في ليبيا بعد العراق: إنه برميل النفط… يا غبي!

حجم الخط
4

 

نقلت وكالة أنباء رويترز عن المؤسسة الوطنية الليبية للنفط أنّ الأخيرة سوف ترفع حالة «القوة القاهرة» عن ثلاثة موانئ سيطرت عليها قوات الجنرال خليفة حفتر، بعد أن أقرّت المؤسسة تسلّم (أم هو تسليم؟) المنشآت النفطية، بهدف الشروع في استئناف تصدير الخام. وبالفعل، اشارت رويترز، نقلاً عن مسؤول في ميناء راس لانوف أن ناقلة ـ هي الأولى، منذ عام 2014 ـ رست في الميناء، كما رست ناقلة ثانية في ميناء البريقة. وصرّح مصطفى صنع الله، رئيس المؤسسة، أن قرار استئناف التصدير من ميناءي الزويتينة وراس لانوف قد اتُخذ بناء على تعليمات من الحكومة التي تدعمها الأمم المتحدة في طرابلس والبرلمان المنعقد في الشرق.
في قراءة أخرى، أبسط وأكثر احتواءً على الدلالة، السلام ممكن دائماً إذا اتصل الأمر بالنفط؛ بل هو ممكن، دائماً أيضاً، حتى عن طريق جنرال إشكالي تكتنف تحركاته أسئلة شائكة، ليس في ما يخصّ تمويلاته وولاءاته الخارجية العربية، فحسب؛ بل كذلك طبيعة ارتباطاته بقوى خارجية غربية (أمريكا وفرنسا…)، وأخرى أفريقية (تشاد إدريس ديبي، وميليشياته متعددة الجنسيات مثلاً). أكثر من هذا، تردد أنّ الملفّ الليبي ينتظر، أسوة بملفات إقليمية وعالمية عديدة، نتيجة الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، واتضاح هوية شاغل البيت الأبيض وخياراته، الأمر الذي حوّل أنشطة المبعوث الأممي إلى ليبيا، مارتن كوبلر، إلى سلسلة ألعاب في الوقت المستقطع قبيل تشرين الثاني (نوفمبر) القادم.
ما خلا الملفّ النفطي… الذي اتضح أنه لا ينتظر أكثر، ويتوجب فيه طرق الحديد عند أول اتقاد!
وإلا كيف للمرء أن يفسّر تلك السهولة التي أتاحت للجنرال السيطرة السريعة على الموانئ، رغم الإشكاليات العديدة المستعصية التي تكتنف حضور حفتر في المعادلات الداخلية الليبية الراهنة عموماً، وفي تلك التي تخصّ النفط خصوصاً؟ وكيف انحنى ـ هكذا، سريعاً، بيُسْر وارتهان وسلاسة…! ـ أمير الحرب النفطي إبراهيم الجضران، بعد مداولات وجيزة مع كوبلر؛ هو الذي ذهب إلى مستوى اعتماد ثقافة القرصنة من أجل استئناف التصدير لحسابه، أو تحت سلطته؟ وكيف، إذا لم يكن برميل النفط مقدساً هكذا، نفسّر المباركة الأمريكية الصامتة لجنرال كان في عبّ الاستخبارات الأمريكية وصار عبئاً على خططها الليبية؛ هو الذي صرّح، قبل أيام قليلة فقط، أنّ الضربات الأمريكية ضدّ مواقع «داعش» في مدينة سرت «لا يوجد لها غطاء قانوني»، وحكومة الوفاق الوطني لا تملك أصلاً شرعية طلب المساعدة من واشنطن؟
إجابة أولى على هذه الأسئلة، صالحة للاستخدام دائماً، حتى في معناها المجازي: إنه برميل النفط، وكفى به تفسيراً وتعليلاً؛ تماماً على غرار العبارة الشهيرة التي تُنسب إلى جيمس كارفيل، مدير الحملة الانتخابية لرئاسة بيل كلنتون سنة 1992، التي قد تكون إحدى أبرع الحملات في تاريخ الولايات المتحدة: إنه الاقتصاد، يا غبي! وإنّ الدور في هذه الحكمة قد حلّ على ليبيا، بعد أن دار وصال وجال في العراق، فور استقرار الغزو العسكري للبلد، ربيع 2003؛ ثم تواصل، وتعاقبت أدواره وصولاته وجولاته حتى هذه الساعة. أساطير «داعش» بأكملها، أسوة بحقائق ممارساتها الفعلية على الأرض، لم تمنع ممثّلي شركات النفط العملاقة من التقاطر إلى العراق، لاغتنام ـ أو بالأحرى: اصطياد، واقتناص، واختلاس… ـ عقود تطوير واستثمار الآبار، قديمها وجديدها. ظلّ الـ»بزنس» هو الـ»بزنس» كالمعتاد بالنسبة إلى هؤلاء، ونقطة على أيّ سطر وكلّ فقرة!
ومن الضروري هنا، أخلاقياً ثمّ سياسياً وحقوقياً، التذكير مجدداً بما كشفه محمد القيسي، في الجزء الثالث من دراسته الممتازة «المخططات الأمريكية لاستنزاف ثروات العراق وسرقة أمواله: أرقام وحقائق»؛ وهو الجزء الذي يفصّل القول في طرائق النهب المباشر عن طريق الإستيلاء أو وضع اليد، والتي تبلغ شأو السطو الصريح، ولا يمكن أن تندرج في الخانة المألوفة للفساد المعتاد فقط. هنا ثلاثة أمثلة:
ـ تمّ وضع اليد، بقرار مباشر صدر عن البيت الأبيض سنة 2003 أثناء العمليات العسكرية لغزو العراق، على الأموال العراقية المودعة هنا وهناك في مصارف العالم، والتي تقدّر بأكثر من 13 مليار دولار، أضيفت إليها أموال العراق في الولايات المتحدة، البالغة أكثر من ثلاثة مليارات.
ـ بمصادقة من مجلس الأمن الدولي، استولت سلطات الاحتلال الأمريكية على الرصيد المتراكم من أموال برنامج «النفط مقابل الغذاء»، والتي كانت في حساب العراق حتى آذار (مارس) 2003، بقيمة 21 مليار دولار.
ـ جمعت سلطات الاحتلال سيولات مالية متفرقة، عُثر عليها في القصور الرئاسية والمقرّات الخاصة، لا تقلّ عن ستة مليارات، تُضاف إلى أربعة مليارات من الدولارات كانت في المصرف المركزي العراق.
وغنيّ عن القول إنّ هذه الأموال لم تذهب إلى خزينة إنماء الشعب العراقي أو تطوير الديمقراطية أو بناء المشافي والمدارس ورياض الأطفال والجامعات، بل جرى صرفها لصالح الشركات الأمريكية الكبرى، وشراء الذمم السياسية، وتوزيع الهبات والأعطيات على الأزلام والموالين، أفراداً وقوى سياسية ومذهبية على حدّ سواء. وكانت هيئة الـ BBC قد أجرت تحقيقاً مثيراً حول اختفاء مبلغ 11 مليار دولار قبيل ساعات معدودات من مغادرة الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر العراق نهائياً، كما أشارت تقارير صحافية أخرى إلى أنّ المبلغ «طار» ـ بالمعنى الحرفي للكلمة، وعلى ظهر حوّامة عسكرية! ـ إلى جهة مجهولة في كردستان العراق، قبل أن يسافر من جديد إلى بنك مغمور في سويسرا، كما رجحت صحيفة الـ «فايننشيال تايمز» آنذاك.
للمرء أن يعود، أيضاً، إلى ذلك المؤشر ـ شبه الوحيد، إذا جاز القول! ـ الذي يمكن أن يمثّل انتصاراً أمريكياً من نوع ما في مشروع غزو العراق: قانون النفط والغاز، الذي كانت حكومة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي قد اقرته وأحالته إلى مجلس النوّاب (رغم المعارضة المعلنة للكتلة الصدرية والنوّاب السنّة، يومذاك). يومها كان احتياط النفط العراقي يتراوح بين 115 و215 مليار برميل، وإنتاجه يمكن أن يبلغ ستة مليارات برميل يومياً، بعائدات سنوية لا تقلّ عن 130 مليارا؛ وتلك أرقام تكفي بذاتها لكي ينظر المرء بعين الريبة الشديدة إلى قانون يُسقط عن الحكومة العراقية الحقّ في احتكار التنقيب عن النفط، ويمنحه إلى شركات أجنبية؛ كما يترك الباب موارباً، أو مفتوحاً في حالات عديدة، أمام خيار «اتفاقيات تقاسم الإنتاج».
وفي جانب آخر لا يقلّ خطورة، كان إقرار القانون الجديد كفيلاً بإبطال جميع الاتفاقيات السابقة التي وقّعها العراق، في عهد صدّام حسين أو العهود السابقة، مع شركات فرنسية أو روسية أو صينية، وبالتالي لم تحظَ الشركات الأمريكية بحصّة الأسد في التنقيب والاستثمار، فحسب؛ بل استأثرت، أو احتكرت، جميع ميادين صناعة النفط العراقية. فهل كان مستغرباً أن سيّد البيت الأبيض طوى، مؤقتاً، استياءه الشديد من المالكي، وسارع إلى مهاتفته وتهنئته على تمرير قانون النفط والغاز؟ ألم يكن ذاك ثمناً معقولاً، من وجهة نظر البيت الأبيض، لما يُقارب 700 ألف ضحيّة من أبناء الشعب العراقي، و4000 من جنود الاحتلال الأمريكي، وتخريب البلد، ووضعه كلّ يوم أدنى فأدنى من حافة الحرب الأهلية؟ وهل كان هذا المعنى، بالضبط، هو الذي دار في خلد جورج بوش الابن حين ألمح إلى أنّ العراق يواصل معارك روّاد استقلال أمريكا، من أجل استمرار ولادة الأمّة؟
في برميل النفط أساساً؛ قبل، وربما دون الحاجة إلى، رحم التاريخ!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

في ليبيا بعد العراق: إنه برميل النفط… يا غبي!

صبحي حديدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية