بيكيت وأقفاص الهولوكوست

حجم الخط
0

لعلّ معظم الأسباب التي تجعل المسرحيّ والروائي والشاعر الأيرلندي الكبير صمويل بيكيت (1906 ـ 1989) أديباً كونياً، إنما تنبثق من ستراتيجية أساسية كبرى حكمت معظم نتاجه: أنّ معطيات دائرة العبث المطلق التي تتحرّك فيها شخوصه، ونتحرّك معها بدورنا، أكثر اتساعاً وتعقيداً وإيغالاً في النفس البشرية من أن تُدرِج الثنائيات التقليدية بين خير وشرّ، وشرق وغرب، ورجل وامرأة؛ أو أن تقبل احتكار «الروايات الكبرى»، التي تمنح هذه الثقافة أو تلك تفوّقاً من أي نوع في تمثيل الهواجس الإنسانية.
كذلك فإنّ الشخصيات حاملة هذه الاستراتيجية لا تهبط مرّة واحدة عن مستوى التمثيل التراجيدي الأقصى لمعضلات عالم ينتظر الآتي (غودو) عبثاً، ولا يكفّ عن الانتظار؛ أو الذي يأخذ هيئة جمجمة مجوّفة هائلة، فيها يواصل الكائن البشري خضوعه لشرط وجود ناقص: لابثاً في حاوية قمامة، أو مسمّراً على كرسيّ هزّاز، جامداً كلوح من الخشب أمام نافذة مظلمة، أو مدفوناً حتى عنقه في الرمال، أو مقلوباً على وجهه في حمأة من الطين… كما هي أحوال شخوص بيكيت، في مسرحياته ورواياته.
لهذا بدا، في نظري، خياراً خارجاً عن هذه الرؤية، وشاذاً عن معانيها الكونية تحديداً؛ أن يقترح الأكاديمي البريطاني جوزيف أندرتون (في كتابه «مخلوقات بيكيت: فنّ الفشل بعد الهولوكوست»، الصادر مؤخراً عن بلومزبري في لندن) قراءة تحصر أعمال بيكيت في تلك الدائرة الضيقة التي ترسخت بعد عبارة تيودور أدورنو الشهيرة: «كتابة الشعر بعد أوشفتز أمر بربري». شخوص بيكيت، بعد الهولوكوست، هم في نظر أندرتون «مخلوقات» وليسوا بشراً؛ بمعنى أنّ طور الإنسانية الذي أنتج أوشفتز، نقل الإنسان إلى صفة وحشية أو بهيمية أو حيوانية، هي التي اجتذبت مخيلة بيكيت. والخلاصة، استطراداً، أنّ صاحب «في انتظار غودو» و«موللوي» و«مالون يموت» و«نهاية اللعبة»… هو أديب هولوكوستي بامتياز!
والحال، بادئ ذي بدء، أنّ أدورنو أطلق تلك العبارة الرهيبة في سياق التساؤل عما إذا كان الشرّ المطلق يفرض قيوداً على الفنّ المسلّح بالوجدان، أو المتكئ على الضمير؛ لكنه لم يقصد ذلك المعنى الحرفي، والاختزالي تماماً، الذي رسّخته التأويلات التبسيطية للعبارة، من أن الشعر انتهى بعد أوشفتز. ومع ذلك فإنّ أساس الفكرة، كما جاءت في فقرة قصيرة من مقال شاقّ كتبه أدورنو حول النقد الثقافي، كان يقول التالي: الشعر الذي أنتجته ثقافة ما قبل أوشفتز، لا يجوز (وذاك هو البربري) أن تعيد إنتاجه ثقافة ما بعد أوشفتز. ولهذا فإنّ عمل ريشارد شتراوس الموسيقي «أربع أغنيات أخيرة» هو الذي كان في ذهن أدورنو حين صاغ العبارة الصاعقة، وليس أيّ شعر أو فنون كتابية أخرى.
من جانب آخر، كانت الأسئلة الكبرى التي أثارتها أعمال بيكيت قد تجاوزت حدود تراجيديا البشر، بما تنطوي عليه من عزلة ويأس ومهانة وعبث، لتبلغ مأزق التعبير ذاته، في المعنى واللغة والشكل والرسالة. ولقد قاد الرواية، مثلاً، إلى منعطف مغلق (وبالتالي فإنه، لهذا تحديداً، جعلها مفتوحة الاحتمالات)؛ وجرّد المسرح من بعض أهمّ عناصره حين جمّد الشخصية في المكان، وألغى حركتها على الخشبة؛ وكاد أن يذهب بالتمثيلية الإذاعية إلى حافة «الصوت الصامت»؛ وقارب فنّ السينما لكي يوقّع بياناً شجاعاً ضدّ فحشاء الصوت والمؤثرات وألعاب السيناريو، لصالح المعطى البصري دون سواه.
وفي سياقات كلّ هذا التجريب المتعدد كان بيكيت قد وضع اللغة ذاتها موضع مساءلة عنيفة قاسية؛ ولم يكن مستغرباً أن يكتب أعظم أعماله، الثلاثية الروائية ومسرحيته الأشهر «في انتظار غودو»، باللغة الفرنسية وليس الإنكليزية. وبمعزل عن فلسفته الشخصية التي تكمن وراء هذا الخيار، أي رغبته في التخلّص ما أمكن من ضغط وإغواء وسطوة البلاغة الفطرية في اللغة الأمّ؛ ثمة تلك العلاقة الوطيدة التي جمعته مع اللغة الفرنسية، أو مع فرنسا عموماً في الواقع.
وكان قد جاء إلى باريس سنة 1928 لإكمال دراسته الجامعية، وناقش أطروحة متميّزة عن الروائي مارسيل بروست، وانضمّ إلى حلقة مواطنه الروائي الكبير جيمس جويس، ثمّ أخذ يكتب بالفرنسية أو يترجم إليها. ولكي يبرهن أنّ روحه الكونية ليست مقتصرة على النصّ وحده، انضمّ بيكيت إلى حركة المقاومة الفرنسية أثناء الاحتلال النازي، واضطرّ إلى التخفّي والعيش في الحياة السرّية حين اكتشف النازيون أمر الخلية التي كان منضوياً فيها، فغادر باريس إلى الجنوب ليشارك في مختلف أعمال المقاومة، رغم أنّه يحمل جنسية بلد محايد في الحرب، وكان من حقّه أن يقيم في باريس بلا منغصات.
وقد يكون مرجحاً تماماً أن الصفة المأساوية التي اقترنت بالهولوكوست كمنت في ضمير بيكيت حين وضع النفس البشرية على مصاطب تشريح متعددة، وهذه خلاصة طبيعية تماماً. إلا أنّ حصر إرث هذا الفنان الكبير في تلك الصفة، على نحو ما يفعل أندرتون في كتابه، إنما يضيّق الخناق على أدب فسيح طليق رحب، ويحبس بيكيت في قفص التأويل الأحادي.
وهيهات أن يُقرأ هذا الأديب الكوني العظيم، والاستثنائي، ممسوخاً هكذا في قالب البُعد الواحد!

بيكيت وأقفاص الهولوكوست

صبحي حديدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية