العملة الثقافية المزوّرة في سوق المعتقدات الراسخة

 من نوافل القول أن نتحدّث في هذا التوقيت التاريخي عن حوار الحضارات والغرب فكرا وسياسة، يعتبر الإسلام وحضارته النقيض الموضوعي للمسيحية واليهودية، وهو صراع من أجل الميراث لا تنفع معه بعض المحاولات الفردية أو المؤسساتية لرأب الصّدع وجسر الهوّة والحدّ من التناحر البغيض الذي تكشف عنه أزمات المنطقة ذات الأسباب السياسية الأيديولوجية بالأساس، وإن كان لبُوسها رداء الدين تضليلا وتمويها ونموذجا على النصب والاحتيال التاريخي . وهو خطر حقيقي ضمن دعوى صراع الحضارات، وعلى المسلمين أن ينتبهوا له ويعيدوا التفكير جيّدا في المسلّمات والبديهيات، وفي واقع الاحتراب على الوهم الطائفي والمذهبي الذي غذّته إلامبريالية الغربية خدمة لإسرائيل ولمصالحها الاستراتيجية أوّلا وأخيرا.
إنّها عصور الإنسان المعطوب والأزمنة الفاسدة التي مازال اليهود يعتقدون فيها أنّ ما جاء في الماضي لم يكن مسيحا وإنّما المسيح الحق هو الذي سوف يأتي لنصرتهم وليضعهم في آخر الزمان على رأس جميع الأمم.
وفي سياق النصب والخبث التنظيري عمل الصّهاينة على إدخال هذه الأسطورة في التراث المسيحي حتى أن بعض الرؤساء الأمريكيين أمثال دونالد ريغان كانوا يردّدون حكاية «أرمجدون» ويؤمنون بالمعركة الكبرى التي ستقضي على الأشرار وتبقي اليهود الشعب المختار. ومثل هذا الاعتقاد تبنّته بعض الفرق الإنجيلية أيضا وأصبحت تؤمن به بشكل قداسي مطلق، وهي المؤامرة الكبرى في لباس ديني تاريخاني ضمن دعوى صراع الحضارات والأديان التي تسعى لجعل الإسلام غريبا عن الحضارة المسيحية اليهودية، نشأة ومسارا وغريبا عن الحضارة الاغريقية الرومانية، ومأتى ذلك محاولات المسيحية استرضاء اليهودية تكفيرا عن أخطائها النازية وغيرها بفصل الإسلام عن اليهودية مع قيام اسرائيل، وهو الغطاء النظري الماكر الذي يقدّمه اليمين المسيحي الأمريكي من أجل كسب اليهودية في جبهة مناهضة للإسلام دينا وحضارة، ما أدّى إلى ظهور صياغة جديدة من الاتّصال بين المسيحية واليهودية تعرف بالمسيحية الصهيونية.
ولعلّنا نلامس عندئذ اقتناع ادغار موران بأنّ تاريخ العالم الغربي قارب إلى الوعي بالعدم.
إنّ أزمة الديني هي أيضا أزمة الثقافي، ومع ذلك لا يمكن التخلّي في خضمّ مشاكل العالم وانحرافاته عن العقيدة القويمة وعن الإيمان السويّ، فالله الحق لم يكن غائبا عن الإنسان الذي خلقه وقدّره تكريما، فمنذ آدم أنزل الله حقائق التوحيد وعلّم آدم الأسماء كلّها وهداه إلى العبادة المثلى وإلى الأخلاق العليا ثمّ توالت قافلة الرسل تدعو إلى مكارم الأخلاق لتلتقي كل الديانات السماوية منها والوضعية في القيم العليا والحثّ على السموّ الروحي. فجميعها تخاطب الناس وتصرّ على القيم الانسانية وتمتين أواصر المحبة وترسيخ فكرة الرحمة والأخوة الانسانية. ومع ذلك تتّجه البشرية اليوم صوب مزيد من التباعد والتباغض معمّقة معطى الاقصاء المتبادل وشرعة الغاب.
ليس هناك من تجاوز والحال كذلك في وصف النظام العالمي قديما كان أو حديثا بأنّه «قرصنة عالمية منظمة» بتعبير آدم سميث، فالتغطية النظرية لنظام الهيمنة العالمية الجديد تتجلّى في اعتقاد صموئيل هنتنغتون وتنظيراته العنصرية التي اعتبر فيها أنّ غالبية دول الشرق الأوسط مصطنعة وحديثة التكوين واذا ما ضعفت السلطة المركزية إلى مستوى معين فلن تجد مجتمعا مدنيا حقيقيا يضمن تماسك الكيان السياسي للدولة ولا شعورا حقيقيا بالهوية الوطنية المشتركة أو ولاء للدولة الأمّة.
إنّه اعتقاد صموئيل هنتنغتون وتنظيراته الموغلة في العنصرية، والحقيقة أنّ هذه النصائح العظيمة إنّما تصدر عن شخص تبنّى التصوّر الاستراتيجي الذي سطّره برنارد لويس ومجموعة من المفكّرين اليمينيين الذي يرمي لتفتيت العالم الاسلامي وتجزئة الشرق الأوسط ضمن معطى صراع الحضارات، وان لم يكن سوى نمط من التفكير يمزج بين العدوانية والسادية. إن معطى التيارات الإسلامية الراديكالية التي تنبّأ برنارد لويس اليهودي الأشكنازي بصعودها منذ ثمانينيات القرن الماضي مثّلت متكأ لمنّظري اليمين الأمريكي، ومادّة دسمة لاستمدادات تنظيرية ايديولوجية، حيث اعتبر لويس أنّ المدّ الأصولي الراديكالي سيدفع لا محالة نحو صراع الحضارات، وهو العنوان الكبير الذي تكفّل هنتنغتون من بعده بالتركيز عليه كتابة وتنظيرا، في مقال مجلّة «السياسة الخارجية» ثم في كتابيه «صراع الحضارات» أولا ثم «إعادة صياغة النظام العالمي»الصادر سنة 1993. وفي كليهما أعاد تطوير ما كتبه منذ 1993، وقد رافقت مثل هذا التنظير تغطية اعلامية لم يحظ بها غيره، كانت كفيلة باعطاء أهمية كبيرة لمثل هذه الكتابات رغم حدود علميتها، فهي أبعد ما تكون عن مقتضيات العلم والحياد الأكاديمي أسسا ومنطلقات، وأدخل ما تكون في الأيديولوجيا السياسية والتغطية النظرية التي تقدّم كمادّة للاستهلاك اليومي لجمهور غربي يجهل في مجمله حقيقة الإسلام ومبادئه السّامية، ولا يرى فيه سوى التأثير المتنامي للإسلام الراديكالي عبر وسائل الإعلام والدعاية الموجّهة على اختلاف أشكالها، مع أنّ برنارد لويس كان أول من استعمل مفهوم صدام الحضارات عندما كتب سنة 1990 و1993 عن الصدام بين الإسلام والحداثة في الشرق الأوسط وهو صدام توقّع أنه سيؤدّي في النهاية إلى انتصار القيم الأمريكية وتفكّك دول الشرق الأوسط أو لبننتها باعتبارها دولا مفكّكة أص.لا أمّا ما يظهر من بعض الكيانات الحديثة فهي هشّة ومصطنعة وقابلة لإعادة التفكّك من جديد إلى حالات ما قبل الدولة، أو ما يعتبرها هنتنغتون بالنواة الحقيقية، أي العشيرة والقبيلة. ذاك هو الشرق الأوسط الجديد الذي نجده في تنظيرات كُتّاب اليمين الأمريكي المحافظ من أمثال برنارد لويس وصموئيل هنتنغتون ولوران موريفيتش وروبرت كاغان وغيرهم.. وجميعهم يتّفقون حول انتصار الأيديولوجيا الأمريكية ونهاية الوحدة العربية وايديولوجيتها القومية، إن لم يذهب بعضهم حدّ اعتبار انتهاء العالم الإسلامي ككيان سياسي.
هكذا اذن وجد هؤلاء في الإسلام الراديكالي عدوّا جديدا وما هو في الحقيقة إلّا أداة لتخريب المنطقة وإعادة تقسيمها واستنزاف ثرواتها، مثلما كان بالأمس أداة دفعت به الأجهزة المخابراتية الأمريكية والبريطانية إلى محاربة السوفييت بأن جعلته خطّا أماميا للمواجهة انهاء للحرب الباردة. ومن ثمّة البحث عن عدوّ جديد ولن يكون هذا العدوّ إلّا في مواضع إنتاج النفط والغاز ومصادر الطاقة عموما، وهو أمر بيّن منذ بدايات اشتعال الحروب في الشرق الأوسط عامة، كما في أفغانستان وجورجيا ومقدونيا والشيشان ويوغسلافيا وغيرها من بؤر التوتّر التي أشعلتها أمريكا واستخدمت الحركات الاسلامية المتطرّفة وباركت وجودها، ثمّ أعلنت أخيرا أنّها ستحارب الارهاب الإسلامي، وهي نكتة سمجة لم تعد تنطلي إلّا على من بلغ درجة عظيمة من الغباء الجيوسياسي.
وتسعد القوى الامبريالية اليوم عندما ترى ردود الأفعال التي تنتهي إلى العنف أو ما يعرف بالارهاب ومأتاها الحقد والكراهية والغضب المتنامي في الأوساط الإسلامية، التي انقلب بعضها على من علّمه الرماية ومثال ذلك أسامة بن لادن وهو الذي يُمثّل كما أبو بكر البغدادي عنوانا كبيرا لإفلاس المشرق العربي الإسلامي، فتلك هي الواجهة الأمامية التي تريدها الولايات المتحدة وتنتظرها منذ بدايات تنظير اليمين الأمريكي في التسعينيات ومثاله برنارد لويس الذي وجد في النخبة السياسية التي أهّلها اشرافا جيّدا على تنفيذ المخطّط الجيوستراتيجي من أجل كسب النفوذ في مناطق العالم، خاصة منها الشرق الأوسط للسيطرة على مصادر الطاقة واستعباد الشعوب وتهميشها جيلا بعد جيل.
إنّ عالم اليوم محكوم بالمصالح وهو ينشد هدفا واحدا هو العلوّ والهيمنة والسيطرة على المقدّرات، لذلك بحث الغرب عن إشعال الحرب الطائفية وخلق العداء للإسلام من داخله وإشغال العرب بعدوّ وهميّ اسمه إيران لدفعهم نحو نسيان العدوّ الحقيقي اسرائيل، والعرب في كلّ ذلك يسيرون كالدّواب المعصوبة الأعين إلى مصير مجهول.

كاتب تونسي

العملة الثقافية المزوّرة في سوق المعتقدات الراسخة

لطفي العبيدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية