أما قبل… ما نتفوه به وما نتبادله بشكل متواتر ومنتظم من رسائل لفظية يعكس من وجهة نظر علم اللسانيات الحديث أنساقا ذهنية جماعية في التفكير، قائمة الذات تعبر عن نفسها من خلال أنماط متعددة من السلوك، تبحث في ما تبحث عن تموقعات داخل فهارس التاريخ ومجالات الجغرافية. بعيدا عن امتهان تخصص ‘تفسير الرؤى’ بالسياسة، التي تفوقت فيه نخبنا العربية بدرجة شرف جدا، يستوقفنا في كل لحظة وزاوية كم هائل من العبارات، تنطق بلكنات ولهجات مختلفة، تتداولها الألسن من سوق ‘الحميدية الدمشقي’ إلى ‘أسواق مراكش’ المميزة، منها: ‘تعالى اجلس.. ريح.. شوفيه لسة بكير.. أقعد شوية.. مازال بكري.. شبيك ديما مزروب؟’، مرادفات لغوية بمفردات محلية تدعو بشكل لافت إلى ثقافة ‘أنا جالس، إذا أنا موجود’، التي من شأنها – إن تمت دراستها بشكل معمق – أن تيسر عملية البحث عن الصندوق الأسود الحامل لأسرار إخفاقاتنا المتتالية. ففي قلب أهم مختبرات الربيع العربي، عندما تسأل: أين أنت الآن؟ فانك ستجيب مخاطبك بنسبة 99.99 بالمئة ‘أنا قاعد نستنا فيك’ أي أنا جالس بانتظارك – وان دعوته إلى جلسة ما فانك تخاطبه على النحو التالي: ‘ايجا نعملو قعدة’ بمعنى- تعالى نجلس- وان استمتع بهذه الجلسة فانه يجيبك ‘ملا قعدة!’ أي أن الجلسة كانت حلوة ولطيفة…وغيرها من العبارات الأخرى المماثلة التي تتنقل بسرعة الألياف البصرية على طريقة – ابن بطوطة بنسخة جديدة- من بلد عربي إلى آخر بتمظهرات فونيمية ومعجمية وتركيبية محلية متعددة… في حين أنه عندما يهاتفك أحد الأصدقاء في إحدى العواصم الغربية للقائك، فإما أنه يدعوك لاحتساء قهوة لانجاز عمل أو لإبرام صفقة، وإما إلى الاحتفال بحدث ما… أما في مملكة الشرق – مملكة كونفوشيوس بامتياز – فلا مكان ‘للجلوس والقعدة’، فللعمل قيمة مقدسة ترقى إلى مرتبة العبادة والدين.. عبارات تعددت ، اتسعت وجابت – عرضا وطولا- ثنائية الوعي واللاوعي الفرويدية المتحكمة بنا لتؤسس لمنظومة متكاملة من ‘السلوك اللفظي’ شديدة التفرد.. داخلها يسبح اليومي خارج حركة الزمن.. ينكسر مفهوم التسلطية الزمنية بشكل غير مسبوق وفق قواعد فيزيائية وفلسفية غير مألوفة.. يتحرك في حيز مكاني محدد الأبعاد بدون تمثل حقيقي للزمن.. يومي يستبطن إيماءات خفية غير بريئة تؤشر إلى انتمائنا للجنس البشري بحمض نووي مختلف، لازماني التكوين. منظومة من السلوك اللفظي ساهمت في ظهور أجيال من الزعامات العربية موميائية المنشأ والفعل.. أسقطت من جميع حساباتها المشروع الحداثي -الديمقراطي لاعتمادها على الساعة الرملية السومرية، في زمن عقارب الساعات الرقمية والذرية.. حنطت العقول والذاكرة قبل أديم الأرض.. جعلتنا نتجدد بتنفس روائح وبخور الصراع الطائفي- العقائدي الكريهة، نبدع في استنساخ ‘واقعة جمل وصفين وكربلاء جديدة’ بإصدارات القرن الواحد والعشرين.. نحول الاقتصاد إلى وليمة فاخرة تداول عليها سلالات جديدة من القوارض البشرية، تنتصب داخل قاعات أكل فسيحة ومريحة.. وفي رحابها تقرع الطبول وترفع كؤوس الشاي وغيرها على نخب انتصار الجالس على المتحفز الواقف.. انتصار الاستكانة والخمول على المبادرة والإبداع ! في جميع الأحوال، من الأكيد أن على البحث اللساني إعادة مساءلة ‘مقولة الزمن’ بمنظور وبمفردات جديدة … أما بعد… في زمان ومكان غير معروفين ..بعد أن أنهكتهم رحلة التنظير والتناحر الطائفي استلقى فتية من صفوة القوم في احد الكهوف الموحشة… فحدثت المعجزة الكبرى ولم يقرر الله إلا أن يلبثوا لقرون وقرون… وعندما استفاقوا أدركوا أن قطار الزمن فاتهم… عاندوا التيار لحقبات طويلة.. منهم من عاد مسرعا للكهف طالبا من الله المنية.. ومنهم من ظل طريق العودة.. وقلة منهم أعلنت الثورة على الكهف … لا يتبع.