محنة الإخوان المسلمين والانقلاب الوشيك

حجم الخط
5

من غير الممكن بأي حالٍ من الأحوال المبالغة في ما تعيشه مصر من غضبٍ عارمٍ وسريان روح التمرد وإرادة الانتفاض لدى القطاع الأعظم من الجمهور في شارعٍ منفلت، والتطاحن الذي وصل حد الاحتراب بين التيارين العريضين في السياسة المصرية، بصورةٍ بات من السذاجة معها تصور إمكانية إيجاد صيغة توافق، وأكاد أجزم بأن الكل، شعباً ومهتمين ومحللين، باتوا على يقينٍ من أننا على طريق تصادمٍ وشيكٍ ومروع، وما الأيام التي نعيشها سوى عدٍ تنازلي لليوم المشهود، الثلاثين من حزيران/يونيو. ولئن تغاضينا عن تصريحات الفرقاء معتبرين إياها جعجعةً فارغة لا تعني شيئاً الغرض الوحيد منها إثبات الوجود والإصرار والإقدام الخ، فإن بيان الفريق السيسي غير المسبوق من حيث حدة اللهجة وصراحة التهديد بالتدخل، من دون أدنى مداراة، لهو خير إثباتٍ لمن تبقى لديه أي وهمٍ عالق عن جدية الخطر وحتمية الصدام وطابعه الدموي، لاسيما في ضوء الحادثة البشعة التي قتل وسحل فيها أربعة مواطنين، لخلافات مذهبية في سابقةٍ وحشيةٍ نوعية لا عهد للمصريين بها.
غير أن أكثر ما يثير الدهشة الأعمق لدي (وأتصور أن الملايين يشاركونني نفس الشعور…) هو ذلك الإصرار العنيد من قبل د. مرسي والجماعة وأتباعهم على المضي قدماً، من دون تقديم أية تنازلات أو تراجع تكتيكي لتفادي السقوط في هاوية صراعٍ يشكل تهديداً لا لبقائهم في السلطة وحسب، وإنما لاستمرارهم كتنظيمٍ من الأساس، خاصةً في ضوء تاريخهم الذي شهد مرونةً ومقدرة ً فائقةً على التعايش، وأن كل سوابق الصدام منذ الثورة كانت تنتهي بتقهقرهم واندحارهم، بعد بدايةٍ قوية نسبياً على يد سائر الفصائل وأفراد الجمهور الذين يفوقونوهم عدداً… والحقيقة أن المتتبع لتصريحات ذلك الفصيل الملتف حول د. مرسي سيجد فيها، فضلاً عن التخبط في سيلٍ من السباب والاتهام والتكفير و’الخروج'( بما للكلمة من مدلولٍ تاريخيٍ لا يخفى على أحد) للمناوئين وكل من يعتزم الخـــروج، إما تهويناً من شأن الأعداد التي ستخرج ومقدرتها على الفعل، وإما نفياً لاحتمالات حدوث شيءٍ من الأساس… ولا تملك إلا أن تسأل نفسك:’أين يعيش هؤلاء؟’.
لا يسعفنا في هذا المجال سوى مصطلح ‘حالة النفي’ لنستعيره من كتب الطب النفسي، فالسيد مرسي والجماعة يعيشونها بكل كيانهم، فهم يرفضون تصديق الواقع أو ‘وهو الأدهى، لا يرونه ولا يميزون فيه مواطن الخلل والترهل؛ بل لعل الأدل على ذلك هو ما أذيع عن اجتماعات د. مرسي مع حزبه وحكومته ‘للتشاور والتباحث’ بعد لقاءٍ متوترٍ مع الفريق السيسي… أليس لنا أن تستنتج من ذلك أنهم لم يدركوا الخطر إلا حين تم لفت أنظارهم إليه؟
أجل، هي حالةٌ من النفي والانفصام عن الواقع، مع سوء فهمٍ وتقدير وارتباك، والمشكلة الحقيقية أن كل ذلك ما هو إلا تعبير عن إشكالية أعمق. في أدبياتهم يتحدث الإخوان عن ‘المحن’ فيعتبرون قرار الحل الأول واغتيال المرشد المؤسس حسن البنا محنة، وصراعهم مع عبد الناصر الذي أفضى إلى الصدام ومحاولة الاغتيال في حادث المنشية الأشهر عام 1954 وما ترتب عليه من قرار الحل وحملة الاعتقال محنة، الخ أي هم يطلقون هذه الكلمة على كل جولة من جولات الصدام التي وقعت بشكلٍ شبه دوري مع الأنظمة المتعاقبة حتى عهد مبارك. وبطبيعة تكوينهم يحملون في رواياتهم المعتمدة، الأطراف الأخرى المسؤولية شبه كاملة، بلا نقدٍ للذات أو مراجعة موضوعية حقيقية.
لكنني أتفق معهم، فهم فعلاً يواجهون محنةً عصيبة، يواجهون أنفسهم وطبيعة تنظيمهم، يواجهون الخلل الخطير في منطلقاتهم الفكرية وفي الأساليب التنظيمية التي اتبعوها، والتي رسمت المسار والنهج الذي ساروا عليه.. لقد وصلوا إلى آخر الشوط، وإذ نضج مشروعهم واستوى على عوده برز مدى قبحه وخلله. ليس في مقالٍ محدودٍ بعدد الكلمات بالمتسع الكافي لتمحيص كل جوانب القصور، ولكننا قد نوجز بعض أهمها:
أولاً: الغموض، لقد تعمد التنظيم منذ نشأته على يد المرحوم البنا ألا يفيض في التفاصيل، بل يستعيض عنها بالعبارات الفضفاضة البلاغية حمالة الأوجه، التي تدغدغ المشاعر الدينية، والغرض من ذلك بسيط كما أنه واضح، إذ يمنحهم مرونة الحركة والمناورة السياسية، فضلاً عن الكلامية ويتيح لهم تكييف المقال وفق الظرف؛ وأهم من هذا وذاك فهو يوفر عليهم احتمالات الخلاف، وما قد تؤدي إليه من انشقاقات بين الإسلاميين على أساس اختلاف التأويل والرأي، وليس أبلغ دلالة على ذلك من كون المرحوم سيد قطب كان من أنصار ومروجي شعار ‘الإسلام هو الحل’، ليرد به ‘الإخوة’ المنضمون للتنظيم على كافة التساؤلات المتعلقة بالتفاصيل الملحة، من قبيل البرنامج الاقتصادي وشكل الدولة والانحياز الاجتماعي، من قبل السائلين والناعين عليهم والخصوم السياسيين، مفضلاً إرجاء كل ذلك إلى حين الاستيلاء على السلطة ثم يأتي كل الباقي ‘على مهل’.
ثانياً: الانعزال والإقصاء وغياب الديمقراطية في تنظيم حديدي صارم قائم على السمع والطاعة. هي دورة متكاملة، فالقادة في الجماعة تصوروا أنهم لا يحيون الأخلاق فقط، فهذه أمرها هين، وإنما تعاملوا مع قضيتهم منذ البداية على كونها إحياء لمجتمع ميت (في تصورهم ووفق معاييرهم بالطبع…)، فتجد أنهم ليسوا مجرد زملاء أو رفاق في تنظيم سياسي، مع كل ما يحتمل ذلك من وفاقٍ فكري وصداقة ونضالٍ مشترك، وإنما تتركز وحداتهم على نواة تنظيمية هي ‘الأسرة’، التي صارت تتخطى مجرد الشكل لتتجسد في شبكةٍ معقدةٍٍ من علاقات الصهر والعمل، تنظر إلى من هم خارج الجماعة والتنظيمات المشابهة كونهم ‘الآخر’ الذي يتفوقون عليه بامتلاكهم الحقيقة المطلقة والحق الإلهي. وليس أدل على ذلك من تصريحات القيادي صبحي صالح، التي أصبحت مثار تندر حين استنكر زواج ‘الأخ’، أي أخ، من خارج الجماعة!….وإذ راهنت الجماعة على التنظيم المحكم، ولما كان المرشد هو الحاكم بأمره وكل الآراء استشارية فحسب، واعُتمد مبدأ السمع والطاعة كقانونٍ أولٍ مقدس، وربما وحيد، فقد انتفى التنوع والثراء… وحسبنا في هذا المجال صيغ الولاء والتقديس والبيعة التي كانت تبذل للمرحوم حسن البنا والمرشدين من بعده… لقد تمكنت الجماعة من بناء تنظيمٍ ضخم أوصلهم للسلطة، ولكنه جسدٌ كبير بعقلٍ صغير، ضاق بالعقول المتميزة القادرة على الاختلاف والتفكير والنقد (لاحظ أن ثروت الخرباوي ود. عبد المنعم أبوالفتوح ليسا بالوحيدين)، شحيح الكفاءات، لقد انعزلت الجماعة في ‘غيتو’ لا ترى ما وراءه.
ثالثاً: إن الخليط الفكري الذي يشكل مرجعيةً فكرية للجماعة، من موقفٍ ملتبسٍ تجاه الغرب يقبل بالمكتسبات المادية والتقنية ويرفض إجمالاً ويعادي الذهنية وطريقة إنتاج المعلومة وآليات النقد والتحليل التي تحركها، مع تقديس وعودة إلى التراث وفق نظرةٍ ترى الفترة الذهبية للإنسانية في الماضي وتسعى لاستعادتها. ذلك الخليط المشبع بالغضب والشعور بالإهانة مع الرغبة بالثأر مع اليأس والخزي والهزيمة يغفل كثيراً من حقائق التاريخ والجغرافيا، ويتعامل مع مصر ككيانٍ حضاري بشكلٍ متعسف فيختزلها ويحاول وضعها في قالبٍ ضيقٍ ومشوِه، ويكفي هنا أن نذكر ونؤكد أن مصر لم تبدأ مع الإسلام ودخول العرب إلى مصر، وإنما هي أعمق جذراً في التاريخ.
رابعاً: لقد تحركت جموع الشعب المصري في الخامس والعشرين من يناير لتسقط في مبارك عهداً ونظاماً من الفقر والإفقار والتهميش والاستلاب والإهانة والقمع والتبعية، لا لتحل مشاكل تتعلق بالهوية الثقافية والدينية، ليست فقط غير ملحة، بل نزعم أنها غير موجودة في ذهن السواد الأعظم من المصريين، المنسجم مع وضعه الإقليمي والحضاري… ومن سخرية الواقع المريرة وهزل ميراث التجريف والترهل طيلة أربعة عقود، أن وصل تنظيم يميني يدين بنفس ولاءات مبارك السياسية ويتبع نفس سياساته الاقتصادية إلى سدة الحكم..
لقد تعاملت جماعة ‘طز في مصر’ مـــع أفراد الشعب كونهم أصواتاً انتخابية توصلهم إلى السلطة المنشودة، ولما تحققت الأمنية لم يستطيعوا تخطي قصورهم الذاتي.. لم يستطيعوا الخروج من الغيتو والانفتاح على المجتمــع بأسره، كما لم يستطيعوا التخلص من الغموضن بإيجاد مشروعٍ حقيقيٍ ذي صيغٍ ملموسة يحل مشاكل البلد، ناهيك عن افتقارهم لمنظورٍ طبقي للصراع الاجتماعي يمكنهم قبل كل شيء من فهم الثورة والتعاطي معها… ومع ما تكسبه فكرة الاستقواء والتظلل بالدين من استعلاء، صار التعامل مع الفصيل المعادي لا على كونهم خصوماً سياسيين، وإنما كونهم كفارا مارقين يتوعدونهم بالويل الثبور، كما كانوا يصيحون في مليونيتهم الأخيرة التي تميزت باللطف والدماثة.
لقد وصلت الأمور في مصر إلى مرحلةٍ لم يعد لها من مخرج ينتزع الفتيل في رأيي سوى استقالة د. مرسي وحكومته إنقاذاً لجماعة الإخوان المسلمين، فالناس نازلون يوم الثلاثين، بأعدادٍ سوف تذهل البشرية جمعاء، وبغض النظر عن المعارضة في جبهة الإنقاذ التي لا يأتمرون بأمرها… والقوات المسلحة تكشر عن أنيابها. للأسف لا أظن د. مرسي (مع ما يعاني منه طاقمه من رفضٍ للواقع) متراجعاً أو مستقيلاً… ومع اعترافي بشتى الاحتمالات فإن الأقرب أن الجمعين سيصطدمان، وحينئذ ستكون الضربة القاضية من نصيب الجيش…

‘ كاتب مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية