هل توجد في التاريخ كله ثورة ناجحة؟ إن أشهر الثورات في التاريخ لا يمكنها أن تحظى بوصف الناجحة في حالة النظر إلى نتائجها المباشرة، ومعظم نتائجها البعيدة، ولعل تطور المجتمع في أي مرحلة يمكن أن يعزى لأي سبب باستثناء الثورة.
الثورات الكبرى كانت فاشلة بامتياز. الثورة البلشفية أكلت حلفاءها وأسست نظاماً شمولياً استبدادياً، بدون أي أفق للانتقال إلى مرحلة الشيوعية وسلطة البروليتاريا، وعلى الشاكلة نفسها كانت الثورة الفرنسية، التي عبرت عصر الإرهاب وكان أول ما حققته من طقوس العدالة يتمثل في تعميم المقصلة على الجميع، حيث كانت المقصلة هي وسيلة الإعدام المعتمدة للنبلاء والأثرياء قبل الثورة، لأنها تنهي حياتهم بسرعة وبدون كثير من الألم، بينما كان العامة يعدمون بواسطة المشنقة التي تستغرق وقتاً أطول لتنهي حياة المعلق في أنشوطتها.
الثورة الفرنسية أدت إلى الردة للملكية مع أسرة نابليون بونابرت، واستغرقت فرنسا عقود عدة قبل أن تبدأ في تحقيق أهدافها، وإلى حد كبير فإن الثورة الفرنسية هي نتاج تطور المجتمع المدني ومؤسساته وفعالياته، قبل أن تكون نتيجة مباشرة للثورة، والمجتمع المدني الذي كان جان جاك روسو أحد المبشرين المبكرين بدوره في عملية التقدم هو أصلاً المحرك الأساسي للثورة.
لماذا لا تنجح الثورة في تحقيق أهدافها، وكيف تغرق الثورات سريعاً في مشكلاتها وتفقد قدرتها على الاستجابة؟
بداية يجب ملاحظة أن الثورة هي أحد منتجات النظام الذي تنقلب عليه، فالوعي الذي يدفع الجمهور للحركة رسمت حدوده السلطة القائمة، ولتقريب هذه الفرضية من الفهم، فإنه يمكن القول بأن الجموع العربية التي خرجت في ثورات الربيع العربي كانت نتاجاً للأنظمة التي أزاحتها من المشهد، وعلى ذلك، فإن الجمهور لم يستطع التعامل مع صدمة الديمقراطية لأنه لم ينشأ في مجتمع يطبق الديمقراطية، فضلاً عن توفر الحد الأدنى للديمقراطية، وبينما كانت الجموع تتدافع للبحث عن كرامتها المهدرة على مدى عقود فإنها استدعت رموزاً تعتبر في حد ذاتها تمثيلاً لكل ما يرفضه الثوار، وبجانب ذلك، سبباً مباشراً في تردي الأحوال للدرجة التي أطلقت الثورة، فالشباب المصري الذي كان يرفع صور الرئيس جمال عبد الناصر لم يدرك في اندفاعه الثوري بأن عبد الناصر هو المؤسس لصورة مصر التي يرفضونها ويحاولون إعادة بنائها.
كانت استجابة المعارضة السورية تمثل نموذجاً صارخاً لثورة فشلت في المهد وغرقت وهي في الهزيع الأول من انطلاقتها، فالثوار أخذوا تفاصيل سوريا الانقلابات ليطلقوا حلقات متواصلة من الانشقاقات أصبحت قاسماً مشتركاً بين الثورة التي أصبحت مشكلتها لا تكمن في تحقيق أهدافها، وإنما في العمل على التنسيق بين جهودها المشتتة، وهو ما أعطى النظام السوري أفضلية المبادرة على أكثر من مستوى. في بداية الثورة السورية كان يمكن الحديث عن تراجع مدروس من الرئيس الأسد، وكان حزب البعث ومؤسساته بداية التنازلات، والمشكلة في المقابل كانت تتمثل في تغيب مؤسسات المجتمع المدني التي يمكن أن تتقدم لتعبئة الفراغ الذي سيخلفه البعث، وبالطبع فإن النظام السوري هو الجهة الوحيدة التي يمكن أن تتلقى اللوم نتيجة تفكك وهشاشة المجتمع المدني في سوريا.
تتضاءل فرصة الحل العسكري في سوريا، وعلاوة على ذلك، يندفع المشهد الكردي ليعيد ترتيب مواقع الأطراف المتصارعة، وبما يفتح الطريق أمام تفاهم تركي – سوري يتوازى مع تفاهمات أخرى مع موسكو وطهران، ولكن هل تتوفر الرغبة لدى الأطراف المتصارعة على توفير فرصة للسوريين من أجل الحصول على فرصة إعادة البناء. لم يعد من الممكن استعادة طقوس السلطة التقليدية في العالم العربي، ولكن في الوقت ذاته فإن الدخول في مغامرة الثورة على الطريقة السورية هو آخر ما يمكن أن تفكر به الشعوب، وأحداث المأساة السورية أنقذت أكثر من نظام عربي، ولكنها لن تجهض احتمالية الثورة ضمن تعبيرات أخرى مثل النزعات الانفصالية أو الدخول الطوعي في نموذج الدولة الفاشلة وسلسلة من الانقلابات العسكرية التي لن تعتبر أبعد من المسكنات الموضعية.
المجتمع المدني ضرورة عربية، ولكن أحداً لا يملك تصوراً واضحاً لتمكين المجتمع المدني، والمشكلة أن يتمثل البديل في الكيانات القائمة للمجتمع المدني والغارقة في علاقة تبعية مادية وفكرية مع الغرب، فهذه ستنقل الدولة التائهة لتضعها من جديد في علاقة تبعية مذلة ومهينة تستطيع أن تتحصل على كل مظاهر الدولة المتقدمة بينما تقوم على خواء ممتد يلتهم الدولة ويجعلها في حالة عجز مقيم عن مواصلة دورها تجاه المجتمع.
الدول العربية لا يمكنها أن تتخلص من دورها الريعي تجاه المجتمع، ولم تصل الشعوب العربية لمرحلة من النضج أو حتى من التراكم المادي التي تجعلها تتعايش مع نموذج الدولة على النمط الغربي، فالأخيرة تقف مستندة إلى قرنين من المجتمع المدني الفاعل والمبادر.
كثير من مشكلات الشعوب العربية تقوم على ثنائية العلاقة الريعية التي يتوقعها المواطنون من حكوماتهم وأنظمتهم، والسلوك الوصائي الذي تمارسه الدولة على مواطنيها، والسلطة في الدولة العربية ترى أن المقابل المناسب لتوفيرها الخدمات الصحية والتعليمية والدعم السلعي، ومهما كانت مستويات هذه الخدمات متدنية، هو دخول الشعوب العربية لبيت الطاعة والترتيل للمقولة المأثورة التي حملت تهديد أبو مسلم الخراساني الصريح للبقاء في أنس الطاعة وتجنب الخروج إلى وحشة المعصية.
وحشة المعصية تحمل في باطنها دلالة النبذ والاقصاء لأي مختلف أو معارض وابقائه منفرداً وبالتالي عاجزاً ومستباحاً بناء على الضعف الذي يتوازى مع البقاء وحيداً خارج القطيع، والبديل المتاح أمام المجتمع الذي يرى أن أنس الطاعة ينطوي على كل إذلال ومهانة، أن يخلق في المساحة التي تستقبل المنبوذين من السلطة مؤسسات موازية تستطيع أن تفضح عجز السلطة وتهافتها، وأن تزاحمها ولاحقاً أن تجبرها على الإصلاح أو أن تبعدها في النهاية، وهذه العملية تتضمن دائماً وجود بديل ممكن ومتاح.
فشلت الثورة في الربيع العربي لأنها لم تقدم مشروعاً للدولة، ولأن الذين خرجوا في الميادين كانوا نتاجاً للسلطة التي يطالبون بإزاحتها، ولأن صياغة المجتمع المدني كانت مستلبة وتابعة، ولأسباب أخرى كثيرة، ولكن الفشل المرحلي لا يعني مطلقاً تراجع التهديد لكينونة الدولة ووجودها، ولذلك يجب أن تنطلق الحوافز لتأسيس مجتمع مدني حقيقي، إلى اليوم تبدو مشاريع إطلاق المجتمع المدني متعثرة باستثناء ما يحققه المغرب من نجاحات متواصلة، وأهم هذه النجاحات يتمثل في تغيير التقاليد المكرسة لقرون والتي تجعل مصطلحات مثل المساءلة والشفافية والمشاركة مجرد ديكور يحدد الملك كيفية توزيعه وحصص كل فريق أو جماعة سياسية منه.
انتهت الثورة في سوريا مبكراً، والكثير من الخراب سيكون مفتوحاً على مصراعيه لمحاولة استدراك فكرة الدولة، التي إن كانت موضوعاً قابلاً للمراجعة في غير مكان من العالم، إلا أن العرب أمامهم عقود طويلة للتفكير في بديل عن النموذج الراهن للدولة، والفكرة السائدة عن الثورة، أيضاً.
*كاتب أردني
سامح المحاريق