بعد انتصار تموز: ارفع يديك إن كنت ميردوخا عربيا أو مقاوما داعشيا!

يُقال – على ذمة التاريخ وذمة إسرائيل – إن المغنية صباح كانت من أشد المقربين للدولة الصهيونية بعد الراقصة نجوى فؤاد، وإن نسبة العروبة في دمها لا تتجاوز السالب صفر، ولذلك كنا نخاف من حبها لاعتبارات وطنية وقومية وإرث تاريخي مشحون بصراع ميليشياتي ومجزراتي دامٍ، بينما كانت للتاريخ وجهة نظر أخرى في فيروز والرحابنة، قبل أن يقدم إلياس الرحباني على مغامرته الجغرافية الأخيرة ألا وهي: إهداء لحن تضاريسي لهيفاء وهبي، فهل هذه إشاعة موت أم مقلب فضائي؟
كل شيء أصبح قابلا للبيع والشراء، الأقلام، الأوطان، التهم المجانية الرخيصة، السلاح، الشهداء، شعب السماء، فماذا يتبقى للعربي، وهو أرخص السلع في هذه السوق السوداء، التي يباع فيها الأبطال والضحايا والأعضاء والطوائف والمواقف والأبالسة والآلهة على أرصفة الشوارع إما بالتهريب أو الترهيب، يا لخسة المتاجرة؟!
ما الذي سيضيفه الرحباني إلى تاريخ الفن اللبناني العريق حين يلحن لـ«الواوا»؟
هل يكون احترام الأنوثة والجمال مبررا لإهانة الموسيقى وتشويه الذائقة الفنية؟
أليست هذه حرب التخويث الأخطر على الوعي والإحساس؟
هل ينتقم هؤلاء من حياء الغيب بتدليل العيب؟
إنه زمن ملعون يشيع الرحابنة في جنازة مهيبة تسير فيها الراقصات والولايا من بنات آوى وربات «الواوا والأح»، فكيف تعتذر لعروس الأزمنة فيروز عن بيع حنجرتها في مزاد علني لشراء خاصرة تتلوى على رنة مزمار أو دقة مسمار دون أي اعتبار للعازف أو المطرقة!
من يودع إذن إلياس الرحباني على صفحته على «تويتر» وهو يلوح للبنان؟
إن كان ينتقد ما وصل إليه لبنان من تدن في المادة الإعلامية ويودع فيه كل ما عرفناه عنه من مظاهر الرقي والحضارة والحرية فإن لا بد جزء من هذه «الواوا» ما دام يصر على تقديم لحن لفنانة تملك كل المقومات إلا الصوت! فهل يا ترى سيكون اللحن صامتا؟ أم أنه عشاء أخير أو خطبة وداع لسلالة الرحابنة!

درع الشرق

كان الشرق في حرب تموز في أقوى مراحله التاريخية، وأعظم فترات تماسكه الفكري وتوازنه السياسي ، ووحدة عقيدته النضالية، التي تجلت في المقاومة ضد العدو الصهيوني – فشكلت عروة وثقى تواشجت فيها أقطاب الشرق العظمى آنذاك: تركيا أردوغان، المقاومة الفلسطينية بكل فصائلها الفاعلة، حزب الله في جنوب لبنان، «القدس العربي» من لندن، وقناة «الجزيرة» الفضائية من الدوحة، فكيف تفسخ هذا الدرع بعد أن كان صخرة غرانيت يتشابك نسيجها البلوري ليزداد صلابة وصمودا قبل أن يتم صقله كأثر؟
لا شك أن الإعلام لعب دورا كبيرا في صهر الوعي، وتمزيق اللحمة الشرقية، خاصة أن هناك أباطرة جدد في هذا العالم يمارسون «النطنطة» على الحبال الصحافية، ويتأهبون للانقضاض على الأجيال القادمة، فما نشرته «الغارديان» في مايو/آيار عن حرب مزاد مليونية، يقودها الإمبراطور الصاعد «بوب ديكيه» مدير «جانيت»، أكبر مؤسسة صحافية في أمريكا وبريطانيا، ثم يسعى لشراء «التريبيون» بعرض مقداره 865 مليون دولار فإنه وحسب ما أوردت تقارير الـ«وول ستريت جورنال»، التي يملكها جده بالتبني ميردوخ، يبرهن غريزة الجشع الصحافي والاستحواذ العدواني على معظم الصحف اليومية وغير اليومية وأكبر العلامات التجارية للصحافة في الكون، ليضع سوق الرأي وما يعود عليه من إعلانات تجارية ضحمة في جيبة سرواله الجينز. فإن عدت لموقع «بي بي سي» البريطانية وبحثت في قائمة الدراسات والأبحاث الحديثة تجد أن الإعلام المرئي محكوم بالضرورة بحياديته، بينما لا يحكم العمل الصحافي سوى حسم موقفه وتوجهاته وانحيازاته، بالتالي من البديهي أن يكون مصدر التمويل مبنيا على المعلوم لفرز المواقف وكفالة المصداقية مع القبض على جمرة احترام الاختلاف لا ترسيخ ثقافة النبذ والعضعضة الكيدية.. حسنا إذن هل عثرت في هذه المقالة على صحافي عربي بمواصفات ميردوخية مهجنة أيها القارئ يستطيع أن يلتهم عقلك؟ أم أنك لم تر من هذه الوليمة الصحافية سوى مشهد ذلك الأعرابي الذي دعي إلى جِديٍ مشوي في بلاط أحد الخلفاء فهم يلتهمه بنهم استفز الخليفة فقال له: أراك تأكله كأن أمه نطحتك، ليرد عليه الأعرابي: أراك تشفق عليه كأن أمه أرضعتك؟!

خطاب نصر الله

شكر السيد نصر الله في خطابه الأخير كل من ساهم في نصر تموز، ومنهم الصحافيون الذين حظيت «القدس العربي» بضم أكثرهم تأثيرا، وأقلامها تشهد عليها، غير أن ما يلفتك في خطابه هو التغيير الجذري في تأمل المؤامرة، حيث عكس الخطاب قائمة الأهداف في تحليله للمشهد الراهن ليضع حزب الله في أول القائمة قبل سوريا وإيران، وهذا تأكيد لما حذرت منه في مقالتي، التي سبقت خطابه، لا بل إنه أكد ما تضمنته المقالة من كشف لتبديل الخطة الغربية بتدمير الحزب من خلال الحرب به لا الحرب عليه، فكيف يصر على تنفيذ مؤامرتهم ليترك الدفاع عن حلفائه فيدافع عن فخاخ أعدائه؟ ألا يذكرك هذا بتناحة صدام حسين؟ يا إلهي، لقد مللنا من الأبطال الضحايا، قتلنا البطل، الذي يصمد ويصمد ليقع في المصيدة، فإن أخذنا بعين الاعتبار أن نصر الله يشد ظهره بحلفائه فهذا يعني أنه ينتقل من دور الضحية إلى دور الأضحية، لأن حلفاءه يستخدمونه كقربان، وهو في كل حالاته ينحصر في إطارين:
الاول: تشويه أعدائه لصورته وشيطنته، مما يعني المزيد من الشعبية والنزاهة وحسم مصيره.
الثاني: تفخيم أتباعه لصورته وتأليهه، مما يعني الإنحدار إلى درك الهاوية، فكلما تفخمت الذات كلما تقزمت الروح!
احذر أيها الشيخ من أتباعك قبل أعدائك، فنفاقهم يقضي على صدقك، وعبوديتهم لك تطيح بحريتك، ولا يليق بك أن تكون أداة لجريمة ولا إلها يربي دواعش للمقاومة ليحارب بهم دواعش المعارضة، فإن كان كلامي يؤلمك فهذا يعني أنك أدركته، أما إن أغضبك فهذا يعني أن الضعف بك أنت، وأنك لا تقوى على حمل عبارة صادقة، فكيف نأتمنك على رفع أثقال الحقيقة؟ أما إن جنحت للسخرية مما نقوله لك فإنك ستفضح خوفك من تكذيب ما لا تريد أن يصدقه عبيدك، فإن آثرت التجاوز وتجاهل الأمر برمته فهذا يعني أننا متعادلان في حكمة التأمل، وإن لم توافقني واختلفت معي بشرف، فإنني أعاهد الله أن أسير معك دون أن أتبعك، أيها الحبيب! التهم الرخيصة على قارعة الطريق كالقمامة، يستطيع عابر رصيف أن يتلقفها ويرفعها كراية! ولكن «الرك» على من يثبت نزاهة التهمة دون أن يلهث وراءها فلا يدركها ولا تطاوعه.

إعلامية فلسطينية تقيم في لندن

بعد انتصار تموز: ارفع يديك إن كنت ميردوخا عربيا أو مقاوما داعشيا!

لينا أبو بكر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية