قمة الأمم المتحدة للاجئين والمهاجرين – بيان أدبي غير ملزم

قضايا العرب الإنسانية تشغل العالم. بلاد حباها الله بكل أنواع الثروة يتشرد أبناؤها في أصقاع الأرض حفاة عراة فمنهم من يغرق في البحر ومنهم من تصده الأسلاك الشائكة على الحدود ومنهم من يوضع في معسكرات أشبه بالمعتقلات ومنهم من لا يستطيع الهروب فتتصيده فرق الظلاميين والخارجين من كهوف التأويل المسموم، ليحترف الكراهية والموت والتدمير والسبي وجز الرؤوس.
ليس سرا أن معظم اللاجئين والمهاجرين والمهجّرين في السنوات الأخيرة من العرب والمسلمين. كنا فيما مضى لا نعرف إلا اللاجئين الفلسطينيين الذين اقتعلوا ظلما وقهرا من وطنهم الذي لا يعرفون غيره، بعد مؤامرة دولية صنعتها قوى الاستعمار الاستيطاني وامتدداتها المحلية. أصبحت القائمة الطويلة الآن تضم لاجئين ومهاجرين سوريين وعراقيين وليبيين ويمنيين ولبنانيين وصحراويين وسودانيين وصوماليين.
قبل افتتاح دورة الجمعية العامة العادية الواحدة والسبعين يوم الثلاثاء انطلقت أعمال مؤتمر قمة عالمي حول مسألة الهجرة واللجوء. ومع أن الدورة العادية ما زالت مستمرة إلا أنني أستطيع أن أقول إنها دورة باردة تخلو من الإثارة وينقصها النجوم الذين كانوا عادة يضيفون شيئا من التميز في كل دورة، لكننا نستطيع أن نؤكد أن مسائل اللاجئين والمهاجرين والإرهاب والمناخ، بالإضافة إلى الأزمة السورية هي المواضيع التي كانت أكثر ترددا في كلمات الوفود. أما القضية الفلسطينية فلم تحظ بأي زخم في هذه الدورة مع أن كثيرا من المتحدثين كرروا الكلام الجاف والممل حول الحل القائم على الدولتين عن طريق المفاوضات.
هناك فرق قانوني بين اللاجئ والمهاجر، فاللاجئ اضطر لترك بلاده قسرا أو خوفا أو هربا بسبب نزاع قائم أو احتلال أو استهداف أقلية بالقتل أو الاضطهاد أو الطرد أو التطهير العرقي. ولو حدث أن زالت أسباب اللجوء تصبح العودة إلى الموطن الأصلي مفتوحة، بل ومطلوبة. أما المهاجر فهو في الغالب عمل طوعي يغير فيها الشخص مكان إقامته بشكل مؤقت أو دائم لتحسين ظروف معيشية أساسا أو هربا من فقر أو مجاعة. لقد تفاقمت أزمة اللجوء والهجرة بشكل لم يسبق له مثيل منذ الحرب العالمية الثانية، حيث زاد عدد اللاجئين والمهاجرين عن 65 مليونا، يحزننا ويوجعنا أن نقول إن غالبيتهم من العرب والمسلمين. وقد حركت مناظر صور الأطفال والنساء الغرقى في البحر المتوسط، كل ضمير حي في هذا الكون وضغط على المجموعة الدولية لعمل شيء ما فكانت قمة الأمم المتحدة للاجئين والمهاجرين يوم الاثنين الماضي.
نتيجة لتفاقم الظاهرة وتخوف العديد من المجتمعات أن يخلق اللاجئون والمهاجرون في بلدان الاستقبال أو المرور ظروفا اقتصادية وأمنية صعبة، فقد أغلقت بعض الدول الأبواب أمامهم تماما مثل هنغاريا، بينما تعاملت بعض الدول معهم بكل لطف وكرم وتضامن مثل اليونان، واختارت ألمانيا أن تأخذ حصة كبيرة من اللاجئين والمهاجرين بدون أن تلحق بها بقية دول المجموعة الأوروبية. كانت كل دولة تتبع سياسة تختلف عن الأخرى انطلاقا من مصالحها والمزاج الشعبي الذي صنعته وسائل الإعلام، خاصة بعد تفجيرات فرنسا. لذلك كان الهدف الأساسي من القمة توحيد الرؤية بالنسبة للظاهرة والاتفاق على مجموعة من الأهداف والالتزام الأدبي والخلقي بتقسيم المسؤولية في التعامل مع هذه الظاهرة الخطيرة. اجتمع قادة العالم في مقر الأمم المتحدة لمدة يوم واحد واعتمدوا وثيقة غير ملزمة أطلق عليها «إعلان نيويورك المعني باللاجئين والمهاجرين» الذي يعبر عن الإرادة السياسية لقادة العالم إزاء حماية حقوق اللاجئين والمهاجرين وإنقاذ الأرواح وتقاسم المسؤولية.
إعلان نيويورك، كما قال الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، يمثل انفراجا في الجهود الجماعية لمواجهة تحديات النزوح البشري الجماعي، ويعني أيضا «أن مزيدا من الأطفال سيذهبون إلى المدارس ومزيدا من العمال سيسعون بشكل آمن للعمل في الخارج، بدلاً من أن يكونوا تحت رحمة المهربين والمجرمين، وأن يكون لدى المزيد من البشر خيارات حقيقية إذا أرادوا الانتقال من أماكنهم عند انتهاء الصراعات والحفاظ على السلام وزيادة الفرص لهم في أوطانهم». وقد تعهدت الدول الأعضاء أن تبدأ سلسلة مفاوضات تفضي إلى التوصل إلى عقد مؤتمر دولي لاعتماد ميثاق عالمي للهجرة الآمنة والمنظمة والمنتظمة عام 2018، يكون ملزما للدول التي توقع عليه، إضافة إلى الاتفاق على وضع مبادئ توجيهية بشأن معاملة المهاجرين وتحقيق تقاسم أكثر إنصافا لأعباء ومسؤوليات استضافتهم، ودعمهم عن طريق اعتماد الميثاق العالمي للاجئين والمهاجرين المزمع التوصل إليه قبيل نهاية عام 2018.
وتبع الإعلان إطلاق الأمين العام حملة جديدة بعنوان «معاً – الاحترام والسلامة والكرامة للجميع» بهدف «التصدي لتزايد ظاهرة كراهية الأجانب وتحويل الخوف إلى أمل». وحث الأمين العام «قادة العالم على الانضمام إلى هذه الحملة والالتزام معاً بإعلاء حقوق وكرامة كل من أجبرتهم الظروف على الفرار من ديارهم بحثاً عن حياة أفضل.
تشمل الالتزامات حماية حقوق الإنسان لجميع اللاجئين والمهاجرين، بغض النظر عن أوضاعهم، وتشمل حقوق النساء والفتيات وتعزيز مشاركتهن الكاملة والمتساوية والمفيدة في إيجاد الحلول؛
– ضمان حصول جميع الأطفال اللاجئين والمهاجرين على التعليم في غضون بضعة أشهر من وصولهم؛
 – منع ممارسة العنف الجنسي والتصدي له؛
– دعم البلدان التي تقوم بإنقاذ أعداد كبيرة من اللاجئين والمهاجرين واستقبالهم واستضافتهم والعمل على وضع حد لممارسة احتجاز الأطفال بغرض تحديد وضعهم بصفتهم مهاجرين؛
– الإدانة الشديدة لكراهية اللاجئين والمهاجرين ودعم حملة عالمية لمواجهتها؛
 – تعزيز المساهمات الإيجابية التي يقدمها المهاجرون في التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلدان المضيفة لهم؛
– تحسين إيصال المساعدات الإنسانية والإنمائية للبلدان الأكثر تضررا، من خلال الحلول المالية المبتكرة والمتعددة الأطراف، من أجل سد كل ثغرات التمويل؛ 
– تحقيق استجابة شاملة للاجئين، استناداً إلى إطار جديد يحدد مسؤولية الدول الأعضاء والشركاء من المجتمع المدني ومنظومة الأمم المتحدة كلما كانت هناك حركة كبيرة للاجئين أو حالة يتواجد فيها لاجئون لمدة طويلة؛
– إيجاد أوطان جديدة لجميع اللاجئين الذين تحدد مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين حاجتهم إلى إعادة توطين؛ وزيادة فرصهم في الانتقال إلى بلدان أخرى، من خلال خطط معنية بتنقل العمالة أو التعليم على سبيل المثال.
– تعزيز الإدارة العالمية للهجرة عن طريق دمج المنظمة الدولية للهجرة في منظومة الأمم المتحدة.
يتضمن إعلان نيويورك أيضاً خططاً محددة لكيفية البناء على هذه الالتزامات. فبعد انفضاض المؤتمر تبدأ مفاوضات تفضي إلى اتفاق لعقد مؤتمر دولي عام 2018 لاعتماد ميثاق عالمي للهجرة الآمنة والمنظمة والمنتظمة. وهذا الميثاق يصبح وثيقة دولية ملزمة وتصبح ظاهرة الهجرة، مثل غيرها من مجالات العلاقات الدولية، تسترشد بمجموعة من المبادئ والمعاملات والمنظورات المشتركة بين الدول التي تعامل المهاجرين واللاجئين كبشر لهم حقوقهم وعليهم واجبات. وتركز تلك الوثيقة على حقوق أطفال النازحين جماعيا مع أهاليهم أو بدونهم وأولها الحق في التعليم. كما يتضمن ميثاق الهجرة واللجوء تقاسم الأعباء والمسؤوليات بطريقة أكثر إنصافا وعدلا بين الدول المستضيفة ودول المرور ودول التصدير.
تكمن جذور الهجرة في الفقر أولا. فالفقر يدفع الناس إلى التخلي عن مواطنهم الأصلية بحثا عن لقمة عيش كريمة. في عام 1990 كانت نسبة الفرق في الدخل بين أغنى خمس دول وأفقر خمس دول 9 إلى 1. أما في عام 2016 فالنسبة وصلت إلى 100 إلى 1. وهذا يفسر أن الهوة بين الأغنياء والفقراء في اتساع مطرد كما أن العولمة أدت بالكثيرين إلى فقدان سبل عيشهم بسبب المنافسة الخارجية. كما أن العولمة مكنت الشركات الكبرى من البحث عن أيدٍ عاملة رخيصة من مناطق بعيدة الشيء الذي فاقم الفقر حاليا أو من أماكن التوظيف المعتادة. لكن العولمة أيضا قدمت خدمات للمهاجرين، خاصة في تحويل إرسال الحوالات المالية، فقد أرسل المهاجرون عام 2004 ما قيمته 246 مليار دولار إلى بلدانهم الأصلية.
خلاصة الأمر أن مؤتمر قمة اللاجئين والمهاجرين يعتبر خطوة أخلاقية ومعنوية في طريق تصحيح أوضاع كانت الدول الصناعية والاستعمارية من بين أسباب تفاقمها بسبب إشعال الحروب وإثارة القلاقل وزرع الفتن وتغذية الديكتاتوريات والاستغلال الاقتصادي. الوعود الأخلاقية لا تكفي أحيانا. المطلوب التوجه أساسا لحل الصراعات وإقامة نظام عدالة سياسيا واقتصاديا. وبدون التوجه إلى جذور النزاعات والاضطرابات السياسية والاجتماعية فستبقى الدول المصدرة للمهاجرين واللاجئين على الطريق نفسه. الحرب في اليمن أدت إلى نزوح أكثر من ثلاثة ملايين جلهم في السعودية ودول الخليج. وكم كان أسهل لو صرفت تلك المليارات على التنمية في اليمن بحيث لا يبقى فقير واحد. لو حدث هذا فسيكون الجميع فائزين. والآن أنظر إلى نتائج تلك السياسات ليس في اليمن فحسب، بل في سوريا والعراق ولبنان ومصر وليبيا. فهل من يتعظ.
محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز

قمة الأمم المتحدة للاجئين والمهاجرين – بيان أدبي غير ملزم

د. عبد الحميد صيام

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية