اتحادات الكتّاب العربية أيّ كارثة ستحدث لو حُلّتْ نهائياً؟

مرة أخرى، يستثيرني هذا الموضوع لسبب بسيط هو أن النداءات والصرخات لا تصل، في عالم عربي كل يوم يتآكل أكثر، ويسير نحو تراجيديا شديدة الخطورة يصنعها الأفراد، لكن المؤسسات القائمة أيضاً، منها المؤسسات الثقافية. تاريخياً، تظهر المؤسسات وتختفي استجابة للحاجة الثقافية والاقتصادية والاجتماعية، بوصفها منتجاً بشرياً لا أكثر، يتوقف عندما يصل إلى سقف عطاءاته.
في العالم العربي تتخذ المؤسسات طابع القداسة، فترتبط بمصير القطاع الذي تمثله. لا شيء يتغير وكأن المجتمعات التي مرّ على وجودها الحديث أكثر من قرن، لا تحتاج إلى دم جديد لكي تنتقل متخلصةً من كل المعوقات الممكنة. البرنامج المدرسي في المؤسسة التعليمية مثلاً، يبقى كما هو، لأن تغييره سيضر بالأطفال، والكل يعلم أن البرنامج في وادٍ والحياة في وادٍ آخر، وهو لا يعكسها مطلقاً.
أتذكر، سنوات، بعد إعلان التعددية في الجزائر، بعد أحداث 5 تشرين الأول/أكتوبر 1988، ظل الحديث في الكتاب المدرسي، التاريخي بالضبط، عن حزب جبهة التحرير بوصفه الحزب الوحيد والأوحد في الجزائر، بينما كانت الساحة السياسية تعج بستين حزباً. ويمكن أن نقيس على ذلك الكثير من الظواهر العربية. مؤسسة واحدة ووحيدة قطعت الزمن ولم تتأثر. حتى أن النظام الهيكلي الذي كان من وراء جانبها التنظيمي، انتفى بسقوط النموذج السّوفياتي في السياسة والإدارة، وبقيت هي وكأن شيئاً لم يحدث أبداً. بقيَ خطابها ومفرداتها وتسميات شكلها التنظيمي كالنظام الداخلي، المكتب، مجلس الاتحاد، الأمانة العامة، غيرها.
لم تخرج عن هذا الجانب المتهالك حتى المؤسسات الثقافية كاتحاد الكتاب الذي يستمر ميتاً أحياناً، وتبعياً في أحيان أخرى بدون القدرة على التوقف وإعادة النظر في التنظيم. لهذا يسبقنا السؤال الذي لا يمكن تفاديه: ماذا تشكل اليوم اتحادات الكتاب العربية في نسق الجهد المجتمعي للخروج من دائرة التخلف، في عالم عربي ينهار كل يوم أكثر؟ وينشأ من جديد أو يموت، داخل رماد ثقيل، كلما هبت عاصفة، حجبت عنها الرؤية؟ هل لاتحادات الكتاب دور ولو صغير، في عملية التحولات الصعبة ما دامت مشكلّة من نخب ثقافية الكثير منها عُرف بدوره الثقافي المميز والريادي أحيانا؟
الرعيل المؤسس مات، الثاني تشبث بالاتحادات بوصفها المنقذ في ظل عجز وزارات الثقافة التاريخي عن أداء أي دور، والثالث حوّلها إلى سلم طويل يعلوه متشبثاً به، فقط ليصبح مرئياً للوصول إلى مناصب في الدولة، والرابع يحاول بعبث نفخ الروح فيها لأسباب متضاربة، على الرغم من الصعوبات، وينسى أن الموت عندما يسكن جسداً ينتهي فيه، وأن أي جهد يبذل لإعادته للحياة هو إسهام في تفسخ جثة الاتحاد، التي تصبح رائحتها قاسية، تبعد عنها كل من لا تزال حواسه تشتغل على الأقل. لأن زمننا الذي نعيشه اليوم عطل اشتغال كل الحواس، نرى (البصر) البؤس ونصمت عليه. نسمع (السماع) نداءات الاستغاثة ولا نتحرك. نلمس (اللمس) كل يوم تمزق الجسد العربي ونغفو في حرير القومية المتآكلة. نشم (الشمّ) العفن، ونلتفت صوب الفراغ، حتى تعودنا عليه ولم يعد يجرح خياشيمنا.
كيف نبرر الانهيارات المتلاحقة التي مست هذه الاتحادات في الصميم، وفجرتها في السنوات العشر الأخيرة كاشفة عن ضعفها البنيوي والتنظيمي. قبل أن تجهز الثورات (الانتفاضات) العربية على الكثير منها وتحولها إلى قوقعة فارغة، لا شيء فيها إلا اسمها لأنها في أغلبيتها ظلت متواطئة مع النظم العربية المنهارة، أو على حوافها. إذ ظل فعلها الثقافي هو تبرير ما لا يبرر. إذا كان هناك شيء مهم في الانتفاضات العربية الأخيرة، هو أنها غيرت الكثير من اليقينيات وهزتها بقوة، بالخصوص دور الفعل الثقافي بمختلف تمظهراته. الاتحادات لا تتبدى عربيا بنفس المظاهر وإن جمعتها بصيرورة الحكم في العالم العربي الذي غيب الفعل الديمقراطي وسخره للحزب بوصفه حاملاً لأيديولوجيته، أواصر كثيرة جعلتها تابعة عضويا للجهاز.
في السنوات الأخيرة، لم تفقد الاتحادات فقط بريقها، ولكنها اهتزت في الصميم، وبدأت تأفل شيئاً فشيئاً باستسلامها التبعي للمؤسسة السياسية المهيمنة. وبدل أن تعيد النظر في بنيتها التي ولّدت كل الخرابات اللاحقة، في مسألة الاستقلالية والحريات، إذ لم تفتح فمها أمام قرارات ابتذال الفعل الثقافي والتجاوزات التي لا تحصى، وأحكام السجن المجحف، والإعدام، ضد الكثير من الكتاب والمثقفين. ظلت صامتة، رأسها في الرمال، كأنها غير معنية بما كان يحدث من حولها. وكردة فعل مبررة، نشأت بجانبها في كل اللحظات التاريخية، حركات احتجاجية كانت ترفض خيارات الصمت، لكن قوتها ظلت دوماً غير محسوبة، إذ هي كانت مخترقة أيضاً بغموضها الداخلي أو اتخذت صفة التصفيات الخاصة. المشكلة الجوهرية لهذه الاتحادات هي أنها فقدت حريتها الأساسية عندما اختارت أن تسير في ركب السلطة السياسية أو الحزبية، كيفما كانت نية الحزب، وتاريخه وليس في الدولة كمؤسسات. هيكلياً لا تستطيع هذه الاتحادات المتهالكة والمشلولة بنيوياً، إلا أن تكون كذلك مهما حاولت. فهي إذا نجت من تبعية السلطة، لا تنجو من تبعية الأيديولوجية الضاغطة أبدا. ولنا في البلدان المغاربية، تجربة تستحق أن نتوقف عندها، إذ لعبت الانتفاضات داخل الاتحادات المحلية دوراً ثقافياً ونقابياً، حاسماً في السبعينيات، لكن الهيكلية المؤسساتية والحزبية كانت لها دائماً الكلمة الأخيرة. أغلبها اتحادات نشأت من حركات نضالية وتاريخية بالخصوص بالنسبة للمغرب وتونس والجزائر، وليبيا لاحقاً. في المغرب جاء اتحاد الكتاب ليلملم أشلاء تجربة سبعينية قاسية كان من نتائجها اغتيال وسجن الكثير من الأدباء والمفكرين. الجزائر لم تخرج عن هذا، فقد كانت التبعية الحزبية وراء تشريد الكثير من الكتاب ومتابعتهم وسجنهم. يحتاج هذا الموضوع إلى وقفة أكثر تفصيلاً. للأسف، فقد كانت الهيكلية التقليدية القاتلة هي المنتصر دائماً على كل الخيارات التاريخية، ومنع ذلك نشوء تنظيمات كُتَّابية أكثر ليونة وأكثر حرية في حركتها، مرتبطة جوهرياً بالفعل الثقافي الحر والديمقراطي الحيوي، كما في الغرب الذي قطع مبكّراً مع هذه الأشكال المفرغة والمعقدة.

اتحادات الكتّاب العربية أيّ كارثة ستحدث لو حُلّتْ نهائياً؟

واسيني الأعرج

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية