في ذكرى انطلاقة الثورة المصرية المجيدة تحضر الذاكرة تلك الأيام العصيبة التي عاشتها مصر ومعها كل الأمة العربية من المحيط إلى الخليج، خاصةً أثناء عبورها لفترة المخاض العسير عندما كانت جموع الجماهير تواجه أجهزة القمع التي لم تتوان عن إطلاق العنان لعرباتها المصفحة لكي تشق طريقها فوق أجساد الشباب الثائر.
في هذه الذكرى المجيدة تفاجئونا صورة ميدان التحرير وتبعث على الريبة في نفوسنا ونحن نسمع الحناجر تنادي بإسقاط النظام المنتخب من قبل الشعب، لتفسد علينا مشاعر الفرح التي صاحبت سقوط النظام البائد الذي لم يترك فرصة لأي نظام سياسي آخر يصلح للمقارنة من حيث الفساد والرذالة والخيانة لشعبه ولأمته.
ننظر لميدان التحرير الذي احتشدت به هذه الألوف المؤلفة بِدفعٍ وتهييج من بعض القوى التي كانت بالأمس تطالب بالديمقراطية حتى بُحَّت حناجرها وهي تنادي للإستماع إلى صوت الشعب باعتباره مصدر السلطات الوحيد الذي من حقه هو أن يختار ممثليه في مجلس الشعب وأن يختار الرئيس.
إنه لمن دواعي الحيرة والدهشة أن تقوم بعض القوى بالحكم على القيادة الجديدة بالفشل بدعوى عدم رؤيتها لأي تحسن في الوضع الإقتصادي والإجتماعي مع علمها المسبق أن القيادة الجديدة ما زالت تتلمس الخطى وهي تحاول الإنتقال من حالة السقوط التي تعيشها مصر بسبب الفساد الممنهج الذي مارسه النظام السابق في كافة أجهزة الدولة.
أليس من العدل القول ان الإرث الذي تركه النظام الفاسد يستدعي القيام بجهود جبارة من أجل القيام بعملية الإحلال والإبدال للكوادر التي تجمع ما بين الكفاءة المهنية والأمانة في آن واحد لتحل محل الكوادر التي سخرت خبراتها ومهاراتها للإحتيال على القوانين وحتى استبدالها بقوانين أخرى تخدم مصالح النخبة المنتفعة من ثروة الأمة التي كان من المفترض أن تصب في أوردة الأمة وشرايينها التي نضبت بسبب عمليات السلب والنهب الممنهجة طوال عقود من الزمن.
لا أظن قيادات المعارضة تجهل حجم الدمار الذي أحدثه النظام البائد ولا أظنها تجهل الكم الهائل من الجهد والوقت المطلوبين من أجل إنجاز عملية التنظيف والتعقيم وإعادة التأهيل والترميم لكافة مفاصل الدولة الموبوئة بكافة أصناف الفايروسات التي زرعها النظام في نخاع الأمة عندما ألبس الفساد أقنعة مموهة لخداع الشعب وحتى خداع السلطة القضائية وأحياناً شراء بعض الذمم داخل موسستها العتيدة.
لا بد لكلمة الحق أن تجتاز الحناجر وتخرج هادرة مدوية بنفس القوة التي صدحت بها عندما خرجت إلى ميدان التحرير ولكن هذه المرة من قبل الشرفاء في صفوف المعارضة التي تنقسم اليوم إلى صفين لا ثالث لهما.
فهناك صف سلم لإرادة الشعب واحترمها وارتضى لنفسه الجلوس في المقاعد الخلفية من الساحة وبدأ يرصدها من أبعاد متعددة بقصد رؤيتها كمراقبٍ ناقدٍ بناء،همه مصلحة الوطن وجعل شغله الشاغل توجيه النصح والإرشاد للقيادة التي تمثل إرادة الشعب الذي اختارها عندما عبر عن إرادته الحرة وقام بإيداعها صناديق الإقتراع في عرسه الديمقراطي وههو يضع نفسه تحت تصرف القيادة الجديدة بدافع حبه للشعب الذي اختارها.هذا هو الصف الذي لم يتمكن من الوصول إلى غرفة القيادة في قاطرة الأمة فتحول بطاقته إلى الصف الخلفي ليقوم بعملية الدفع إلى الأمام عوضاً عن بذل الجهد من خلال السحب من المقدمة.
ولكننا نصاب بالدهشه ونحن نرى الصف الآخر يبدأ منذ اللحظة الأولى بإعلان الحرب على الفريق الفائز بالإنتخابات ويقوم بسلسلة من الفعاليات التي سعت في البداية للتشكيك بنتائجها ليقوم بالمطالبة بفرض إرادته وأجندته السياسية على القيادة المنتخبة التي يفترض أن تكون صاحبة الحق في تنفيذ برنامجها الذي فازت بموجبه في الإنتخابات من قبل الشعب الذي يمثل المصدر الوحيد للسلطات.الأغرب من ذلك كله هو عدم تردد بعض القيادات في المعارضه بالإستقواء بالدول الغربية ومطالبتها بممارسة الضغط على السلطة الشرعية في سعيها لإسقاطها وإفشال تجربتها الوليدة. ومع أن هذه القيادة قد وافقت على التنازل عن حقائب وزارية تخصها لصالح المعارضة من أجل احتواء احتجاجاتها المفتعلة إلا أنها استمرت في مطالبها التعجيزية التي تمثلت في محاولتها لتجريد الرئيس من الكثير من الصلاحيات من أجل تحميله مسؤولية الإخفاقات التى سعت لإيصال البلاد إليها بقصد حرق كافة أوراق هذه السلطة أمام الشعب الذي انتخبها.
هكذا وبعد إدخال البلاد في هذه الوضعية المشلولة بلا سلطة تشريعية وبلا مؤسسات سيادية قادرة على تنفيذ المشاريع فإنها تقوم اليوم بالمطالبة بإجراء انتخابات مبكرة لإسقاط الرئيس مستغلة حالة الإنهاك والإعياء التي أوصلت إليها البلاد نقول وبكل صراحة ان كثير من هذه القوى مستعدة للتحالف مع شياطين فلول النظام السابق ومع شياطين الغرب من أجل الوصول إلى السلطة بأي وسيلة كانت مع علمها المسبق أن القفز على الشرعية سيفقد الديمقراطية المصرية مصداقيتها وسيؤدي إلى إدخال مصر في نفق مزدحمٍ بالألغام التي ستطيح تداعيات انفجاراتها بمشروع الربيع العربي برمته ولن تتوقف عند حدود فترة انتخابية واحده لبلد واحد لأن مصر تشكل التجربة الحقيقية للأمة وستنسحب نتيجتها على كافة شعوب المنطقة التي انتظرت طويلاً في مخاضٍ عسير من أجل رؤية جنينها الذي يسعى الكثيرون من أجل وأده قبل أن يرى النور.
زياد علان العينبوسي- نيويورك
،[email protected]،