الظهير الكردي.. استثمار أحلام كردستان وأوهامها

أجبرت سلطات الاحتلال الفرنسي السلطان محمد الخامس سنة 1930 على إصدار ما عرف بالظهير البربري، وهو ما سعى في تلك المرحلة ليمنح قانونياً المناطق الواقعة في الريف المغربي، أو السائبة (السيبة) صلاحية تطبيق الأعراف المتبعة لدى البربر.
وكان الظهير أحد التطبيقات الفرنسية الفاشلة لمبدأ فرق تسد، الذي أتقنه منافسوهم الإنكليز في تجربتهم الاستعمارية، تمكن المغاربة من إسقاط الظهير البربري، وحققوا من خلال الثورة عليه استعادة لوحدة البلاد وتمكنوا من إدماج الريف في الدولة المغربية.
تلاعب مماثل طبقه الإنكليز وبكثير من الحرفية مع القضية الكردية، فبعد أن كانت اتفاقية سيفر 1920 تقدم وعداً للأكراد باستفتاء يحدد مصيرهم ويؤسس لاستقلالهم، تراجعت بريطانيا وحلفاؤها الغربيون عن ذلك سنة 1923 في معاهدة لوزان، وكان ذلك يفوت على الأكراد فرصة تاريخية لإنشاء وطن قومي مستقل، كما يضعهم بوصفهم كتلة سكانية قلقة في أربع دول في المنطقة، تركيا والعراق وايران وسوريا. ومن وضعية القلق الكردي تصاعد العديد من التيارات السياسية والانتهازية التي يمكن أن تعبر عن أي شيء باستثناء الطابع الحقيقي للشعب الكردي وأخلاقياته العامة.
جرى استخدام الأكراد تاريخياً، ومن خلال قياداتهم، سواء القبلية أو السياسية، لتصفية الحسابات بين الجيران، فكان الإيرانيون يتلاعبون بالأكراد أثناء حربهم مع العراق، وكانت سوريا بين وقت وآخر تدفع بالورقة الكردية للضغط على تركيا، وبالطبع كانت إسرائيل تحاول دائماً أن تحظى بوضعية متميزة لدى بعض القيادات الكردية، ومع تراكم الأخطاء التي تقع على عاتق الدول الأربع، التي تقابلها أخطاء أخرى تراكمت على الجانب الكردي، أصبح من المتعذر الحديث عن هوية قومية للأكراد، عدا بالطبع عن أزمتهم مع الحكومات المركزية في الدول التي توزعت على خرائطها أراضي الوطن الكردستاني.
الأمريكيون يرون في الأكراد حالياً الحليف الذي يمكنه المساعدة في ترميم التشوهات التي خلقها تدخلهم في المنطقة، وبما وضع العراق أولاً على مدار الفوضى، لتتبعه سوريا، وأثبتت الولايات المتحدة أن الأكراد يمثلون أولوية بالنسبة لواشنطن، فحين بدأ «داعش» يمارس طموحه بالتمدد في المناطق الكردية وراء الموصل حظي الأكراد بدعم متواصل جعلهم يتدبرون جبهة قوية مع مخاطر تنظيم الدولة، كما منحهم الأمريكيون الفرصة بعد الأخرى لإثبات تفوقهم الميداني في سوريا من عين العرب إلى منبج، بما أدى إلى إرباك الأتراك لدرجة التعبير الصريح عن الانزعاج من التقدم الكردي في سوريا.
يمكن اعتبار الأكراد ضحية لنبرات الاستعلاء التي يتقاسمها العرب والفرس والأتراك، ومن هذه الأرضية يتمكن القادة الأكراد من استثمار الأزمة النفسية الكردية من أجل تمرير علاقات هي بالنسبة للكردي غير مقبولة، وغير أخلاقية، فـ(إسرائيل) لا تحظى بالحد الأدنى من القبول لدى الكردي العادي، وعلاوة على ذلك، فإن الأكراد مثلوا حلفاء تاريخيين في القضية الفلسطينية.
يمكن أن الأكراد يحققون تقدماً ملموساً على المستوى الميداني، ولكنهم يخسرون على المدى البعيد من خلال تعميق أزمة التشكك في تحالفاتهم، وتعميق انفصالهم الوجداني عن الشعوب المجاورة، فالصعود الكردي في العراق أتى مترافقاً مع ما لحق من خراب بالدولة العراقية، والتقدم في سوريا يجعل السوريين وغيرهم يطرحون مئات علامات الاستفهام حول الدور الذي يوليه الأمريكيون للأكراد، بحيث يهرعون لإنقاذهم المرة بعد الأخرى، بينما تقع بقية مناطق سوريا ضحية للعنف المفرط تحت مرأى الجميع.
مرة أخرى، في ظل الوضع الكردي المعقد، من الصعب توجيه اللوم للأكراد، فضلاً عن إدانة أي سلوك سياسي أو ميداني يستهدف المحافظة على سلامة أبناء الشعب الكردي، ولكن هذه الممارسات ستعمل على تعقيد الوضع الكردي بشكل عام، فالمشهد العام لا يوحي بإمكانية قيام دولة كردية مستقلة، فهذه الدولة الكردية ستعني تلقائياً كارثة كبرى على تركيا والعراق، وتهديداً فعلياً لإيران وسوريا، وإذا كان العراق بدأ يقتنع بما يشبه الاستقلال الكامل في كردستان العراقية، فإن الإقليم الكردي سيجد أعداءه الأكثر شراسة في أنقرة، وستبقى تركيا على الرغم من مهادنة مسعود بارزاني على موقفها الذي يرفض الأكراد وجودياً.
مسعود بارزاني ليس بطلاً قومياً كردياً، ويبدو أنه اختار الانحياز لمصالحه ولمشروع كردستان العراق على حساب القضية الكردية، والموقف المائع الذي اتخذه تجاه تركيا مع قصفها لقواعد حزب العمال الكردستاني يجعله يبتعد عن القضية القومية، بما يجعل الأكراد بدون مرجعية حقيقية ويزيد من اعتمادهم على الأمريكيين، وأي طرف آخر يسعى لاستثمارهم في المنطقة.
«التايمز» اللندنية تحدثت عن تعمق الأزمة الطائفية في سوريا، بناء على التقدم الكردي، وما أبداه الأكراد من شهية لضم مدينة منبج لمناطق نفوذهم في سوريا، ومع أن هذه الرغبة يمكن فهمها في الحصول على مزيد من التأمين للمواقع الكردية، ولكنه يزيد من تورط الأكراد في الصراع السوري بوصفهم طرفاً، وربما يخرجهم من دور الضحية الذي حاول الأمريكيون أن يخلعوه عليهم، ومع ما يجري من صراع كردي – عربي – تركماني على مدينة كركوك في العراق، فإن الأكراد يواصلون حصد العداوات في الإقليم، بما يجعلهم يعتبرون على الأقل بالنسبة لتركيا، خطراً يتجاوز «داعش»، أما ايران فإنها لا تبدو في أي مزاج يمكنها من التعامل بعقلانية مع أي تحرك كردي على أراضيها.
الأكراد يتعامون عن حقيقة قدرة الأمريكيين على تحويلهم لورقة يمكنهم التخلص منها للحصول على مكتسبات أفضل في العلاقة مع الإيرانيين والأتراك، وبدرجة أقل المشرق العربي، فالولايات المتحدة غير معنية أصلاً بمشكلة الشعب الكردي وحقه في أن يتواجد بصورة لائقة على خريطة المنطقة، واهتمامها منصب على الدور الوظيفي الذي تحاول أن تخلقه للأكراد، وبحيث يصبح الأكراد الناطور الذي يمكن أن توظفه على ايران وتركيا، مثلما كانت اسرائيل هي المخفر المقيم في المنطقة العربية.
الوضع الكردي مقلق، طهران وأنقرة تدركان أن المكتسبات الكردية في العراق وسوريا ستزيد من طموحات الأكراد، وأمام العقيدة التوسعية الإيرانية، والأزمة الوجودية التركية، فإن الحلول الصعبة والمتهورة يمكن أن تحدد مستقبل العلاقة مع الأكراد، والمخرج أمام الأكراد هو في ايجاد تصور متكامل لمستقبلهم في إطار الدول التي يعيشون فيها، بحيث يشتمل ذلك على حقوق الإدارة المحلية والممارسات الثقافية، ولكن أن يتحول الأكراد إلى ظهير محلي في أي دولة فذلك أمر غير ممكن ولا تقبله أي دولة ذات سيادة، وإذا كان العراق لظروف تبعت الغزو العراقي للكويت وبعد ذلك سقوط نظام صدام حسين أعطت الأكراد وضعاً متميزاً، فإن السيناريو العراقي يبدو بعيداً عن التطبيق في الدول المجاورة، والمشكلة أن الأكراد أخذوا يخسرون سريعاً ما حققوه من مكتسبات مع انفتاح أردوغان، بغض النظر عن انتهازيته، ويجدون أنفسهم في لحظة حرجة بين أكثر من حلم قومي ومصائر متعددة إن لم تكن متعارضة.
مرة أخرى، ليس لأحد أن يوجه اللوم للأكراد، فضلاً عن إدانتهم، ولكن يتوجب على الأكراد أن يعيدوا النظر في الوقائع والظروف والملابسات على المدى البعيد والاستسلام لشروط التاريخ والجغرافيا في المنطقة.
*كاتب أردني

الظهير الكردي.. استثمار أحلام كردستان وأوهامها

سامح المحاريق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية