغ «التمدّد الزمني» لسلطة الكنيسة الروحيّة، بكونها الضامن الحامي من عدم تسييس كل شيء، وعدم تمدّد السياسة إلى أحوال الضمائر والمعاشات اليومية على ما صارت عليه الحال مع الحداثة والديمقراطية.
من بين جميع ما كُتب في العقد الأخير متناولاً موضوع العلمانية، يتفرّد كتاب المفكر الفرنسي إميل بيرو-سوسين «الكاثوليكية والديمقراطية. تاريخ للفكر السياسي»، بتتبع المسار الفكري للصراع بين الجمهورية والكثلكة، والذي سينتهي بتبلور «علمانيتين»، واحدة تعتنقها الدولة الفرنسية والقسم اللادينيّ من المجتمع، وثانية تتبناها الكنيسة والقسم المتديّن من المجتمع. رحل بيرو-سوسين عن دنيانا في عزّ شبابه وعطائه (1972-2010) لكن الإسهام الذي قدّمه هو أكثر من مفتاحي، كونه، وعلى الرغم من عنايته بالسياق الفرنسي حصراً، يمكن الإستعانة به لرفع التباسات وغشاوات كثيرة، وتبديد نظرات نمطية، بليدة أو متهورة، للثورة والجمهورية، والعلمانية، والإصلاح الديني – الكنسي.
فما طرحته الثورة الفرنسية من خلال «الجمعية التأسيسية» الثورية وأقرّته عام 1790 كان «الدستور المدني للإكليروس» الذي سيفجّر صراعاً محموماً، كانت الكنيسة حتى ذلك الحين تعتبر أنّه من الممكن تليينه وتطويقه. هذا الدستور المدني للإكليروس اعتمد المماهاة الكاملة بين «شعب المواطنين» وبين «شعب المؤمنين»، بحيث ينتخب المواطنون الهيئات الدينية الرعوية والأسقفية، تماماً مثلما ينتخبون النواب. الفكرة التي تقيّدت بها الثورة وضعها القس سيايس في بيانه (انجيل الثورة)، «ما المنزلة الثالثة؟»، وهي أن الإكليروس لا يشكّل طبقة سياسية قائمة بذاتها بل هو مهنة. المعادلة كما يلتقطها بيرو-سوسين، انه بدءاً من اللحظة التي يصير فيها الإكليروس شأناً «مهنياً» تتزعزع فيها الأسس الاجتماعية والسياسية لسلطانه، ومن هنا جاءت فكرة المؤسسين بانتخاب الكهنة والأساقفة، على سبيل منح الكنيسة المدنية شرعية بدل عن ضائع، الأمر الذي قاومه أغلب الكهنة بشدّة، خصوصاً وأنّ مصدر التشريع نفسه الذي يحوّل شعب المواطنين إلى شعب المؤمنين الذين ينتخبون كهنتهم، ويفرض على الكهنة أداء القسم لهذا النسق، هو المصدر الذي شرّع مبدأ الحرية الدينية في المادة العاشرة من اعلان حقوق الانسان والمواطن، ما يعني اباحة أن يكون هناك أناس لا يدينون بالكثلكة ويمكنهم في الوقت نفسه انتخاب الهيئات الكنسية. وكما أن هناك مواطنين غير كاثوليك، فان المشكلة الثانية التي واجهتها الكنيسة الفرنسية مع هذا التشريع الثوري، ان هناك كاثوليك غير مواطنين، وهؤلاء، بدءاً من الحبر الأعظم نفسه، لا يمكن كفّ يدهم عن الأحوال الإدارية والتنظيمية للإكليروس الفرنسي (فـ»الدستور المدني» للإكليروس يكتفي بـ»إعلام» البابا بمن جرى اختيارهم للسدّة الأسقفية). وهنا حدثت انعطافة كاثوليكية. فمنذ القرن السابع عشر، نحت الملكية الفرنسية «المطلقة» باتجاه «الغاليكانية»، أي فرض «حواجز قومية» أمام تمدّد سلطة البابا، واعتبار الحق الإلهية للملوك والأمراء غير خاضع في الشؤون الزمنية لأي سلطة كنسية. مثّلت «الغاليكانية السياسية» عقيدة الملكية الفرنسية قبل الثورة: ملك فرنسا يستمدّ شرعيته من الله مباشرة، وليس هناك من هو أعلى منه مقاماً على الصعيد الزمني. هو يخضع للبابا روحياً، لكن «السيادة» هي حصراً له.
أدانت البابوية هذه العقيدة لفترة طويلة، لكن هذه العقيدة رسخت في فرنسا النظام القديم، بما في ذلك في كنيستها، في مقابل النزعة الأخرى، المتطلعة «ما وراء جبال الألب»، إلى طلب الإرشاد السياسي من روما.
مقلب الثورة الفرنسية أنّها أوصلت هذه «الغاليكانية السياسية» إلى خواتيمها القصوية: فصل كنيسة فرنسا عن روما بشكل أكثر جذرية، وعلى قاعدة المماهاة بين شعب المواطنين وشعب المؤمنين في النطاق القومي. أدّى ذلك في المقابل إلى هجرة المعسكر الملكي – الكاثوليكي لهذه الغاليكانية، فأعاد أركان «الثورة المضادة» التصالح مع العقيدة المنافسة، عقيدة الارتباط بـ»ما وراء الجبال».
وجد حزب الثورة، في شرح بيرو-سوسين، صعوبة بالغة في الإنفكاك عن تراث الملكية المطلقة بأنه يلزم دين للأمة، وان لم يعن ذلك الدين الكاثوليكي حصراً بالنسبة لأركان الثورة، وهؤلاء تنقلوا بين محاولة استصلاح الكاثوليكية، بشروطهم، وبين محاولة ابتداع ديانات جديدة مثل «عبادة العقل» و»عبادة الكائن الأسمى». البحث عن سلطة روحية بديلة ظلّ يشغل قادة الثورة، ومفكريها. طيلة القرن التاسع عشر التزم معظم المفكرين الفرنسيين من كافة الاتجاهات باشتراط الاشتراك في المعتقد لقيام المجتمع. عنى ذلك المعتقد الكاثوليكي في معسكر الثورة المضادة، وصولاً إلى اعتبار الثورة شيطانية من حيث الجوهر، بالنسبة إلى جوزيف دو ميستر، كونها تفكك الرابطة الاجتماعية، وتحديداً عندما ترمي إلى تحويلها إلى رابطة اجتماعية اختيارية، مطلقة اذاك الشرور الكامنة في النفس الإنسانية.
لكن ذلك عنى شيئا مختلفاً لفيلسوف الوضعية اوغست كونت، الذي تأثر بدو ميستر وكتاباته التي تشدّد على ضرورة الوثوقية لبناء المجتمع. بالنسبة لكونت أيضاً، لا يمكن بناء مجتمع دون سلطة روحية، وبغياب السلطة الروحية تكون السلطة الزمنية منتقصة الشرعية، لكنها لم تعد للكنيسة الكاثوليكية، وانما لكنيسة «علموية» طمع في بنائها، وتعتمد «دين الإنسانية» الذي حاول ابتداعه، كديانة لا تعتقد بالغيب.
ورثة اوغست كونت العلميون هم آباء «الجمهورية الثالثة». لم يعملوا طبعاً على ارساء كنيسته «العلموية»، ولا عادوا مكترثين بلعبة تأليف دين جديد، انما وجدوا ضالتهم في المدرسة العمومية، كتجسيد جمهوري تطبيقي لهذه الأفكار، فهذه المدرسة هي ما يمكن تحقيقه من الكنيسة الوضعية الإنسانية التي حلم بها كونت، وهي المخرج من التناقض الذي وقعت به الثورة الفرنسية، التناقض الذي مردّه أن لا يمكن الحياد بين الظلامية والتنوير، ولا يمكن في الوقت نفسه اجبار الراشدين عاى ان يكونوا أحراراً. المدرسة رفعت هذا التناقض، باعداد الناشئة لتشرب العقل العلمي والقيم الجمهورية.
يميّز بيرو-سوسين في تاريخ «الجمهورية الثالثة» بين اتجاهين: علمانوي، يعتبر الدولة هي ضامن الحرية الفردية، كونها تحرّر النفر من الأجسام الوسيطة، وتزرع فيه الوعي بالحرية منذ الصغر. وليبرالي، متحسس سلباً من هيمنة الدولة. المفارقة أن البابا بيوس التاسع كان أدان الليبرالية بالاسم، كبدعة، في رسالة له عام 1864.
لم يكن هناك، مع ذلك، «حتمية تاريخية» للفصل بين الدولة والكنيسة في «الجمهورية الثالثة»، وهي كانت أكثر ايجابية في تعامله مع الكاثوليكية من سلبية الوحدتين القوميتين الألمانية والايطالية تجاهها، وهذا ما يفسر الود الذي أظهره البابا ليون الثالث عشر تجاه الجمهورية ودعوته الكاثوليك للالتحاق بها.
في المقابل، بقي الأنتي-اكليريكيون في رأس الدولة الفرنسية، يعملون بأجندات الربط الالحاقي للكنيسة بالدولة، و»الفصل» بين المؤسستين لم يحرّكوه في البدء إلا كوسيلة ضغط في هذا الاطار، ثم تلبّسوه، ليصير هوية متنامية للجمهورية الثالثة، وبعدها لفرنسا، مع أن الشقاق بين فرنسا الثورة وفرنسا الكاثوليكية لم ينته إلا في ظل هذه الجمهورية، وتحديداً مع «الاتحاد المقدّس» دفاعاً عن الوطن في الحرب العالمية الأولى.
فرادة بيرو-سوسين أنّه يبيّن من خلال شرحه هذا ان ماهية العلمانية تكمن في «نقد اللاهوت السياسي»، وان العلمانية الحادة تبقى واقعة في محاولة علمنة اللاهوت السياسية واعادة تشكيله، بدلاً من «التماسف» النقدي (أخذ مسافة) معه. ورغم حدة المعسكر العلمانوي الفرنسي، يلحظ هذا المفكر ان هذه العلمانية الفرنسية استمرت بعمق كاثوليكي، أظهرته تحديداً تجربة الحرب الكبرى، وسوّغت كتابات مفكرين عديدين من تلك المرحلة، مثل شارل بيغي الذي أكد «وحدة الجوهر» بين الزمني والروحي، رغم تأييده الفصل بين الدولة والكنيسة، مطالباً بأن يكون هذا الفصل مناسبة لتسييس المسيحية أكثر، وليس العكس، بعودة الكثلكة المتجددة لارتياد آفاق الفضاءات العمومية والحياة المشتركة. انتقد شارل بيغي انكار «الكهنوت العلمانوي» حضور الأبدي في الزمني، كما حمل على «انكار زمنية الأبدي» عند الكاثوليك، مشدداً على ان الطبيعة (الناسوتية) تتمازج مع الرحمة (الربانية) في الحياة البشرية.
يظهر بيرو-سوسين كم ان روحية مجمع الفاتيكان الثاني في ستينيات القرن الماضي تأثرت بهذه الروحية، روحية اعادة تسييس المسيحية بشكل جديد وعلماني، وليس هجرانها للعالم. لكنه يشدّد في الوقت نفسه على ان المنعطف الأهم في التاريخ المسيحي الحديث هو مجمع الفاتيكان الأول عام 1870. فهذا المجمع الذي انتصرت فيه ظرفياً شعارات عقيدة «ما بعد الجبال»، من خلال عقيدة «العصمة البابوية»، ارسى جدلياً في نفس الوقت، منطق تعامل مع الدولة الحديثة، كدولة علمانية من حيث طبيعتها، وان حدث ذلك بالامتعاض في البدء، الأمر الذي فتح الطريق للاصلاح الكنسي الديني اللاحق. ما بين المجمعين، تدرجت الكثلكة من مناهضة الديمقراطية إلى تبنيها، والتشديد في نفس الوقت على عدم كفاياتها من دون الحياة الدينية، الضرورية لناحية الوعي بحدود الاستقلالية البشرية في هذا العالم، وبالحدود المعيارية الواجب بلورتها للحيلولة دون تسييس كل شيء، وهو تسييس يعني في مقلب آخر نزع السياسة من السياسة.
٭ كاتب لبناني
وسام سعادة