المناخ التشاؤمي صناعة حكومية بامتياز… والمواطن فريسة سهلة للمحتكرين والفاسدين والغلاء المجنون

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: كان الموضوع الرئيسي في الصحف الصادرة أمس الثلاثاء 27 سبتمبر/أيلول عن افتتاح الرئيس عبد الفتاح السيسي مشروع بشائر الخير رقم واحد، للقضاء على المناطق العشوائية في الإسكندرية بدءا من منطقة غيط العنب، ويشمل المشروع أربعا وثلاثين عمارة تحتوي على ألف وستمئة واثنين وثلاثين شقة، مزودة بالأثاث والأجهزة الكهربائية، والعمارات مزودة بالمصاعد أيضا، وبورش صغيرة ومستشفى أطلق عليه اسم جمال حماد، يتكون من أربعة طوابق.
والمرحوم جمال حماد كان من تنظيم الضباط الأحرار ومؤرخا سياسيا وعسكريا وتولى عدة مناصب، ولا أعرف إن كان هو نفسه أم أن هناك جمال حماد آخر. وذكر الرئيس في كلمة له أن ميزانية الدولة لم تتحمل جنيها واحدا في هذا المشروع، وأن الجهات التي صرفت عليه هي الجيش والبنك الأهلي ورجال الأعمال ومنظمات المجتمع المدني. وتناول الرئيس ومعه القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول صدقي صبحي طعام الإفطار تلبية لدعوة أسرة استفادت من المشروع، وقالت ربة البيت الحاجة نادية إنها لم تتخيل أن يلبي الرئيس الدعوة وفوجئت بموافقته وأن الإفطار كلف الأسرة عشرين جنيها، ثمن الفول والفلافل والجبنة الرومي و»العيش البلدي». ويبدو وربكم الأعلم أن الرئيس فعلها استجابة لما قاله أحد لواءات الجيش في مقال له منذ أشهر في مجلة «المصور» بأن على الرئيس حتى يدعم شعبيته أن يقلد عبد الناصر في النزول للناس والعيش وسطهم وتناوله الطعام معهم وشرب الماء من «القلة».
واهتمت الأغلبية التي تعاني من ارتفاعات الأسعار بفقرات معينة من كلمة الرئيس مثل: «خلال شهرين السلع سيتم خفضها نتيجة زيادة المعروض والسيطرة عليها مرة أخرى بغض النظر عن سعر الدولار. هذا التزام من الحكومة للشعب، أنا متابع مشكلة الأسعار لأننا منكم مش بعاد، وخلوا بالكم أن الموضوع مش زي ما هو، فقط أن التجار طمعانة قوي مش كدة بس لازم نعترف خلال الخمس سنوات الماضية زاد حجم الأموال في أيدي المواطنين مئتي مليار جنيه عما كان سابقا، وزودنا مرتبات الحكومة مئة وخمسين مليار جنيه سنويا، والقيمة الإجمالية للمعاشات ثلاثة وخمسين مليار جنيه، كل ذلك أدى إلى قدرة شراء لم تقابلها زيادة عرض. وأن الدول المتقدمة قامت بعمل آليات مستفزة لضبط أسواقها في كل شيء وليس الأسعار فقط».
والعبارة الأخيرة موجهة للدول الأوروبية وأمريكا والبنك وصندوق النقد الدولي بأن النظام سوف يستمر في سياساته لزيادة حجم تواجد الدولة في الاقتصاد بكل فروعه، من امتلاك المصانع وإنتاج السلع كلها وبيعها في المجمعات الاستهلاكية ومنافذ الجيش ووزارتي التموين والزراعة، بما يشبه العودة من دون إعلان إلى سياسات عبد الناصر، مع تعديلات فيها مثل تشجيع واسع للاستثمارات الأجنبية، خاصة أن الدكتور أشرف الشرقاوي وزير قطاع الأعمال العام أعلن منذ أربعة أيام أن شركات القطاع العام حققت أرباحا هذا العام بلغت أربعمئة واثنين وثمانين مليون جنيه، مقابل خسارة العام الماضي التي بلغت ثلاثمئة وأربعة وعشرين مليون جنيه، بالإضافة إلى إعادة تشغيل مصنع الحديد والصلب وشركة النصر لصناعة السيارات في حلوان وتطوير شركات النسيج المملوكة للدولة والتوسع في إنشاء المصانع المملوكة للقطاع العام والجيش أيضا. ورغم كل هذه التأكيدات فقد نشرت «الأهرام» الحكومية رسما كاريكاتيرا لزميلنا وصديقنا الرسام الموهوب جمعة فرحات عن مواطن هزيل الجسم وعار تماما إلا من سروال مرقع وطلبوا منه رفع أثقال عن الأسعار، بعد أن أضافوا إليها أثقالا أخرى بسبب القيمة المضافة.
واهتمت الصحف المصرية كذلك بالذكرى السادسة والأربعين لوفاة خالد الذكر. كما أهتم كتاب آخرون باغتيال الكاتب الأردني وتوزعت الاهتمامات بعد ذلك على الأخبار التي تهم مصالح كل فئة من علاقات مع روسيا واستيراد القمح منها ورفعها الحظر عن الخضراوات والفواكة المصرية، إلى توقع عودة السياحة ومتابعة قليلة عن تطورات غرق المركب «موكب الرسول».
وإلى شيء من أشياء كثيرة لدينا..

ذكرى
وفاة عبد الناصر

تحل اليوم الأربعاء الذكرى السادسة والأربعون لوفاة الزعيم خالد الذكر جمال عبد الناصر، وبهذه المناسبة أعدت مجلة «الاذاعة والتلفزيون» ملفا أعده زميلنا محمود مطر أحد نواب التنفيذ في المجلة اشتمل على عدة أحاديث وموضوعات. منها حديث على صفحتين مع المؤرخ الدكتور عاصم الدسوقي الأستاذ في جامعة حلوان أجراه معه زميلنا مسعد جلال قال فيه ردا على سؤال حول سبب انحياز عبد الناصر للفقراء هل لأنه كان فقيرا؟: «على العكس تماما عبد الناصر كان ضابطا في الجيش ومتزوج ولديه سيارة خاصة ولم يكن وأقرانه من الضباط الأحرار في حاجة إلى القيام بثورة بغرض الحصول على المال، ولكنه ثار على النظام الملكي وللقضاء على الفقر المدقع الذي كانت تئن فيه جموع الشعب المصري، وهذا ما ظهر جليا في جميع القرارات التي اتخذها عقب ثورة 23 يوليو/تموز وقد كان يرتدي بدلة واحدة في جميع المراسم الرسمية وقد اعترض مسؤولو المراسم على هذا الأمر، فما كان منه إلا أن قام بتفصيل بدلتين من اللون نفسه خصصهما للظهور في المناسبات واللقاءات الرسمية. وفي الصيف كان يرتدي البدل السفاري التي كانت موضة في ذلك الوقت. عبد الناصر كان حريصا على تركيب نعل لحذائه بدلا من شراء آخر جديد وقدوته في ذلك والده، لم يغتر عبد الناصر بالحياة أو بالمنصب. الحياة قبل ثورة 1952 كانت قاسية إلى أبعد مدى، لدرجة أن الفلاح لم يكن قادرا على ارتداء «القبقاب» الخشب، ولم يكن يرتدي الحذاء سوى الطبقات ميسورة الحال. الجميع كانوا يسيرون في الشوارع حفاة وعندما تولى الرئيس عبد الناصر الحكم أصدار قرارا بتخفيض أسعار الأحذية لتكون في متناول الفئات المعدمة والفقيرة، وبتوجيه رئاسي كان سعر الحذاء لا يتعدي 99 قرشا، والصندل أقل من ذلك بكثير. ومن ناحية أخرى أولى اهتماما بصناعة الغزل والنسيج لتغطي احتياجات السوق المحلية بأقل التكاليف، خاصة أن الفلاحين كانوا يعانون مر المعاناة من عدم القدرة على شراء المنتجات الأجنبية، وكان أكثر من 90٪ من الشعب لا يملكون ثمن شراء جلباب جديد إلا مرة كل عام، وقد جاء اهتمام عبد الناصر بالتوسع في صناعة الغزل والنسيج ليعكس مدى إحساسه بحجم المعاناة التي تعيشها جموع الشعب المصري آنذاك».

محاربة الحفاء

«وحكاية تركيب عبد الناصر نعلا لحذائه بدلا من شراء حذاء جديد ليست فريدة من نوعها، لأن الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة كان يفعلها كلما ذهب إلى بلدته المنستير وقد رواها لنا زميلنا في «الأهرام» كارم يحيى في تحقيق له عن تونس منذ حوالي عام، حيث كان يرسل سكرتيره بأحذيته إلى محل في المدينة لتركيب نعال لها، والواقعة ذكرها صاحب المحل في المدينة لكارم والمعروف أن بورقيبة توفي ولم يترك ثروة. وعبد الناصر لم يترك لأولاده سوى سيارته الأوستن التي اشتراها عندما كان ضابطا، لا شقة ولا فيلا أو قصرا. وبالنسبة لمشروع مقاومة الحفاء فقد ظهرت هذه الدعوة قبل ثورة يوليو/تموز، لمواجهة ظاهرة الأعداد الكبيرة من المصريين الذين كانوا يسيرون حفاة أو بالقباقيب الخشبية، وكانت صناعة القباقيب منتشرة وقتها، وعندما قامت الثورة قاومت هذه الظاهرة بإجراءات عملية فبدأت بتكليف محلات باتا بإنتاج «شباشب» بلاستيك أطلق عليها اسم «زنوبة». وأذكر وقتها أن سعر الزنوبة كان خمسة قروش، وإنتاج صنادل بلاستيك، وكان سعر الصندل يتراوح من عشرة إلى خمسة عشر قرشا، والحذاء بسعر ثلاثين قرشا، وكان طلاب المدارس يقبلون عليه لمتانته. وتم إنشاء جمعية تعاونية لأصحاب الورش الصغيرة لصناعة الأحذية حيث كان أصحاب المحلات الكبرى يشترونها منهم بأسعار رخيصة جدا، وكان المقر الرئيسي لهذه الجمعية في منطقة الكحكين المتفرعة من شارع المعز لدين الله الفاطمي في منطقة الأزهر، وكانت تبيع إنتاجها بأسعار في متناول الفقراء وتحقق ربحا معقولا في الوقت نفسه. أما السعر الذي ذكره الدكتور عاصم لسعر الحذاء وقتها بأنه كان تسعة وتسعين قرشا فلم يكن من إنتاج الجمعيات، وإنما كان يبيعه محل خاص في شارع 26 يوليو (الملك فؤاد سابقا) اسمه كايزك بجوار محل البن البرازيلي الشهير وقتها الذي كان متخصصا في تقديم القهوة البرازيلي قبل تقاطع الشارع مع شارع عدلي بأمتار قليلة، وكان الحذاء فاخرا ولجأ صاحب المحل إلى البيع بهذا السعر الغالي وقتها حتى لا يصل به إلى الجنيه لإقناع المشتري بتوفير قرش صاغ إلى عشرة مليمات. أما أسعار الأقمشة الرخيصة فقد كانت تتم وفق سياسة تكليف المصانع ما دامت تحقق ربحا من بيع الأقمشة الغالية، وكان من بينها صوف الهيلد الإنكليزي المستخدم من جانب القادرين في صناعة البدل والعباءات من إنتاج أقمشة مدعومة للفقراء».

حلاق عبد الناصر

كما نشرت مجلة «الإذاعة والتلفزيون» في العدد نفسه حديثا مع محمد أحمد عبد الخالق ابن حلاق عبد الناصر على صفحتين أجرته معه زميلتنا الجميلة إيناس مرشد ومما قاله عن والده ومحله:
«والدي كان له صالون حلاقة في شارع التحرير في ميدان الفلكي قبل أن يشتري صالونه الحالي في هذه المنطقة في ميدان الفلكي، لكن الرئيس عبد الناصر لم يكن يأتي للصالون للحلاقة، فكان والدي يذهب إليه في قصر الرئاسة ليحلق له. واللواء فاروق أبو زيد ذكر لي في إحدى المرات أنه كتب عن والدي والرئيس جمال عبد الناصر في مذكراته، لكن عبد الناصر كان يحلق عند والدي قبل أن يصبح رئيسا للجمهورية. والدي لم يطلب أبدا أي شيء من الرئيس جمال عبد الناصر ما عدا مرة واحدة في الستينيات كانت التليفونات قليلة ووالدي كان قد قدم على تليفون وظل منتظرا أحد عشر عاما حتى أصبح عنده تليفون، والرئيس عبد الناصر لم يكن يحب الواسطة وكانوا يتصلون بـ«الدمياطي» لطلب والدي للحلاقة للرئيس لأنه لم يكن يمتلك تليفونا. الرئيس عبد الناصر كان يعرف أن والدي مثل القطار لا يعرف إلا عمله فقط، فأراد أن يجعله يقضي وقتا جميلا ويفسحه من دون أن يعلم. ففي إحدى المرات سافر عبد الناصر إلى الإسكندرية وأخذ معه والدي، وكان الرئيس يجلس في مبنى المخابرات وظل والدي معه ينتظر أن يحلق له، لكن عبد الناصر قال له مش هاحلق، فطلب والدي العودة إلى القاهرة بعد أن جعله الرئيس يقضي ثلاثة أيام في الإسكندرية إجازة وترفيها عن نفسه. كان يشعر بالآخرين وكان يهمه المواطن البسيط والفقراء، كان يحلق في المكتب وأحيانا كثيرة يكون هناك أشخاص كثيرين جالسين وكان الرئيس عبد الناصر يمزح معهم قائلا: ما تقوموا تحلقوا وأغلبهم أعضاء مجلس قيادة الثورة مثل زكريا وخالد محيي الدين وأنور السادات».

كان يا ما كان

«والدمياطي هو محل الفول والطعمية الشهير في العمارة نفسها وأنا أعرف والده المرحوم أحمد عبد الخالق وكان رجلا ودودا وبشوشا وفي غاية الأدب والتواضع، وكنت أحلق عنده في بعض المرات عندما كنت اتواجد في مقهى رشاد لتدخين الشيشة، حيث كان المقهى ملتقى لعدد كبير من الصحافيين والفنانين، كان أشهرهم الفنان وحيد سيف. ويقع المقهى في عمارة الفلكي الضخمة وبجواره مقهى شهير آخر اسمه سوق الحميدية كان ملتقى للفنانين والكتاب الذين لا يدخنون الشيشة. ويقع محل الحلاقة في الممر المؤدي إلى باب العمارة، وكانت تشتهر باسم عمارة التابعي الدمياطي لوجود مطعم ضخم للفول والطعمية لرجل من دمياط، اشتهر ببيع الفول المهروس، وكان له زبائن كثيرون لا يخلو منهم المحل نهارا ولا ليلا، وقد اشترى المحل صاحب سلسلة مطاعم اسمه جاد من الإسكندرية وحوله لبيع أطعمة أخرى. كما كان للتابعي الدمياطي محل آخر شهير في أول شارع أحمد عرابي بعد تقاطعه مع شارع رمسيس واشتهرت العمارة الضخمة التي يقع فيها باسم عمارة التابعي الدمياطي، وبعدها مباشرة بعدة أمتار كان يقع أشهر مقهى في القاهرة وقتها واسمه «قهوة أم كلثوم» يتكون من طابقين الأول يذيع على مدار اليوم نهارا وليلا أغاني كوكب الشرق أم كلثوم ويقصده المغرمون بها، ولا أعرف مصير المطعم والمقهى لأنني لم أمر منذ سنوات طويلة في المنطقة، وهكذا ذكرنا محمد أحمد عبد الخالق بالذي مضى اييه .. اييه أيام فبارك الله لنا فيه».

حصن الأمان في العيش الكريم

وفي اليوم التالي الأحد وفي صحيفة «البوابة» اليومية المستقلة استرجع زميلنا محمد عبد اللطيف ذكريات أخرى جميلة لا تزال محفورة في وجدانه قال عنها: «كنت وأقراني لا نعرف شيئا عن جمال عبدالناصر الذي رحل ليلة 28 سبتمبر/أيلول، من هو؟ ماذا يعمل؟ كما أننا لا نعرف سببا للحزن الشديد، هل هو قريب لأحد في بلدتنا؟ أم أنه شيخ صوفي ينعاه مرتادو حلقات الذكر. فالعالم بالنسبة لنا وقتها يبدأ من الدروب الضيقة الفقيرة وينتهى عندها، فقط كنا نسمع اسمه يتردد بين الصبية والشباب الأكبر منا سنا أثناء التبارى بينهم، سواء في رفع حجر كبير أو عبور الترعة تحت سطح الماء، أو قطع مسافة جريا في سباق مبهر، أو أن أحدهم يتحدى الآخر للمبارزة في ألعاب تشبه المصارعة، غالبا ما كانت تنتهى بالمشاجرات بينهما. كانوا يقولون لبعضهم بعضا «اللي أبوه جمال عبدالناصر يرفع الحجر مرة واحدة من على الأرض» أو «اللي أبوه جمال عبدالناصر يسبق الآخر في الجري». كنت في تلك السنوات البعيدة لا أدرك دلالات «حشر» اسمه في منافسات الصبية والشباب بطريقة توحى بالبطولة والقوة، فقط كل ما أعرفه أن الحزن خيم على وجوه الناس في بلدتي، بكاه الرجال بالدموع كالأطفال، أما النساء فلطمن الخدود واتشحن بالسواد كأن من مات هو الأب أو الأخ أو الزوج أو الابن أو قريب له مكانة لدى ذويه، ولمَ لا فهو بالنسبة للبسطاء حصن الأمان في العيش الكريم وتعليم أبناء الفقراء ممن كانوا أجراء عرفوا العلاج المجاني والتوظيف في الميري. عندما كبرنا وزحفت بنا سنوات العمر نحو الشباب عرفت لماذا سكن القلوب وأدركت أن جنازاته الرمزية في أرجاء البلاد من الصعيد إلى الدلتا لم تكن لتشييع ميت إلى قبره، بل كان السائرون خلف النعوش يزفون زعيما إلى عرشه في نفوس المخلصين من أبناء هذا الشعب في مشهد لم يعرفه العالم من قبله وربما لن يعرفه من بعده».

بيانات وزارية تثير التهكم

ومن بين القضايا التي أهتم بها عدد من الكتاب والصحافيين هو إعلان وزارة الداخلية أنها قبضت على خلية إخوانية تعمل على نشر روح التشاؤم والإحباط ما دفع هؤلاء الكتاب والصحافيين إلى السخرية من هذا الاتهام . ففي يوم الاثنين هاجم زميلنا وصديقنا عماد الدين حسين رئيس تحرير «الشروق» وهو من خصوم الإخوان أيضا بيان وزارة الداخلية وقال عنه في عموده اليومي «علامة تعجب»: « أصدرت وزارة الداخلية بيانا قالت فيه إنها أحبطت مخططا إخوانيا «يهدف لضرب الاقتصاد والسعي إلى خلق مناخ تشاؤمي عن طريق اصطناع الأزمات واستغلال مشكلة الدولار بدعوى فشل الدولة في تنفيذ خطط التنمية». لو جاز لي الاقتراح وإسداء النصح لطلبت من وزارة الداخلية أن تتوقف فورا عن إصدار مثل هذه البيانات التي تجعل الناس تتهكم عليها بدلا من أن تسخط على الإخوان. لا يصح بحال من الأحوال أن يتم اتهام فصيل سياسي أو إرهابي بأنه يسعى إلى إيجاد مناخ تشاؤمي. كان يمكن لوزارة الداخلية أن تتهم من تم القبض عليهم بأنهم يحوزون سلاحا غير مرخص «فرد خرطوش محلي الصنع» وعدة طلقات أو عقد لقاء تنظيمي لجماعة غير شرعية أو ضبط بعض المطلوبين للأمن، كل ما سبق تهم وردت في البيان ولو أنه اكتفى بها لمر الأمر مرور الكرام مثلما يحدث في الاتهامات الموجهة للتنظيمات الإخوانية التى يتم إلقاء القبض عليها بصورة شبه دورية. هل يعقل أن يتهم بيان لوزارة الداخلية تنظيم الإخوان أو أي تنظيم معارض آخر بأنه يحاول إيجاد مناخ تشاؤمي؟ أولا: هل هناك تهمة قانونية بهذا التوصيف نفسه؟ نتمنى أن تكون بيانات كل الوزارات والهيئات هادئة واضحة ومحددة ومنضبطة ودقيقة، وقابلة للقياس، حتى لا يتم استخدامها للسخرية والتريقة ضدها، على مواقع التواصل الاجتماعي، وتعود بعدها الحكومة لتشكو وتتهم الجميع بأنه يعمل ضدها. نرجوكم أضبطوا مصطلحاتكم وكلماتكم وبياناتكم..».

إلى أين يسير البلد؟

وفي «المقال» سخر زميلنا عمرو بدر من الاتهام قائلا: «الأزمة الحقيقية أن هناك في داخل النظام من يحاول اختلاق اتهامات عبثية مثيرة للسخرية، فالحقيقة أن الغالبية من المصريين يعيشون في مناخ تشاؤم وإحباط دون الحاجة إلى خلية إخوانية تنشر التشاؤم أو تشكك في ما تعتبره السلطة إنجازات عظيمة، بل نستطيع القول إن الغالبية العظمى في مصر يسيطر عليها التشاؤم من المسار والمصير الذي تسير فيه وإليه البلد، حتى أنصار الرئيس والسلطة القائمة، ما الذي يحتاج إليه المصريون حتى يسيطر عليهم التشاؤم أكثر من وصول سعر الدولار إلى أكثر من اثني عشر جنيها وعدم وجوده أصلا ؟ ما الذي يدعو إلى التفاؤل وسط حالة من الغلاء المجنون لم تحدث من قبل».

إبداع الداخلية ما أنزل الله به من سلطان

أما زميله الإخواني السابق سامح عيد فقال: «منطقي أن تقبض الداخلية على اجتماع لخلية تنظيمية لجماعة الإخوان المسلمين، خصوصا أن الكثيرين خرجوا من السجون، وأن التنظيم يعيد تنظيم صفوفه من جديد، وجمع المبعثرين من أعضائه هنا وهناك، ويعيد ترتيب أوراقه للمستقبل، وهو في حالة هدنة مع النظام، فكثير من المحافظات هادئة في اتفاق ضمني كلما كانت المحافظة هادئة خفت الملاحقات الأمنية وتخفيف حدة التعامل داخل السجون الخاصة بتلك المحافظات، وزيارات أكثر أريحية وفسح مجال أكثر اتساعا والسماح بدرجة أو بأخرى باستخدام وسائل الاتصال وهكذا، ولكن لا مانع بين الحين والآخر إذا وصل إلى سمع الأجهزة الأمنية اجتماع تنظيمي مهم أن تلاحقه حتى لا تشعر الجماعة بمزيد من الاطمئنان والأريحية كل هذا كوم وبيان الداخلية كوم تاني سمعنا كثيرا عن التهم المطاطة قبل تكدير السلم العام وتكدير السلام الاجتماعي، ولكن الداخلية يبدو أنها احبت أن تبدع وتجدد فجاءت بتهم ما أنزل الله بها من سلطان».

قوات مكافحة التشاؤم

أما في «المصري اليوم» فكتب سعيد السني رأيه في بيان الداخلية قائلا: «على الصفحة الرسمية لها في موقع «فيسبوك»، زفت إلينا «وزارة الداخلية» نبأ النصر العظيم الذي أحرزته قواتها المتخصصة في «مكافحة التشاؤم»، بإحباط مخطط إخواني لـ«خلق مناخ تشاؤمي» بطول البلاد وعرضها.. الوزارة في بيان منشور على الصفحة مساء السبت الماضي، أعلنت عن سقوط «خلية إخوانية» تضم 16 عنصرا، وبحوزتهم آلاف الدولارات والجنيهات، وفرد خرطوش وعدة طلقات، وأن «الخلية» مكلفة باصطناع وتصعيد الأزمات لهذا الغرض التشاؤمي، وبثت «الداخلية» فيديو لاعترافات المتهمين.. الزميل محمود عبدالراضي، استناداً لمصادر أمنية مُطّلِعة زاد الأمر تفصيلاً، في تقرير له نشرته «اليوم السابع»، بأن التنظيم الإرهابي تلقى تكليفات لإشعال أزمة الدولار، وخلق أزمات في الوقود، وكروت الشحن، والتشكيك في مشروعات قناة السويس الجديدة والعاصمة الإدارية، واستغلال غرق مركب رشيد ترويجاً لفكرة هروب الضحايا من الفقر والبطالة، ونشر الشائعات عن إلغاء الدعم نهائياً عن السلع، لدفع المواطنين للوقوف ضد الإصلاح الاقتصادي، وبالجملة إشاعة وتصدير مشاهد التشاؤم عبر مواقع التواصل الاجتماعي… المشكلة أن تهمة «خلق مناخ تشاؤمي»، وردت في «بيان إعلامي رسمي» صادر عن وزارة الداخلية ذاتها، والمفترض أنها غنية بالكفاءات.. فكيف يتم تمرير هذا «التلفيق السياسي» الذي لا يجوز ولا يليق، بل هو دليل إفلاس وخواء مهني ومُسيء إلى «الداخلية» المثقلة بحمولة زائدة من «الأخطاء الفردية»، ولا ينقصها مثل هذه السقطات.. فقد تحول «المناخ التشاؤمي» إلى مادة ثرية للسخرية والاستهزاء من الجهاز الشرطي، والتندر والتنكيت عليه في مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما كانت «الداخلية» في غني عنه، لو أن رجالها في الديوان العام اهتموا بتدقيق البيان ومضمونه وضبط عباراته، ومن ثم توصيف الاتهام بشكل صحيح قانوناً.. نقطة أخرى جديرة بالتوقف عندها.. فمن الإنصاف، أنه لا الإخوان ولا غيرهم يستطيعون خلق «مناخ تشاؤمي» من العدم.. فهذا المناخ هو صناعة حكومية بالأساس، إذ إن كل هذه المشكلات التي وردت حصراً في بيان الداخلية وتقرير «اليوم السابع»، هي «أزمات حقيقية» يعاني منها المواطن، وهي تثير السخط والغضب، وتبعث على التشاؤم من دون أدنى جدال، وهي نتاج لفشل حكومي صارخ، وتخبط ممتد إلى كافة المجالات تقريباً.. فقد كنا ننتظر أن «تكون مصر أد الدنيا» بعد عامين من انتخاب الرئيس.. فإذا بها مجرد «شبه دولة».. ثم هل الإخوان هم الذين ذهبوا لصندوق النقد الدولي ومنحوه حق الوصاية وإملاء شروط قاسية علينا، مثل إلغاء الدعم وفرض ضريبة القيمة المضافة وتعويم الجنيه، وغيرها من الشروط، بما ترتب عليها من انفلات للأسعار.. أم هي الحكومة..إننا نتآمر على أنفسنا، ولا يحتاج الإخوان لخلق «مناخ تشاؤمي».. فهذا المناخ مصنوع بأياد حكومية تواصل يومياً فرض الرسوم والضرائب بالقانون، ومن دونه، وتترك المواطن فريسة سهلة وغنيمة للمحتكرين والفاسدين والغلاء المتوحش..».

لم تصبح مصر مثل سوريا
ولكننا أصبحنا مثل السوريين!

ونبقى في «المصري اليوم» ولكن ننتقل إلى موضوع آخر إذ كتب لنا الدكتور مصطفى النجار مقالا عن ضحايا مركب الرشيد قائلا: « كل حاجة غليت حولنا نعدل حياتنا.. هذا ما قالوه عقب انتشال الأحياء منهم في مأساة مركب رشيد، لم يجدوا هنا الحياة فبحثوا عنها عبر الموت، ضاقت بهم الأرض بما رحبت وظنوا أنه لا منجى سوى بالخروج من هذا الوطن القاسي الذي لا يؤلمه صراخهم وعناؤهم، لم يلتفتوا لمن يبشرونهم بالأوهام ولم يصدقوا من يقولون لهم إن غدا سيكون أفضل، فقدوا الأمل في الغد، قست قلوبهم على أنفسهم وأبنائهم وزوجاتهم وقالوا فلنركب البحر لتحملنا أمواجه لأرض الخلاص أو لتلتهمنا قروشه وتقتلنا أمواجه العاتية. تخيل نفسك مكان هذا الرجل الذي اصطحب أبناءه وزوجته فى هذه المهلكة الرهيبة وكيف وافقوه في ذلك؟ لقد ترسخ في قلوبهم أنهم سيموتون جوعا إذا استمروا هنا، فليخاطروا بحياتهم طالما أن هذه المخاطرة قد يكون فيها بصيص من الأمل، قالوا لأنفسهم لا فارق بين أن نموت في البر أو البحر! كتبوا بالموت رسالة دامية تلعن من قتلوا الأمل فيهم وتلعن من سرقوا أقواتهم ونهبوا ثرواتهم وقالوا لهم عيشوا بفقركم وذلتكم أفضل لكم من أن تكونوا مثل اللاجئين السوريين، ها هم يقولون لنا نحن اللاجئون المصريون في مصر، لم تصبح مصر مثل سوريا ولكننا أصبحنا مثل السوريين في بؤسهم وتفضيلهم للموت عن البقاء في وطن سيموتون فيه بطرق مختلفة. لم نعلن لأجلهم الحداد فهم في نظرنا مجرمين وليسوا ضحايا مساكين، هم ليسوا ملوكا ولا سلاطين ولا ينتمون لطائفة من الطوائف المميزة في بلادنا، هم مصريون وهذا ذنبهم! نحن لم نخلق لهم الأمل فاختاروا هذا الخيار الكارثي، رحماك يا رب العباد بأهل هذا البلد، يا رب اغفر لهم وسامحهم وسامحنا، يا رب أكتب لنا ميلادا جديدا لا يفضل فيه أهلنا الموت على البقاء بوطنهم.. عارفة سواد العسل؟ أهو ده اللي حالك ليه وصل، إزاى قوليلي مكملة؟ وكل ده فيكي حصل؟ يا بلد معاندة نفسها يا كل حاجة وعكسها إزاي وأنا صبري انتهى؟ لسه باشوف فيكي أمل؟».

لم يجدوا أملا يغريهم في البقاء

وننتقل إلى «الشروق» لنقرأ مقال الكاتب فهمي هويدي عن موضوع غرق المركب رشيد ومما جاء فيه: « صورة الناجين من كارثة السفينة المصرية الغارقة حافلة بالدلالات والإشارات. غرقت السفينة التي حملت أكثر من 450 شخصا قبالة مدينة رشيد على الساحل المصري، في حين كانت حلب تحترق، وتعز تذبح، وليبيا تنتحر، وكأن عالمنا العربي المجنون في سباق على الموت. اختلفت الأسباب والأقطار وظل الموت واحدا. فتساوى الذين قتلهم الصراع السياسي مع الذين قتلهم الهرب من الفقر والقهر، لكن الصورة المصرية أفصحت عن بعض التفاصيل المميزة. فالأغلبية الساحقة من الشباب دون العشرين، الذين أداروا ظهورهم لنا وقرروا المغامرة والرحيل في «عام الشباب». لم يصدقوا ما قيل ولم يجدوا أملا يغريهم في البقاء، ثم إنهم جميعا كانوا من الفقراء الذين استدانوا وحرروا إيصالات «الأمانة» بعدما باع أهلوهم ما يملكون لتدبير نفقات المغامرة. عشرات قدموا من مختلف المحافظات من الغربية والدقهلية والبحيرة وأسيوط والفيوم.. إلخ. كأننا بصدد «منتخب» يمثل شباب مصر. وراء كل واحد منهم قصة مكررة، ظل اليأس والفقر قاسما مشتركا بينها. أغلبهم خاض المغامرة للمرة الأولى، ومنهم من عاودها. إذ فشلوا في مرات سابقة ثم عادوا أو أعيدوا إلى مصر، إلا أن واقع الفقر ظل أقوى من أن يحتمل، كانوا يعرفون الكثير عن حجم المغامرة ومآلاتها، لكنهم أدركوا أن كل تلك المآلات من السجن أو التشرد والموت أهون من الواقع الذي صاروا إليه. فلا احتملوا عذاب البقاء ولا وجدوا أفقا يمنحهم أملا في المستقبل».

المناخ التشاؤمي صناعة حكومية بامتياز… والمواطن فريسة سهلة للمحتكرين والفاسدين والغلاء المجنون

حسنين كروم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية