الفساد طال كل مناحي الحياة بلا استثناء.. ومجلس الشعب صدى لصوت الحكومة والناس تكتوي بنار الأسعار

حجم الخط
0

القاهرة – «القدس العربي»: شنت الصحف المصرية الصادرة يومي السبت والأحد 10 و11 سبتمبر/أيلول حملات عنيفة ضد الحكومة لاختيارها عاطف عبد الحميد محافظا للقاهرة، رغم ادانته من جهاز الكسب غير المشروع، ثم كانت المفاجأة أن الجهاز نفى الاتهامات، وبالتالي اشتعلت الصحف بالتعليقات. وامتلأت الصحف كذلك بأخبار الحج والصعود إلى عرفات ومجيء العيد والإجازات والاستنفار في جميع الوزارات لمراقبة الشوارع والمنتزهات ووسائل المواصلات لتمكين المواطنين من قضاء إجازة العيد دون حوادث أو مشاكل، واستعدادات الصحف ووسائل الإعلام لتغطية ما سيحدث. لدرجة أن زميلنا وصديقنا الرسام عمرو سليم أخبرنا أمس في «المصري اليوم» أنه كان في زيارة لأحد رؤساء التحرير ووجد عنده محررا ملتحيا ومحررة جميلة ومتحررة وقال لهما: فهمتوا هتعملوا أيه في العيد؟ أنت هتعمل تحقيق بعنوان لماذا نحن شعب متدين بطبعه؟ وأنتي هتعملي تحقيق بعنوان لماذا نحن شعب متحرش بطبعه؟
وكما يحدث في كل عيد أضحى تكثر التحذيرات من الأطباء لمرضى القلب والضغط والكلى والكبد من تناول اللحوم، وكذلك أفضل الوسائل لتقديم وجبات لذيذة. واهتم العاملون في السياحة بخبر استئناف شركة الطيران التركية تنظيم أربع رحلات أسبوعيا إلى شرم الشيخ، وصلت أولاها يوم السبت، وبذلك يكون الأتراك قد سبقوا الروس الذين سوف يستأنفون رحلات طائراتهم قريبا، بعد أن قام وفد أمني روسي بالتفتيش علي إجراءات الأمن في المطارات المصرية واطمأن إليها. كما سبقوا البريطانيين أيضا الذين أعلنوا أن طائراتهم سوف تستأنف رحلاتها. والنظام مرتاح لوصول الشريحة الأولى من قرض البنك الدولي، والمواطنون قلقون من الزيادات الكبيرة التي ستحدث في الأسعار بعد تطبيق ضريبة القيمة المضافة التي سترفع الضرائب على السلع، والموظفون مهتمون بقرار الحكومة ترقية ثلاثمئة ألف بعد أيام وأهالي محافظة كفر الشيخ مهتمون بقرب الانتهاء من أكبر مزرعة سمكية في أفريقيا في منطقة غليون، تقيمها القوات المسلحة وتشارك في الأعمال شركات صينية ومصرية وهي مملوكة بالكامل للدولة وستؤدي إلى تشغيل ما لا يقل عن خمسة آلاف عامل وتحقيق الاكتفاء الذاتي في الأسماك وإقامة عدة مصانع. أما السياسية فلم يهتم بها أحد!
وإلى ما لدينا وكل عام ونحن، مسلمين ومسيحيين عربا، بكل خير.
الفساد شامل

ونبدأ بالفساد و كما قال الدكتور سعد الزنط يوم السبت في «أخبار اليوم» في مقال له في الصفحة الأخيرة: «لقد استشري الفساد بتغلغل مقيت على مدار عقود طويلة، وطال كل مناحي الحياة بلا استثناء أو استئذان ولا أقصد هنا نوعا معينا من الفساد. الفساد ما ترك سنتيمترا فينا إلا وسكنه ضمائرنا عقولنا نفوسنا إنساننا حتى ملامحنا المتعودة، ووصل الأمر إلى أننا أصبحنا نعاني منظومة فساد كاملة يسكن فيها الفاسدون كل مفاصل الدولة، يعبئون كل أوردة وشرايين الوطن، حتى تمكنا بضمائر راضية أن نستنتج عنوانا للحالة وهو «تحولنا من مرحلة فساد الإدارة إلى إدارة الفساد». فلدينا منظومة محترفة وفريدة في عالم الفساد بكل صنوفها، الفساد القيمي والأخلاقي وهو الأصعب في الحقيقة، والفساد المالي والإداري وحتى الفساد الديني، والآن نحن نشكو من وزير فاسد إداريا ومحافظ فاسد ماليا ونائب فاسد أخلاقيا وقاض فاسد مهنيا وشرطي فاسد إنسانيا ومهني فاسد ضميريا، وجميعها في الحقيقة شكاوى تبلور شكوى واحدة متكررة وتعكس حالة عامة وأسبابها في جوهرها واحدة».

آخر عنقود اختيارات شريف إسماعيل

وما أن سمعت زميلتنا الجميلة ماجدة الجندي عبارة محافظ فاسد حتى قالت في يوم السبت نفسه في «المقال» عن محافظ القاهرة الجديد عاطف عبد الحميد وهي غير مصدقة أنه تم تعيينه في هذا المنصب: «لا حول ولا قوة إلا بالله ماذا نفعل مع هذه الحكومة التي لم يكفها الفساد المحيط بنا فأرادت أن تقننه، تتوجه باجلاس رجل مارس فسادا واضحا وله قضية في الكسب غير المشروع، واعترف بنفسه بأنه تحصل على أموال ليست من حقه وبالمخالفة للقانون، وأرغمته جهات التحقيق على رد ما استولى عليه. لا يمكن أن يحدث هذا إلا في مصر، رجل مارس الفساد أجلسته الحكومة باختيارها وتوجته محافظا لـ«العاصمة». لم يمض أكثر من ثلاث سنوات على اسيلاء عاطف عبد الحميد، وقت إن كان وزيرا للنقل هو وآخر (عبد العزيز فاضل) علي مبلغ أربعة ملايين جنيه، واعترافه بما اقترفه لما وجه إليه الاتهام المستشار مصطفى أبو زيد رئيس هيئة الفحص والتحقيق في جهاز الكسب غير المشروع. عاطف عبد الحميد آخر عنقود اختيارات شريف إسماعيل معترف وأقر بما فعل، وأرغم من جهات التحقيق على رد ما استحله من مال حرام، كان ذلك في مارس/آذار 2013. يعني ما زالت الواقعة حية واقعة غير مدفونة، طيب لا تتهمون الحكومة ورئيس الجمهورية لو سألا رئيس الوزراء هل صحيح أنك اخترت للقاهرة محافظا خضع لتحقيقات الكسب غير المشروع واعترف؟ كيف سيكون الرد ؟ وأي تبرير سيقدمه؟» .

من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعـرضه

وإلى «المصري اليوم» عدد يوم السبت أيضا وزميلنا وصديقنا حمدي رزق الذي أبدى دهشته أيضا وتساءل في عموده اليومي «فصل الخطاب»: «كسب غير مشروع ومخالفة للقانون هل هذه مؤهلات شخص يصلح موظفاً عاماً، فضلاً عن كونه محافظاً للعاصمة؟ هل هذا الموظف الذي استباح المال العام مرة يؤتمن على وظيفة عامة مجدداً؟ هل الموظف الذي اعترف بالكسب غير المشروع ورد الأموال التي تحصّل عليها بالمخالفة للقانون يُقلد من جديد؟ هل سابقة مثوله أمام جهاز الكسب لا تسجل عليه وتمنعه من تولي المناصب العامة؟ وهل تصالحه وردّ الأموال كافٍ لتبييض سجله الوظيفي؟ وحتى لو كانت هذه التهمة وليدة «فتوى قانونية» استلزمت رد الأموال لاحقاً أو «مكيدة إخوانية» للإيقاع بالفريق شفيق أليست شبهة كافية لإبعاده عن المناصب العامة؟ رد الأموال مثل الاعتراف سيد الأدلة. مصر لم تخل ممن يصلح محافظاً للقاهرة وكان عادياً تصعيد أحد نواب المحافظ أو اختيار محافظ مُجيد في محافظة إقليمية ليتولى شؤون العاصمة أو تولية شخصية عامة، وكانت فرصة سانحة لتجريب عَلَم أو رمز سياسي أو ثقافي من خارج الحسابات السيادية لتولي المنصب. العاصمة القاهرة عاصمة استثنائية ورمزها حتماً لابد أن يكون استثنائياً على قد المقام القاهري. ولو كان عاطف بريئاً واستهدفه الإخوان صار «ملطوطا» بالفساد كيف يستقيم الحال؟ هذا الرجل لن ينجح بأي حال، ماضيه سيطارده في الأحياء وسيتخندق للدفاع عن نفسه ولن تهضمه معدة القاهرة، ولن يحوز احترام رموزها. يقينًا اختياره كان خطأ وقبول ترشيحه كان خطيئة عندما يكون النظام السياسي مستهدفاً لابد أن يتوقّى ويسد الفُرج ويتحصّن بجدار النزاهة ويدقق في الاختيارات، كلفة تعيين المهندس عاطف السياسية أكبر من أن يتحملها نظام سياسي مستهدف. لماذا يقدم النظام حطباً جافاً للنار المشتعلة تحت أقدامه؟ لماذا يقدم لحماً طرياً تلوكه الضباع الضارية؟ الخلاصة لا عاطف استثنائي ولا النظام مضطر إليه. من أشار بعاطف أساء إلى النظام ومعلوم من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعـرضه».

هل تعتذر الدولة؟

ونظل في عدد «المصري اليوم» نفسه ولكن في الصفحة السادسة حيث أثار زميلنا وصديقنا محمد أمين القضية نفسها بقوله في عموده اليومي «علي فين»: «هل عرف الرئيس السيسي ردود فعل الرأي العام عقب صدور حركة المحافظين؟ وهل بلغه ما قيل عن محافظ القاهرة اللواء عاطف عبدالحميد تحديداً؟ أم أنه لم يعرف ولم يبلغه شيء مما قيل عنه؟ فإذا كان الرئيس قد عرف بأنه قد تم صرفه من الكسب غير المشروع بعد أن رد أربعة ملايين جنيه فلابد أنه سيتخذ قراراً بتصويب الأمر أو معاقبة من رشحوه له، ضاربين بكل شيء عرض الحائط، أما إذا كان الرئيس لم يعرف فها نحن نضع الأمر بين يديه، ولابد للدولة أن تعتذر للشعب وتصوّب الخطأ، إن كان غضب الشعب له حساب؟ الشعب ينتظر توضيحاً منك يا ريس إما أن الرجل زي الجنيه الدهب، ونرد له فلوسه وملايينه وتُبقي عليه محافظاً للعاصمة، وإما أنه مُدان ونعرف كيف ستصحح وضعاً مغلوطاً؟ هل تعيينه كمحافظ نوع من الاعتذار؟ هل ترشيحه وتعيينه خطأ جسيم وقعت فيه الدولة؟ في كل الأحوال نريد أن نعرف يا فندم نريد أن نتحرك قبل أن يفقد الناس ثقتهم في الحكم، نريد أن نقول كيف حدث هذا؟ ما هو التفسير المقنع لما جرى؟ هذه أمور لا ينبغي السكوت عليها. مهم يا ريس أن يكون الناس جزءا من المعادلة السياسية «إهمالهم خطر كبير وشر مستطير». وأنا هنا أنقل إليك شعور الناس بالغضب من حركة المحافظين بشكل عام ومن تفاصيل الحركة ذاتها شكلاً ومضموناً، وأود أن أسجل هنا صدمتي من التغيير الذي حدث وأسجل هنا ملاحظات عديدة تلقيتها من المؤيدين قبل المعارضين، كان عندهم شعور بالخوف من المستقبل، وأعلن هنا ندمي شخصياً على الدعوة لإصدار الحركة، وأعلن هنا ندمى شخصياً على المطالبة بالتغيير الوزاري والتبشير به فقد كنت أتصور أننا تغيرنا وكنت أتصور أن الرضا العام هدف أي نظام حكم وقد أعلنت عن «مفاجآت» فإذا هي «صدمات» .

جهاز الكسب غير المشروع ينفي الاتهام

ولكن في اليوم التالي الأحد نشرت الصحف بيانا من جهاز الكسب غير المشروع، وكذلك من المحافظ عاطف عبد الحميد نفيا كل ما نشر، وقالت «الأخبار» في صفحتها الثالثة في تحقيق لزملائنا شريف الزهيري وجودت عيد وعمرو خليفة: «نفى الجهاز صحة ما تم تناوله في بعض وسائل الإعلام بشأن البلاغات المقدمة ضد بعض قيادات الطيران المدني حول حصول أعضاء مجلس الإدارة من ممثلي المال العام في الشركة المصرية لخدمات الطيران، من بينهم المهندس عاطف عبدالحميد محافظ القاهرة الجديد، على مبالغ مالية بالمخالفة للقانون. إن التحقيقات في البلاغات المقدمة ضد قيادات الطيران المدني من بينهم «عبدالحميد» انتهت إلى حفظ الأوراق بالنسبة لجميع المشكو في حقهم عام 2013. وأكد المهندس عاطف عبد الحميد محافظ القاهرة أنه لم يسدد أي مبالغ لجهاز الكسب غير المشروع نهائيا، وأن الأمر ينحصر في قيام بعض ممن كانوا يمتهنون مهنة البلاغات والشكاوى حيال قيام ثورة 25 يناير/كانون الثاني بالتقدم ببلاغ ضد قيادات الطيران المدني ينسبون فيها أن هذه القيادات حصلت على مقابل عضوية مجلس إدارة الشركة المصرية لخدمات الطيران باعتبارها شركة من شركات القانون الخاص ساهمت في رأسمالها مجموعة من الشركات المصرية والأجنبية، ومنها الشركة القابضة لمصر للطيران، وقد تم فحص هذا البلاغ الذي تضمن 12 قيادة من قيادات الطيران المدني على مدار 9 سنوات، ومنهم المهندس عاطف عبدالحميد، وحيث انتهى فحص هذا البلاغ بمعرفة كل من نيابة الأموال العامة العليا وإدارة الكسب غير المشروع وانتهت التحقيقات إلى صدور قرار بحفظ الأوراق لعدم وجود شبهة عدوان على المال العام». وقال إن هناك صورة من الموافقة على قرار الحفظ الصادر من نيابة الأموال العامة العليا هذا وقيدت الشكوى وأوراق الموضوع كشكاوى محفوظة تحت رقم 180 / 2013» .

على أي أساس يتم اختيار المسؤول في مصر؟

وإذا انتقلنا لـ«الوطن» سوف نجد رئيس تحريرها التنفيذي محمود الكردوسي يعود لمناقشة اختيار محافظ القاهرة، ولكن من زاوية أخري في بروازه اليومي في الصفحة الأخيرة «كرباج» بقوله: «محافظة القاهرة أصدرت بياناً أمس نفت فيه صحة ما تردد بشأن تصالح المحافظ عاطف عبدالحميد مع جهاز الكسب غير المشروع وسداده أربعة ملايين جنيه، واعتبر البيان أن المسألة مجرد «بلاغ كيدي» قُدم في أعقاب كارثة 25 يناير/كانون الثاني «الله يحرقها» وتضمن 12 من قيادات الطيران المدني بينهم المحافظ، ماشي يا محافظ ألف مبروك البراءة، السؤال ومع كل التقدير للمهندس عاطف عبدالحميد: ما علاقة الطيران المدني بشؤون «القاهرة» وهي عاصمة الدولة والأصعب في إدارتها بين كل العواصم الإقليمية؟ هل تخطط الدولة لمشروع «توك توك طائر» لحل أزمة المرور مثلاً؟ وهل ثمة علاقة بين اختيار الرجل لهذا المنصب وكونه «وزير نقل» أسبق؟ ألم تجد الدولة سوى رجل تجاوز السبعين لهذه المهمة؟ كثير من المهتمين بالشأن العام يسألون: على أي أساس يتم اختيار المسؤول في مصر؟ والسؤال الأهم: مَن الذي يختار؟».

السماح للسارقين بالسرقة

وإلى «الجمهورية» عدد يوم السبت وعمود زميلنا ماهر عباس الذي احتار في الفساد ومن يحمي الفاسدين بقوله: «تحالف «مافيا» الفساد يستفز الشارع المصري خاصة بعد زلزال التوريد الوهمي للقمح، الذي كشف أن هذا التحالف متشعب وينتشر في كل المواقع. وفجر الشكر الذي وجهه مجلس الوزراء لوزير التموين السابق المستقيل خالد حنفي جدلا واسعا حول محاكمة المتورطين في فساد القمح والارز والسكر. المواطنون يرون أن مافيا الفساد استولت على المال العام بصفقات لا يجوز التصالح فيها، لأن هذا معناه أننا نقول لهؤلاء السارقين اسرقوا مرة ثانية، ويجب على السلطات المختصة التصدي لهؤلاء الذين يستولون على قوت الشعب وماله او يحتكرون السلع، كما انه ليس مقبولا التصالح مع من يفسد الحياة الاقتصادية للوطن بل محاكمتهم وفورا».

«المسؤول دائماً متهم حتى تثبت براءته»

ونظل مع الفساد في البر ففي «الوطن» عدد يوم السبت أيضا قال زميلنا وصديقنا عبد العظيم درويش: « لم يؤد وزير التموين الجديد، اللواء محمد الشيخ، اليمين الدستورية ليلحق بـ«فريق الدكتور شريف إسماعيل الوزاري» ليحل محل الدكتور خالد حنفي، وزير التموين الذي لحق باسمه «السابق»، بعد أن «اُستقيل» من الحكومة ولم يُقدم استقالته، والذي ينتظر «الطحن» في مطاحن جهاز الكسب غير المشروع والنيابة بسبب ما نسبه إليه تقرير اللجنة البرلمانية لتقصي الحقائق في فساد القمح، إلى جانب الشبهات التى أحاطت به نتيجة ما قدمه النائب مصطفى بكري من مستندات تكشف عن إقامته في فندق «سميراميس إنتركونتيننتال» التي كانت تكلفه -وفق ما يقوله- 30 ألف دولار كل شهر على مدى 31 شهراً، في حين أن راتبه لا يتجاوز 30 ألف جنيه شهرياً. من جانبي، فإنني أستبعد أن يكون الدكتور حنفي في فعلته هذه قد ورّط نفسه في «مستنقع الفساد» بإقامته في الفندق على نفقة الوزارة التي يحمل حقيبتها، خاصة أن إقامته قاربت الثلاث سنوات، وإلا كانت أجهزة الرقابة «تغط نوماً في العسل».. وإن كان الوزير السابق في الوقت نفسه يتحمل الجانب الأكبر من هذه الشبهات، خاصة أنه كان وزيراً للتموين يتعامل مع مواطنين محدودي الدخل يعانون يومياً من «لهيب الأسعار»، إلى جانب أننا يحلو لنا دائماً أن نخالف القاعدة القانونية الشهيرة «المتهم بريء حتى تثبت إدانته» لتصبح «المسؤول دائماً متهم حتى تثبت براءته»، ولنا في ذلك العذر، إذ لا يصح مطلقاً أن تحوم الشبهات – أي شبهات- حول من يتصدر العمل العام أو يتولى منصباً يتيح له فرصة اتخاذ قرارات تتعلق بـ«المال العام».. ورغم ذلك فإن من حق الرأي العام أن يعلم حقيقة ذمته المالية قبل وبعد الوزارة. على الرغم من تعدد الأجهزة الرقابية الموكل إليها التأكد من صلاحية المرشح لتولي منصب رسمي فإنه ربما كان «الكسل» الذي أصابها ولا أقول الإهمال أو التواطؤ أو قصر تحرياتها واهتمامها على تحديد الهوية السياسية للمرشح، من دون أن تتطرق إلى فساده أو مدى ميوله واستعداده لذلك الفساد هو السبب في نجاح الوزير في التسلل إلى مقعده، وإذا لم يكن هذا ما حدث فليخرج علينا «رئيس الوزراء» ليعلن بكل شفافية أن بعض التقارير الرقابية قد اعترضت على وزير «التموين» إلا أنه أي «إسماعيل» لم يلتفت إليها، ووقتها لابد أن يلحق به في قفص الاتهام ولا يُكتفى بتقديمه استقالته. يبدو في ظل ما نشهده من تطورات متلاحقة لقضية اتهام وزير التموين بالفساد أننا سنبدأ غناء «يا حلوة يا بلحة» ترحيباً بمن كانت صورهم تتصدر الصفحات الأولى من الصحف ويتشدقون بالشفافية والمصداقية ومواجهة الفساد على شاشات التلفزيون كل ليلة تقريباً».

نعيب حكومتنا والعيب فينا!

وإلى المعارك والردود المتنوعة التي بدأها في «أخبار اليوم» يوم السبت زميلنا هشام عطية في عموده «قلب مفتوح» حيث أشار إلى أنه لم يكف عن مهاجمة الحكومة الحالية وإقالتها لفشلها لكنه لا يمكن إغفال أن المصريين أنفسهم يساهمون في خراب بلدهم قال: «نحن منحنا ضمائرنا إجازة دائمة أدخلناها في غيبوبة سريرية طويلة، قطاع عريض من العاملين والموظفين في هذا البلد في إجازة بمرتب يحصلون على رواتبهم وكل حوافزهم من دون عمل وإنتاج حقيقي. ساءنا جميعا الأزمات الأخيرة التي تعرضنا لها من نقص وغلاء لبعض السلع الأساسية، نشكو ونعترض من دون أن يكلف احد منا نفسه عناء مواجهة الذات بالحقيقة، أليس المسؤول عن أزمة اختفاء لبن الأطفال المدعم – إلى جانب الحكومة- موظفا فاسدا وصيدليا جشعا أعطى ضميره حقنة بنج ليبيع علبه المدعمة بعشرات الجنيهات ويترك أطفال هذا الوطن جوعى واهاليهم أسرى في طوابير المعاناة الطويلة؟ أليس المسئول عن أزمة اختفاء أنابيب البوتاجاز ووصول أسعارها إلى أرقام خيالية صاحب مستودع وبائعا وأصحاب مصانع ألومنيوم وطوب معدومي الضمير اختاروا المكسب الحرام اغتصبوا حقوق الغلابة والفقراء في أنبوبة مدعومة ليحققوا هم الثروات الطائلة؟
المصريون يخربون بيوتهم بأيديهم يقودون بلدهم إلى حافة الهاوية الخطر، يضاربون بالدولار في السوق السوداء فترتفع أسعار كل السلع، أزمة السكر الأخيرة على سبيل المثال سببها الأساسي الممارسات الاحتكارية لموزعي السكر وسعي المحتكرين والمستوردين لتحقيق أرباح فلكية من دماء الغلابة. يكفي أن نعلم أن الأجهزة الأمنية في ساعات قليلة ضبطت ما يزيد على 190 طنا مخبأة في مخازن المحتكرين منها 40 طنا لمفتش تموين في كفرالشيخ يعني حاميها حراميها! انزعجنا جميعا من مهزلة الغش الجماعي وتسريبات الثانوية العامة، ولكن أليس الطلاب وبعض أولياء الأمور شركاء فاعلين في هذه الجريمة ؟ نصرخ من فواتير الكهرباء المجنونة ونصب اللعنات على الحكومة التي رفعت الأسعار، من دون أن ندري أن سرقاتنا للتيار الكهربائي التي تجاوزت 800 مليون جنيه في 6 أشهر هي أحد الأسباب وراء ارتفاع الفواتير. نفر من المصريين نهبوا أرض الدولة في أقل من 5 سنوات بما يزيد على 300 مليار جنيه وهذا ما تم حصره حتى الآن، وما خفي كان أعظم. ووصل حجم التعديات على الأراضي الزراعية التي نأكل منها ما يزيد على مليون ونصف المليون فدان، هل تصدق أنه حسب تقديرات لخبراء في مجال العقارات أنه تم انفاق ما يزيد على 350 مليار جنيه على المباني المخالفة التي تشكل كارثة على شبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء، والأدهي والأمر أن ما تم جمعه من غرامات لهذه المخالفات يساوي صفر بسبب الفساد في المحليات، الحقيقة المؤلمة أننا نعيب زماننا ونحن العيب كله».

لم نحسن الاختيار

أما زميلنا وصديقنا إبراهيم عيسى رئيس تحرير «المقال» فقد وجه انتقادات إلى سلوك المصريين، إلا أنه هاجم مبارك والإخوان والرئيس السيسي والنخبة والناشطين بقوله:« كان معروضًا على مصر في كل خطوة عدة اختيارات فاخترنا أفشلها وأسوأها، بل لم نصنع إطلاقًا الاختيار الواجب والحقيقي، اخترنا مضطرين دومًا واخترنا خطأً. من مبارك نفسه حين كان يمكنه اختيار حل مجلس الشعب وتعيين نائب وإقالة الحكومة مساء خمسة وعشرين يناير/كانون الثاني، لكنه اتخذ اختياراته ببطء وبعناد فأسهم في ما جرى له ولنا بعدها. ثم اختيارات ما بعد يناير/كانون الثاني من أول مجلس حكم انتقالي أم استمرار العسكري إلى دستور أولاً أو انتخابات أولاً، وانتخابات متتالية آخرها انتخابات البرلمان، والحقيقة أننا فشلنا في اختيارات كثيرة جدًّا أقلها ألمًا هو الانتخابات. الرئيس السيسي نفسه كان معروضًا عليه أن يستثمر شعبيته الهائلة التي جاء بها في تجربة ديمقراطية حقيقية واحترام للدستور وفتح المجال العام للعمل السياسي والتنموي والأهلي وبناء مؤسسات دولة على الشفافية واحترام حقوق الإنسان وتغيير الفكر الديني الذي أوصلنا إلى التطرُّف والإرهاب، فتخلَّى عن هذا الاختيار كليَّةً وتمامًا ولجأ إلى دولة بوليسية تلغي الحرية، وتُسيِّد المنهج البوليسي الأمني العسكري في حياتنا. اختيارات السلطة دائمًا فاشلة، لأنه تحدّد مسارها بناءً على الغرور والعناد والتشبث بالسلطة والامتلاء بالذات والخوف من مصير ما بعد التغيير، ولقصور النظر ومحدودية الخبرة السياسية ولغياب الثقافة ولانقطاع الصلة بالتاريخ ولانعدام الرؤية للمستقبل. أما على صعيد المجتمع فاختياراتنا فشلت، لأنه: أولاً، الصوت الصاخب لا العاقل هو مَن يحدِّد الاختيار. ثانيًا، العواطف المتأججة هي التي تشارك في الاختيار..».

«لم يقل لا إلا في تشهُّده»

أما في «شروق» السبت فقد قرر زميلنا الكاتب فهمي هويدي مهاجمة رئيس مجلس النواب الدكتور علي عبد العال والسخرية منه بسبب تأييده الدائم للحكومة وقال: «كانت النتيجة أن المجلس فقد دوره وهيبته وتحول إلى صدى للحكومة وليس رقيبا عليها. وكانت برقية ختام الانعقاد التي بعث بها رئيس المجلس إلى رئيس الجمهورية وعدد فيها إنجازات سيادته وأشاد بها نموذجا لذلك الموقف، إذ أكد فيها وقوف المجلس خلف الرئيس والقوات المسلحة والشرطة الوطنية ولم يشر فيها إلى تمثيله للأمة وحمله لأمانه الدفاع عن أشواقها. حين تابعت حماس رئيس المجلس الزائد للحكومة طوال الوقت وموافقته كل ما صدر عنها تذكرت قول الشاعر الذي أراد أن يمتدح كرم أحد الحكام فقال إنه «لم يقل لا إلا في تشهُّده» وهو ما أحسبه أبلغ وصف لموقف الدكتور المذكور إزاء الحكومة منذ بداية انعقاد المجلس. إن السؤال الكبير الذي يستدعيه المشهد هو: من يراقب السلطة التنفيذية إذن إذا كان ذلك حال البرلمان وإذا كان جهاز المحاسبات قلمت أظافره وجرى العصف باستقلاله ليكون عبرة للأجهزة الرقابية الأخرى؟».

«الفهلوة» و«اللا عمل»

وفي «أهرام» أمس الأحد شن زميلنا عبد المحسن سلامة هجوما ضد الشعب بسبب كسله وعدم رغبته في العمل وضد الحكومة التي تشجع هذا الاتجاه وقال في مقاله: «لا يمكن لشعب أن يتقدم من دون أن يعمل وينتج، فالعمل والإنتاج هما سر التقدم، ومن دون ذلك فهو السير وراء السراب. وفي مصر انتشرت منذ فترة طويلة ظاهرة «الفهلوة» و«اللا عمل» وأصبح العمل هو الاستثناء والفهلوة والبلطجة والتزويغ هي القاعدة، بل إن الأخطر من ذلك أن من يعمل يعاقب ويتم التنكيل به أحيانا تحت مسميات مختلفة، لمجرد أنه ليس من أهل الثقة وليس من «الشلة» وليس من «المحاسيب وحملة المباخر». قد يقول قائل ما ذنب الحكومات فيما تقول إذا كان الشعب لا يعمل ولا ينتج ويفضل الكسل والراحة على العمل والإنتاج؟ الإجابة ببساطة هي أن الحكومات المتعاقبة هي السبب فهي التي زرعت في الشعب الكسل والإهمال، حينما أهملنا الزراعة والصناعة وأصبح من يعمل يأخذ «الفتات» في حين أن من يملك «الفهلوة» ويبيع الوهم يملك الملايين، وربما المليارات لتختل بوصلة المجتمع وتتهاوى قيم العمل والإنتاج إلى القاع. الحكومة الحالية لم تسلم هي الأخرى من ذلك الوباء، بل إنها لا تترك فرصة إلا وتنتهزها لتأكيد ذلك المعنى وها هي تعطي مصر إجازة 10 أيام كاملة بدأت من الجمعة أمس الأول وتنتهى الأحد المقبل والموقف نفسه فعلته في عيد الفطر المبارك الماضي وكأن الاحتفالات لابد لها من إجازات طويلة».

أمريكا تكيل بثلاثة مكاييل

وفي «اليوم السابع» قام زميلنا كرم جبر رئيس مجلس إدارة مؤسسة روز اليوسف في عهد مبارك بمهاجمة وزارة الخارجية لإصدارها بيانا تستنكر فيه قيام كوريا الشمالية بإجراء تجربة نووية وقال: «لم يكن هناك داع أن تقلق الخارجية المصرية بشدة تجاه ما أعلنته كوريا الشمالية من نجاح خامس تجاربها النووية، ولا أن يؤكد متحدثها الإعلامي أحمد أبو زيد أن هذا الإجراء يمثل تهديدا جديدا لنظام منع الانتشار النووي وإضعافا لجهود ترسيخ عالمية معاهدة منع الانتشار النووي، وتعزيز دورها في حظر انتشار الأسلحة النووية ودعم السلام والاستقرار العالمي. القلق الحقيقي هو الكيل بثلاثة مكاييل الذي تمارسه الولايات المتحدة تساعد إسرائيل على امتلاك النووي والكيميائي، من دون أن ترى في ذلك تهديدا للأمن والسلم العالميين، وتسمح لإيران التي كانت الشيطان الأكبر بامتلاك قدرات نووية تقود إلى إنتاج اليورانيوم المخصب وتقيم الدنيا ولا تقعدها بشأن كوريا الشمالية، خوفا من رئيسها المتهور الذي تهدد صواريخه البالستية المحملة بالرؤوس النووية الغرب الأمريكي. أمريكا لم تكن عادلة وقضت على أي محاولات عربية لامتلاك قدرات نووية حتى لو كانت سلمية وقصرت هذا الحق على إسرائيل لكسر شوكة دول الطوق التي كانت تحلم بتحرير فلسطين فتحول الحلم إلى كابوس الهزيمة سنة 1967 وتمارس الآن اللعبة القاتلة نفسها بإخراج إيران من القمقم لتكون «بعبع» دول الخليج».

طبق قانون بناء الكنائس ثم أحكم

أما آخر معارك تقرير اليوم وبها سنختتمه فستكون لزميلنا يوسف سيدهم رئيس مجلس إدارة وتحرير جريدة «وطني» القبطية التي تصدر كل أحد، حيث أشار إلى الرضى العام بين المسيحيين لقانون بناء وترميم الكنائس رغم اعتراضات البعض عليه وقال: «‬يحق لنا أن نرحب بقانون بناء‭ ‬وترميم الكنائس وأن نستقبله بتفاؤل وارتياح‮. ‬صحيح أن كلاً‮ ‬منا قد تكون له تحفظات على‭ ‬مواد القانون‮ ‬وصحيح أن هناك تفاوتاً‭ ‬ملحوظاً‭ ‬بيننا في ‬درجة رضائنا عن تفاصيله‮ ‬وصحيح أن الكثيرين منا كانوا‮ ‬يأملون في‭ ‬أن‮ ‬يصدر القانون خالياً‮ ‬من بعض الشروط والمعايير التي‭ ‬صدر متضمناً‭ ‬إياها‮، ‬لكن في النهاية صدر القانون بمواده وشروطة ومعاييره التي‭ ‬بين أيادينا‮ ‬ويتحتم علينا إنهاء الجدل الذي‭ ‬كان محتدماً‮ ‬بشأن صياغته والنظر نحو إخضاعه للتطبيق العملي،‭ ‬فذلك هو السبيل الحكيم لتقييمه واختبار مدى‭ ‬نجاحه في‭ ‬تحقيق الأهداف التي‭ ‬تم تشريعه من أجلها‭،‬‮ ‬فالبكاء‭ ‬على‭ ‬القانون لن‮ ‬يفيد أحداً‭ ‬واتهامه بالقصور في بعض جوانبه لن‮ ‬يغير واقعه والدعوة لتعديله قبل الشروع في‭ ‬تطبيقه نوع من العبث‮‬».

الفساد طال كل مناحي الحياة بلا استثناء.. ومجلس الشعب صدى لصوت الحكومة والناس تكتوي بنار الأسعار

حسنين كروم

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية