في أيلول/سبتمبر الماضي جمعني صديق اوروبي بشخص يدعى ‘ج’ معرفة قديمة له من عهد وجوده في مصر. ‘ج’ هو عميد متقاعد، شغل في الماضي منصب محافظ في الدلتا. ‘الست قلقا من الاسلوب السلطوي لمرسي؟’ سألناه، ‘لقد بدأ يشبه أردوغان’. ‘هذا تشبيه سخيف’، اجاب بنبرة تدل على شعوره بالاهانة. قلنا له، ان رجب طيب اردوغان ايضا لا يؤمن حقا بالثقافة الديمقراطية، وهو يتطلع الى الديمقراطية الرسمية فقط، أي، الاكتفاء بتغيير الرئيس والحكومة من خلال الانتخابات؛ اما الحريات الديمقراطية فليست قريبة من قلبه. ذكرنا قول اردوغان في أن الديمقراطية هي مثل الباص ينزل منه المرء حين يصل الى المحطة. واتفق ‘ج’ معنا، ‘واضح أن مرسي والاخوان المسلمين ليسوا ديمقراطيين. تنظيمهم مراتبي ومتصلب، وهو انتقائي في تجنيد الاعضاء الجدد (كلهم اقل من ابناء 35)، وقادته يجتهدون جدا على أن يزوج أعضاء التنظيم ابناءهم من بنات أعضاء آخرين، لخلق التراص. في برنامجهم في العام 2007 قرروا ان في دولة الشريعة يكون كل قانون يقر في البرلمان واجب الاقرار في مجلس كبار رجالات الدين. على هذه الخلفية انسحب منهم في 1969 جناح ليبرالي صغير أقام حزب الوسط ومؤخرا انسحب منهم على مثل هذه الخلفية جناح ليبرالي أكبر بقليل، برئاسة عبد المنعم ابو الفتوح. اما المحافظون، وعلى رأيهم المرشد العام محمد بديع ونائبه خيرت الشاطر، فيسيطرون على التنظيم. اما مرسي فهو دميتهما. ‘يوجد فارق هائل بين اردوغان ومرسي’، واصل ‘ج’ مبتسما. ‘لاردوغان توجد تجربة ادارية جمة، قبل كل شيء كرئيس بلدية ناجح في اسطنبول. وكرئيس وزراء قام باصلاحيات اقتصادية بنيوية وأحدث نموا اقتصاديا غير مسبوق، رفع مستوى المعيشة لكل طبقات الشعب. واسلوبه السلطوي، المس بحرية الصحافة، زج كبار الضباط في السجن، والصراع ضد القضاة، الذين هم في نظره عصابة مليئة بالافكار الغربية المناهضة للاسلام وجد تعبيره لاحقا فقط’. اما مرسي؟ سألناه، فأجاب ‘ج’ باحتقار: ‘لا له ولا لاي من رجال الاخوان المسلمين تجربة ادارية. فلسنوات وسنوات اشتغلوا في الدعاية، في تجنيد الاعضاء وادارة المشاريع الخيرية. وحتى خيرت الشاطر جمع ماله الكبير من صفقات الوساطة مع دول الخليج. وهل هكذا يعتقدون انهم سيديرون اقتصادا اشكاليا مثل الاقتصاد المصري؟ سرعان ما سيضطرون الى دعوتنا، نحن أصحاب التجربة، لنمسك بالخيوط’. ولكن قلت لنا بأنكم معنيون بالسيطرة وليس بالحكم، لاحظنا له. فأجاب ‘ج’: ‘صحيح سنسيطر من خلف الكواليس من خلال مواطنين موالين لنا، وربما أيضا ضباط متقاعدين مثلي. لقد تعلمنا درس سنوات 1952 2011. محظور علينا ان نكون في مقدمة المنصة فعندها سنفقد ثقة الشعب، التي اكتسبناها بالدم في 1973. الشعب يعرف ان مصلحة مصر امام عيوننا فقط’. ‘رجل حكيم’، قال صديقي بعد ان ودعنا ‘ج’. في الاشهر التي مرت منذئذ أتعلم كل يوم كم كانت صائبة حكمته. فالاضطرابات في مصر اليوم، والتي تصل الان الى الذروة بقيادة الحركة الجماهيرية ‘تمرد’ تنبع بالفعل من خروقات الشرطة لحقوق المواطن ايضا تلك الشرطة التي بقيت سادية ووحشية مثلما كانت دوما ومن انعدام الاحساس بالامن الشخصي عقب الارتفاع في الجريمة، جراء هرب عشرات الاف السجناء من السجون في شباط/فبراير 2011. لكن أساس قوتها تستمدها حركة المعارضة من الازمة الاقتصادية الاجتماعية، النابعة من الادارة الفاشلة. أرصدة العملة الصعبة لدى مصر تقترب من الخط الاحمر؛ هكذا ايضا مخزونات الدقيق والوقود. اتفاق المساعدة مع صندوق النقد الدولي يتأخر لان مرسي يتردد في قبول شروط الصندوق، التي أساسها التقليص في الدعم الحكومي. فمرسي يخاف من ‘اضطرابات خبز’ عنيفة على نمط كانون الثاني/يناير 1977. وقد تدهور الوضع أكثر فأكثر عقب خطوات فظة أخذها مرسي: تقديم صحافيين انتقدوا الاسلام (وان كان بشكل مبطن) الى المحاكمة، تعيين مكثف لمفتشين من الاخوان المسلمين في جهاز التعليم، اعادة الرقابة على كتب التعليم، مشروع قانون لتخفيض سن التقاعد للقضاة، الذي يعني احالة 3 الاف قاضٍ على المعاش وتعيين اعضاء الاخوان المسلمين بدلا منهم (حتى ناصر، عندما طهر الجهاز القضائي لم يقل سوى 600 قاضٍ)، والخطوة الاكثر اثارة: في الايام التي تعاني منها مصر من انهيار فرع السياحة، تعيين أحد قادة الجماعة الاسلامية محافظا للاقصر. وكانت الجماعة الاسلامية المنظمة التي وقفت خلف مذبحة 58 سائحا هناك في تشرين الثاني/نوفمبر1997. يوم الاحد الماضي القى وزير الدفاع عبدالفتاح السيسي خطابا في ندوة للضابطية العليا. في هذا الخطاب البطيء والمحسوب دعا السياسيين (اي مرسي أساسا) الى الصحوة والى أن يحل في غضون اسبوع الخلافات بين الحكومة وحركة تمرد التي أعلنت عن المظاهرات في 30 حزيران/يونيو، الذكرى السنوية لصعود مرسي الى الحكم. شعار المظاهرات هو ‘ارحل’، ذات الشعار الذي رفعته الجماهير في مظاهرات 2011 ضد حسني مبارك. واذا لم يتم تنسيق البث، كما حذر السيسي، فانه سيتعين على الجيش التدخل لحماية مصالح الامة. سألت صديقي الاوروبي، في مكالمة هاتفية ماذا يعتقد انه سيحصل. ‘الله اعلم’، أجاب.