من مصر.. قليل من ذكريات إخوانية وحتى لا تصبح رابعة (كربلاء سنية)

تصادف مرور العام الثالث لفض اعتصام رابعة مؤخرا مع وجودي في زيارة عائلية إلى مصر. لا شك أنه يوم مثير لحزن كل مواطن مصري، بغض النظر عن أي اعتبارات سياسية، حتى إذا كان قد مر واقعيا وشعبيا بشكل غير ملحوظ، فإنه يبقى حدثا تاريخيا ليس لمصير الاسلام السياسي في مصر وحدها، ولكن العالم العربي أيضا. 
وكنت كتبت موقفي بوضوح بشأن ضرورة تطبيق القانون كاملا، حسبما وردت التفاصيل في التقرير المعروف للمجلس القومي لحقوق الإنسان، خاصة ضد من تورطوا في جريمة الاستخدام المفرط في العنف، ما أوقع عدة مئات من القتلى، (وهذه مأساة لا تحتاج الى المبالغة في عدد الضحايا ليكون بالالاف بدون دليل، وكذلك تجاهل مقتل ثمانية من رجال الشرطة في دليل على وجود مسلحين بين المعتصمين). ومازلت أطالب بتطبيق شامل للقانون بمحاسبة المتهمين في محاكمة علنية عادلة وتعويض أهالي الضحايا. ومن المؤسف ان برلمانا جديدا انعقد في مصر ولم نسمع عضوا واحدا يطلب عقد تحقيق برلماني في تلك المأساة، ما يشير إلى شكوك أوسع في مدى مصداقيته. ومن المؤسف أيضا أن على الجانب الاخر، بعض المعارضين ليس مع تطبيق القانون، بل جعل الثأر لضحايا رابعة أبديا من مصر وليس من النظام أو المتهمين، وذلك بتحويل رابعة الى (كربلاء سنية) لا تنتهي، تماما كما ان حرب كربلاء الشيعية مازالت مستمرة بالنسبة للبعض حتى اليوم، وهكذا يريدون استمرار الانتقام والحقد والدماء للانهاية. إلا ان مصر لم ولن تكون ضحية لحرب طائفية، ولن تكون مسرحا للحروب التي دمرت جيرانها، وحيث انني اكتب هذا المقال من القاهرة، وكشاهد 
عيان أقول إن هناك استياء واسعا من الحالة الاقتصادية وإدانة شديدة للحكومة وتحميلا للمسؤولية لرئيس الجمهورية، إلا ان الحياة تسير في النهاية مع تحسن واضح في الناحية الأمنية، وهذا يعد واحدا من الإنجازات المهمة التي تحققت حسب المقاييس المصرية. أما الطائرة التي حملتني للقاهرة فكانت مزدحمة بجنسيات عربية وغيرها لم تمنعهم حرارة الجو واشتعال الأسعار من التوجه الى مصر. وهذا ما تسمعه من الاشقاء المقيمين من السوريين والفلسطينيين والعراقيين، رغم ما يعانيه بعضهم من صعوبة أراها مخزية حول الإقامة التي نرجو أن تحل حسب مشروع قانون جديد مقترح. 
وتثير الذكرى مزيجا من الذكريات والآراء سواء شخصية أو سياسية، لم يحن الوقت للكشف عن أسرارها. وبخلاف بعض من لم يدافعوا يوما عن الاخوان في عهد نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك، فانني لم أكن أتردد في الدفاع عن معتقليها السياسيين، كما حدث في عام 2007 حين اعتقل النائب الثاني لمرشدها خيرت الشاطر مع قيادات اخرى. وحيث إنني لم أكن يوما من اعضاء الاخوان او انصارهم سياسيا، فان دفاعي عن معتقلي الرأي بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية كان ويظل من منطلق وطني بحت. وهكذا لم أجد فارقا بين الاجتماع لأسباب اعلامية لثلاث ساعات كاملة مع المرشد العام السابق للإخوان في منزله ردا على منع قوات الأمن لقائي معه على شاطئ النيل بقطعهم الكهرباء، كما ذهبت الى منزل عائلة خالد سعيد متوقعا بثورة تطيح مبارك، وهو ما تحقق خلال ثمانية شهور. وأذكر ان أحد الأصدقاء قال مازحا لقيادي في الإخوان حينها عن كاتب هذه السطور: كيف فشلتم حتى اليوم في تجنيد هذا الرجل، فرد عليه: (لقد حاولنا معه لكنه كاد هو ان يجندنا). 
وكما ان دفاعي عن معتقلي الاخوان المظلومين في عهد مبارك موثقا، لم أتردد في انتقاد الاخوان في عز قوتهم. عقب الثورة بعد ان اكتشفت انهم انقلبوا تماما ضد شعاراتهم حول حرية الرأي، ليتم اسكاتي واعلاميين اخرين ممن دافعوا عنهم، ثم حاولوا اسكات الشعب كله بإصدار القانون الدستوري القمعي في عهد الرئيس المخلوع محمد مرسي في نوفمبر 2012، بل واستخدام العنف ضد المتظاهرين امام القصر الرئاسي في ديسمبر من العام نفسه، فكانت بداية النهاية المعروفة في 30 يونيو 2013، وهذه قصة طويلة. ولكن من الانصاف ان اذكر ان الاخوان خسروا حقا مرشدهم السابق محمد مهدي عاكف وهو شيخ  مسن  قضى عشرات الأعوام في السجون منذ عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، واكتسب خبرة نادرة جعلته من الذين نصحوا الجماعة بعد مغادرة منصبه بعدم التسرع في المشاركة بالانتخابات الرئاسية في 2012 محذرا من ( ان فشل  حكم رئيس إسلامي سيعني فشل حكم الاسلام السياسي)، وكأنه كان يقرأ  المستقبل. ومن خلال حكمة هذا الرجل وعمره المسن، ولأسباب أطالب بالافراج عن كل معتقل سياسي، اذ يجب الا يبقي في السجن شيخ كهذا، الا  اذا  كان  مرفوضا الإفساح لصوت العقل الذي تحتاج اليه مصر وليس النظام أو  الجماعة فحسب. وأطالب السلطات المصرية كذلك بتوسيع احكام القضاء الاخيرة بالسماح بالزيارات العائلية للمعتقلين حسب القانون، خاصة الرئيس المخلوع محمد مرسي الذي لم يتلق اي زيارة خاصة منذ اكثر من ثلاثة 
أعوام، اما الواقع الذي اصبح اليه الاخوان في داخل مصر اليوم، فأقرب الى غياب شامل خاصة في ظل الانقسام المدمر بين قياداتها في الخارج. 
واختم من قصة سمعتها من المرشد السابق في حوار لم ينشر قال فيه ان (محافظة المنصورة وحدها تسيطر على نحو ثلث أعضاء مجلس الشورى في 
الاخوان ما يثير مشاكل وغيرة من ابناء محافظات اخرى)، في اشارة منه الى حجم الشعبية الواسعة للاخوان في تلك المحافظة في شمال مصر. وكنت واثقا من صدقية كلام المرشد السابق في حينها. اما بعد الثلاثين من يونيو فقد سألت اقارب لي يعيشون في المنصورة ومن المعارضين للنظام الحالي فقالوا: (الاخوان اختفوا وكأنهم ملح وذاب). فيا له من اختفاء كالملح المرير.

٭كاتب مصري من أسرة «القدس العربي»

من مصر.. قليل من ذكريات إخوانية وحتى لا تصبح رابعة (كربلاء سنية)

خالد الشامي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية