«المُشكل» الغريب في الشعر بين أبي تمام وكمال أبو ديب

مطرٌ يذوب الصحوُ منه وبعدهُ… صحْوٌ يكادُ من الغضارةِ يُمطرُ
غيثانِ فالأنواءُ غيثٌ ظاهرٌ….. لكَ وجههُ والصحوُ غيثٌ مُضمَرُ
هذان بيتان شهيران في وصف المطر، من مدحية لأبي تمام في الخليفة العباسي المعتصم (أو المأمون على رأي البعض)؛ استأثرا بحفاوة القدامى والمعاصرين على حد سواء. على أنْ لا أحد من معاصرينا مثل كمال أبو ديب أو أدونيس وغيرهما ممن يتمثل بهذين البيتين، وبجمالهما اللامألوف أو الغريب، كلف نفسه عناء البحث في روايتهما، أو في موقف شراح شعر أبي تمام منهما.
والحق كان لكثير من هؤلاء القدماء من سلامة الذوق وحيوية الخيال والبصيرة الواعية؛ حتى في ما يُلمح بالبداهة، ما ليس لأكثرنا. ونحن وإن كنا نقدر أنه ليس ثمة مقياس عام يوزن به المشكلُ الغريب في الشعر، فلكل عصر مقاييسه وموازينه ومقارباته، فإن ذلك لا يعفينا من الصبر على قسوة العلم ومرارة البحث، كلما تعلق الأمر بنصوص رواياتها مضطربة متدافعة. ولا يذهبن بنا الظن بعيدا فنتوهم أن بميسورنا أن نجلوها كاملة غير منقوصة، فنرأب صدعا في نص القصائد التي حملتها الروايات المختلفة، ونسد ثلمة، أو نسترد الأصل في جزئياته وتفاصيله. فهذا مطلب بعيد المنال، وقد نهمل رواية مجهولة ونسترسل إلى أخرى منسوبة موثقة، وقد ننحي الضعيفة ونبقي الأقوى؛ فنفترض عليها شتى الافتراضات، ونثق بعض الثقة من أن أمورها تسير على أصول من المنطق والتعليل؛ ولكننا حتى في هذه الحال، قد لا نظفر إلا بنص قلق أو ملتبس.
ذكر الصولي أن قوما يروُون «يذوب الضحو»(ارتفاع الشمس ضحوةَ النهار)، بدل « يذوب الصحو»، وخلص إلى أن ذلك تصحيف وخطأ. وكانت حجته «أن كلام أبي تمام على خلاف ذلك في شعره، لأنه يردد الكلام فذكر الصحو في البيت مرتين.» وقال الصولي: ويُروى «يموت الصحو». وقال الآمدي إن هذا البيت يصحف الناس فيه، فقد رواه قوم «يذوب» وهو أعظم خطأ. والصواب عنده «يذوق الصحو منه»؛ لأنه يصف مطر الربيع وطيب الوقت، أي هو مطر يتبين منه المرء أنه يقلع ولا يدوم، فإذا كان الصحو فهو مؤذن بأن المطر سيعقبه، و»يذوق منه «؛ أي يحتسي فيه بعبارته، ويذوق منه.
وذكر الآمدي أن من صور تصحيف البيت قولهم «يروق الصحو منه» مكان «تذوق». وهي رواية الخارزنجي أيضا، على أنه فسر «يذوق منه» بـ»يمازجه ويداخله»؛ وقال المقصود إن هذا الوابل مطر يجر بعده، الصحو وانقشاع الغيم. وهو صحو يرطب الزمان حتى كأنه من ريه وغضارته، يقطُرُ ويندَى.
وقال المرزوقي إن المقصود أن الأزاهير أتى عليها مطران: أحدهما ما مَطَرَ بالأنواء وشاهده الناس، والثاني صحوه الذي يكاد لنضارته يُمطر، فهو غيث آخر مضمر لا يُشاهد. ومن المعاصرين الذين شدهم هذان البيتان، كمال أبو ديب كما ذكرت. وفي قراءته مقدار من التعسف على النص، غير يسير، وإطلاق للقول، فقد عد «اللبس الدلالي» أو الغموض من «الخصائص الجوهرية للحداثة التي خرجت على وحدانية البعد ووحدانية المعنى في التراث، وأسست التعدد بدلا من الوحدانية جذرا للفاعلية الشعرية، وينبوعا من ينابيع الرؤية الحديثة للعالم» بعبارته(جدلية الخفاء والتجلي 244 ).
وغفل عن أن هذه القصيدة مدحية، وفيها من سمات التقليد وتأبيد السلطة بالمعنى السياسي الحصري ما يجعلها على طرف النقيض من هذه الحداثة المزعومة.
هذا شعر مُشكِل والمقصود به في سياق كلامنا المبهم والمشتبه أو الغامض المختلف عليه. ونقدر أن هذا المصطلح ـــ وهذا موضوع آخر ــ على صلة بالمشكل القرآني؛ وما نخاله وفد على النقد إلا من هذا المصدر. أما إذا حصرنا المسألة في الكيفية التي تأول بها القدامى المشكل من صور الشعر القديم، فإن تأويلهم؛ وهذا لا يصادر حقنا في الاستدراك عليهم، ينهض أكثر ما ينهض على استحضار نصوص شتى من شوارد الأبيات، والآيات والحديث النبوي وسائر الأمثال والمأثور في كلام الناس، أو على ثقافة الناقد/الشارح/القارئ الفنية والتاريخية، ليجوز بها قراءة أو يدفع بها أخرى. وما سقته من كلام كمال أبو ديب، يجري في المجرى ذاته، ولكن المرجعيات قد تكون مرجعيات الشعر الأجنبي والإنكليزي تحديدا. ومهما يكنْ، فهذا وجه من أوجه القراءة هو أقرب ما يكون إلى نوع من التداخل النصي يفسر فيه الشعر بالشعر أو بما ليس منه، وقلما برئ من أحكام القيمة وسلِم.
ولم نجده يخف قديما، إلا في مراحل زمنية لاحقة، فقد امتصت الحقبة الفاصلة بين القارئ، في القرنين الخامس والسادس للهجرة، وشعر المحدثين في القرنين الثاني والثالث للهجرة، شدة الحملة على المحدث التـمامي وعنفها. وكان أكثر من شاعر قد أتى الشعر، قبل أن يفد المتنبي على الشعر العربي وبعده من مذهب أبي تمام؛ فلم يواجهوا تلك الحملة التي واجهها، ولا تصدى لهم علماء اللغة والنـقاد والكتاب كما تصدوا له؛ فقد تقلب «مذهب البديع» أو»شعر المعاني» في ثقافة العرب، في شرق البلاد الإسلامية وغربها، وتقررت سننه واستقر ما جرى عليه من أفانين القول وألوانه.
ما يعنينا في هذا المقال أن التـأويل وهو تحليلي بالأساس أو هو ما يتبقى من تجربة القراءة، لا يتعلـق بالإدراك، إلا في حال تقبل المشكل أو الغريب، في بعده «اللعبي». ويبدو هذا التقبل بمثابة تجربة تتفرع من الإدراك الأولي لترتد إليه وتتثبت فيه وتترتب. وقد يسوغ الشارح أو الناقد تقبله حينا، وقد يفصح عنه في لغة أخرى ارتسامية أو انطباعية حينا؛ وكأن «التقاءه الجمالي» بالصورة الغريبة، من قبيل السر. وهذا نوع من الإدراك يذهل عن التجربة الجمالية كما هي، لأنه ليس إلا زمنا من أزمنة تعددية هذه التجربة. فلا غرابة أن تكون النـظرة الأولى إلى الصورة مزيجا من دهشة واستغراب، أو هي تتعلق بالبديهة والمتخيل والمحسوس، سواء فهم صاحبها الصورة أو لم يفهمها. ويتلو تلك النظرة يقظة الإدراك والنقد والتحليل. فالتقدير يتقدم النقد، والموقف يسبق التحليل.
إن إدراك الصورة الغريبة إدراكا مباشرا، ظل عند القدماء والمعاصرين منا، مزيجا من دهشة واستغراب؛ مرده إلى «مواقع الغرابة» في هذا الشعر، وهي من غرابة لغة الشاعر وصوره. وكلنا يقر بهذه الغرابة التي تضيق وتتسع، فقد تقصر في قصيدة على بيت أو نصف بيت أو على كلمة واحدة، وقد تتسع لأكثر من بيت ومن كلمة، في أخرى. وبسبب من ذلك تختلف خطـة القراءة من قارئ إلى آخر. على أنه يمكن القول إن هناك خُطـتَيْن تلتقيان في هذه القراءة أكثر مما تفترقان: تجميع حرّ وتعرّف.
وفي الحالين كليهما يؤثـر موقف القارئ، في هذه الخطـة أو تلك، بنسبة أو بأخرى. فليس النقد العربي القديم كلـه فنيا، وثمة جانب فردي خالص في تقبل الأثر الشعري لا يستهان به. وفي البيتين اللذين تمثلنا بهما، ما يدل على أن المشكل قضية نقدية نسبية ترجع إلى المتلقي مثلما يمكن أن ترجع إلى المتكلم أو إلى السياق. وبالتالي فإن مدارستها تستلزم بحثا في القرائن التي تقضي باختيار معنى على معنى عند المتلقي. وهي قرائن قد تكون دينية أو اجتماعية تتعلق بالقيم السائدة، فيكون تقدير المعنى أو «المقبولية» بسبب من نظام القيم، صرح القارئ بذلك أم لم يصرح؛ وقد تكون هذه القرائن نفسية أو ذاتية.
إن مرجعيات القراءة أشبه بأنظمة ثقافية وجمالية، يُفترض فيها أن تنظم العلاقة بين الشاعر والمتلقي، فإذا نأى عنها القول فإن «مقبوليته» قد تتقوض أو يعروها الشك والاحتمال.
وربما ، بسبب من ذلك، ميز أكثر القدامى بين الأقوال المعقدة لفظا وتلك المعقدة معنى، وأرجعوا الأولى إلى علة في الكلام كتقصير اللفظ عن المعنى أو إلى مواضعة يقصدها المتكلم بكلامه، وأرجعوا الثانية إلى علة في المعنى المستودع أو إلى علة في السامع المستخرج أي المستنبط للمعاني. وهي علة ذاتية أو طارئة.
إن هذا المشكل الغريب أو اللامألوف في الشعر، يتجسد في هيئات وصور مختلفة وليس أمرا ثابتا لا يتغير، فقد يكون تغييرا في صورة المعنى المتداول أو المشاع اللفظي؛ مثلما يمكن أن يكون تغييرا في صورة المعنى الخاص أو المملوك. على أنه ليس من حقنا، مهما يكن نصيبنا من الحداثة، أن نقحم هذا الشعر في «نسق» نضعه أو نسترفده، عسى أن يستوعب المختلِف قديما داخله ليبقى نسقا، فقد تكون هذه الطريق التي لا تفضي إلى أي مكان.

٭ شاعر تونسي

«المُشكل» الغريب في الشعر بين أبي تمام وكمال أبو ديب

منصف الوهايبي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية