حل الأزمة المصرية على الطريقة التركية

حجم الخط
0

على ما يبدو مفروض علينا بين الحين والآخر النظر لمختلف جوانب التجربة التركية، ليكتشف الواحد منا مسار هذا البلد نحو الاستقرار والتقدم. حتى وقت قريب كان صعود وإدارة حزب العدالة والتنمية لتركيا محط انتباه من قبل كافة القوى السياسية بمناطق متعددة من العالم، وبالتحديد العربي، خاصة في ما يتعلق بعلاقة الحزب مع القوى الأخرى الفاعلة، بغض النظر عن مرجعيتها الأيديولوجية، وكذلك في العلاقة مع المواطن، كان هذا أو لم يكن ذا ميول ايديولوجية معينة، ومع الجيش، الذي كان ومازال يلعب دورا خاصا في قضايا البلاد الاساسية.
أهم إنجاز قام به أردوغان وحزبه يكمن في إدارة علاقاتهما بكفاءة مشهود لها، فلم يحاولا فرض اجندة خاصة بشكل قسري أو استقصائي، بل تركا مجرى أمور الشارع ومعظم مؤسسات العامة في أيدي شخصيات محايدة ومستقلة عن الحزب، حتى لا يخلقا انطباعا بأنهما يفرضان سياسة شمولية على مراكز الدولة. فعلا ذلك انطلاقاً من يقينهما بأن الشعب التركي بلغ حالة من النضج العام. لقد حاول أردوغان بقدر المستطاع تجنب ذلك وأبعاد الحزب وايديولوجيتة الخاصة عن مراكز السلطة، حتى لا يتم الخلط بينهم. لقد كان الرجل على دارية بأن قسما كبيرا من مختلف مكونات الشعب والقوى السياسية سوف تستغل أي محاولة من أجل زعزعة استقرار البلاد، وبالتالي شرعية حكمه.
ما حدث من مظاهرات في ‘ساحة تقسيم’ كان انذارا مسبقا لأي محاولة في هذا الشأن، وقد رفع هذا الانذار نتيجة وجود ريب وخوف عند بعض القوى التركية الرافضة لأي محاولة هيمنة مبطنة للدولة من قبل مجموعة أو فكر معين. لقد حركت هذا القوى ما حركته وأنزلت الشباب، بالتحديد من يعتقدون أن هنالك نوعا من عدم التجاذب بين تحديث الدولة واجندة الحزب الإسلامية، للساحات العامة فقط لإيصال هذا الانذار بشكل سريع ومباشر لحكومة أردوغان وحزبه، الذي فهم الرسالة واستعجل بحل الأمر، من خلال تأكيده حسب تعددية الدولة، حيادية مؤسساتها العامة، للحفاظ على طابعها العلماني وعدم نية حزبه فرض أجندة خاصة على العامة. وكدليل على عدم نيته احداث تغيير في ما هو ثابت وما يمكن التوافق عليه، تراجع أردوغان عن إجراء تغيير معماري غير متفق عليه في ‘ساحة تقسيم’، وبهذا أظهر حسن النية.
خلال مرحلة المشادة بين مختلف القوى السياسية والمدنية والحكومة، بقي الجيش التركي على مسافة واحدة من الجميع، يراقب بدون أن ينخرط في مجري الأحداث. كان يترقب وينتظر. ما حصل إيجابياً هو أن حكومة أردوغان وحزبه لم يعطيا الجيش الفرصة للتدخل، بل ساعداه بأسلوب عقلاني على البقاء على مسافة واحدة، بعيدا عن مجرى الأحداث، من خلال الاسراع في تقديم الحلول العملية وعدم التشبث بالمواقف المتصلبة. بهذا الشكل حافظت الحكومة والجيش على حسن العلاقة، وأضحت الدولة وشعبها المستفيد الأول والأخير من هذه العلاقة، وحالياً هذه العلاقة في أوج مراحلها.
مقارنة بما سبق، ماذا عن حال مصر؟ مشكله مصر هي أن حركة الأخوان المسلمين، رغم تاريخها العريق في النضال واحتوائها على مجموعة من خيرة الكوادر، لم تهضم جيداً عملية الصعود المفاجئ إلى القيادة. بحكم أن السلطة وقعت عليها بدون سابق إخطار، فرض عليها العمل حسب النظرة الكلاسيكية للحكم، القائمة على وجوب تملك كل السلطة بيد الحاكم، ما يعني الخلط التام بين الحاكم والحكومة والمحكوم، بدون أن يكون لباقي القوى والشعب دور مباشر ودائم. بهذا الشكل لم تأخذ حكومة الأخوان في الحسبان أن الشعب المصري قد تعقد وتطورت هيكلته في الآونة الأخيرة، وأن تركيبته الدينية والايديولوجية أصبحت أكثر تنوعا وديناميكية، وأنها تحتوي على تيارات دينية اسلامية ومسيحية وعلمانية وليبرالية مختلفة، حتى في ما بينها. كل واحدة منها تؤمن بأساليب محددة ومتشعبة حول طريقة إدارة الدولة.
مشكلة حركة الأخوان، الداعمة لحكومة مرسي، هي أنها عملت حسب احادية اسلوب الحكم، المنبثق حديثاً عن فكر المرحوم حسن البنا والسيد قطب، والمحدد أهم ملامحه في كتاب ‘معالم على الطريق’، وسابقاً عن فكر بعض من السلف الصالح من علماء الأمة. هذا النوع من الفكر يعتقد بأن الحاكم الأعلى يجب ان يكون المرجعية المقدسة في إدارة الدولة. تمسك الحركة بهذا الاسلوب، الذي تعتريه مسحة من الرومانسية، أضحى لهم أمرا بديهيا لا تغيير فيه أو عليه. حكومة أردوغان تجاوزت بسرعة الرومانسية الإسلامية للحكم وعملت حسب مستجدات المنطق، العصر والمجتمع.
وماذا عن دور الجيش المصري؟ بشكل عام تاريخ تركيبة وعقيدة وأساليب عمل هذا الجيش لا تختلف جذرياً عن حال الجيش التركي. كلاهما أقرب للتيارات الأكثر انفتاحاً داخل المجتمع، وذلك لأسباب عديدة نركز هنا على واحده منها، وهو المتعلق بالعلاقة مع الخارج. كما هو معروف القيادات العسكرية لهذا الجيش أو ذاك تدربت وتسلمت السلاح من الخارج، بالتحديد من الدول الغربية. هذا فرض عليها الالتزام باتفاق غير موقع قائم على وجوب التقارب والانسجام مع المكونات الاكثر انفتاحاً على فكرها وتوجهاتها، مقابل كل الامتيازات التي يحصل عليها أو ما يمكن أن يحصل عليها الجيش في المستقبل من الخارج. هذه المعطية لا تنقص من وطنية الجيش المصري ولا تقلل من المكانة التى حصل عليها بجدارة، بعد انتصار حرب 1973.
بدعمه مطالب الشعب على حساب بقاء نظام مبارك، راهن الجيش على الحصان الرابح، لكن الحال في العهد السابق يختلف جذرياً عن القائم، لان الشعب هنا صوت وانتخب بحرية وسابقاً كان مدارا كلياً.
بعد نجاح الثورة قاد الجيش وادار شؤون البلاد بحنكة، ومن ثم سلم السلطة بطريقة سلسة زادت من تقدير المواطن له. هذا المواطن يثق به بقدر عدم ثقته بكافة القوى السياسية الموجودة على الساحة. بعد ذلك، ترك الجيش من يدير شؤون البلاد، وهو على علم بأن الشعب لا يثق بها وعلى دراية بأنها عاجلاً أم أجلاً سوف تتنازع بينها على مكاسب الثورة. ترك السلطة وهو على يقين بأنه سوف يبقى العنصر الفاصل حين الضرورة القصوى. بكلمات أخرى وبحكم إيمانه بالمنطق الدستوري، لم يرد زج نفسه في المرحلة الانتقالية المعقدة التي تحدث دائماً بين مرحلة الثورة ومرحلة ما بعد الثورة، والتي في العادة هي مرحلة عدم استقرار وتحولات جذرية مرتقبة وغير مرتقبة.
عملاً بالقواعد الدستورية ترك الجيش الحكم بعد نجاح الأخوان، بقيادة حكومة مرسي، في الانتخابات التى جرت منذ عام. هذه الحكومة ورثت دولة غارقة في مشاكل مزمنة. دولة يصعب إدارتها يومياً، دولة مليئة بالقوى والنزاعات السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية والدينية المعقدة. من المستحيل لأي حكومة كانت، دينية، علمانية، ليبرالية، اشتراكية أو استبدادية أن تنجح بسهولة وسرعة في حلها. بالنسبة لحكومة مرسي والحركة من خلفه، الفشل لم يكن ناتجا عن عدم وجود نية ومقدرة على عمل شيء ما، وإنما نتيجة صعوبة المشاكل المستدامة، عراقيل القوى الأخرى ونظرتهم الكلاسيكية الخاصة في إدارة الحكم، التي تتخذها كافة القوى المنافسة ذريعة لكي تزيد من حدة نقد ونقمة بعض مكونات الشعب عليها. الكل يسمع يومياً قول ان مرسي بدل أن يحل المشاكل العامة، يريد أخونة الدولة، وان من يحكم هو المرشد وانهم يريدون أسلمة الحكم وفرض اجندتهم الخاصة على الجميع. لا يعرف هل هذا صحيح أم لا، ولكن ما هو حقيقي هو أن ذلك لا يمكن أن يتم بسهولة في دولة ذات تركيبة معقدة وغير متجانسة وفي انفتاح دائم مع العالم الخارجي.
بحكم عدم مقدرة القوى المنافسة على الاطاحة بحكومة مرسي بالطرق الديمقراطية، لم يبق لها سوى، وهنا يكمن الخطر، الاستنجاد والاستقواء واستغلال سمعة الجيش للتمكن مما لم تتمكن منه بالطرق الديمقراطية. بالنسبة لهذه القوى، زج الجيش، الذي تعتقد بداخلها أنه حليفها الطبيعي، هو الحل الوحيد والأسرع لوضع حد لنزاع كان مفروضا أن يبقى داخل اطار الدائرة السياسية، بعيدا عن الدائرة العسكرية. المشكلة أنها تريد أن تضع الجيش على المحك وفي نواة النزاع لأن ذلك يصب في النهاية في صالحها. تفعل ذلك بدون أن تعي أن ذلك يمكن أن يسقط مصر قبل أن يسقط حكم الأخوان.
اليوم المعادلة صعبة بالنسبة لهذا الجيش، هل سوف يقفز إلي الحكم؟ خاصة بعد بيانه الذي أعطى فيه كافة القوى، بما فيها الحكومة، 48 ساعة، لحل مشاكل قائمة منذ قرون. لا شك أن تحديد سقف زمني معين لحكومة منتخبة تصرف غير مقبول ديمقراطياً، خاصة من قبل من يعلن حياديته وهو ليس في مواجهة مع أحد. ماذا سوف يفعل هذا الجيش حال فشلت مختلف القوى في التوصل لحل للأزمة القائمة؟ هل سوف يأخذ زمام المبادرة ويتولى السلطة. رغم كل ما وقع وما يمكن أن يفعل حفاظاً على استقرار البلاد، سوف يتهم بقيامه بانقلاب ضد الشرعية الدستورية التي أفرزت حكومة وصلت لدفة الحكم بعد عملية انتخابية سليمة، رغم كل الاخطاء التي رافقتها وحصلت بعدها. عودته للحكم من جديد سوف تولد شعور احباط عند فئات معينة من الشعب، لاعتقادها أنه وقف بجانب مجموعة على حساب أخرى. في هذه الحالة هنالك من سوف يعتقد بحقه في الصراخ من جديد ‘لا، لا لحكم العسكر’، بدون أن يعي أو يحلل ماذا وما دفعهم لذلك.
بالنسبة للجيش أفضل السيناريوهات هو القائم على توصل كافة القوى لحلول وسط تساعد على تجاوز الأزمة، حلول قائمة على تنازل الجميع عن المواقف المتحجرة، عدم وضع مطالب صعبة المنال والتنفيذ، حيادية مؤسسات الدولة، احترام التعددية وعدم التشكيك في الشرعية الدستورية المنبثقة عن الانتخابات التي جاءت ديمقراطياً بحكومة مرسي. من الممكن تعديل الحكومة، تغيير رئيس الوزراء والطاقم الوزاري، الغاء وتعديل بعض بنود الدستور بالتوافق، ولكن الخطأ الذي يمكن أن يرتكب هو أن يتم القفز على هذه الشرعية وعسكرة الحكومة، لأن ذلك سيولد نتائج مستقبلية وخيمة، مثل التي حصلت في مصر، العراق، سورية والجزائر بعد تولي العساكر للحكم سابقاً.
رغم كل الأخطاء التي ارتكبتها حكومة محمد مرسي في ما يتعلق بإدارة حكم البلاد وفي علاقته مع مجلس الشعب، الشورى، القضاء، الدستور والقضايا الاقتصادية، لا يمكن تجاوز هذه الحكومة كما وكأنها لم تكن. كل ما يتطلب من الرئيس هو إجراء تعديلات جذرية تتجانس مع مطالب مختلف مكونات الشعب والقوى السياسية، مثل ما فعل اردوغان وحزبه خلال مختلف الأزمات التي واجهته منذ البداية وحتى النهاية. على حكومة مرسي والأخوان التمعن في تجربة هذه الحكومة والحزب الذي يقف من خلفها. ومن المستحسن للجيش، حفاظاً على مكانته ودوره المحوري، البقاء على مسافة واحدة من جميع الاطراف المتنازعة وعدم الزج بنفسه في مشاكل أهل السياسة أو الموافقة على أي إغراء قيادي مؤقت، مثل ما فعل الجيش التركي منذ تخليه عن الحكم المباشر للبلاد.
المواطن المصري العادي غير المنخرط في النزاع الدائر لا يريد أن يرى البلاد تنزلق نحو دوامة العنف والعنف المضاد، ويطالب كافة القوى على أن لا تراهن على هذا أو ذاك. هذا المواطن هو من يمثل حقاً غالبية الشعب المبتهل إلى الله أن ‘يحفظ مصر، شعباً وأرضاً وجيشاً’.
كاتب فلسطيني مقيم في إسبانيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية