انتخابات المغرب: مفارقات العصر والقصر

حجم الخط
23

 

كثيرة هي المفارقات التي تكتنف الانتخابات التشريعية المغربية المقبلة، سواء تلك السياسية والحزبية، أو الإيديولوجية التي تفرز تحالفات ذات طبائع متباعدة أو حتى متنافرة؛ فضلاً، بالطبع، عن مفارقة البرامج الاجتماعية والاقتصادية والتنموية، التي لا تكاد تتباين في المضمون، رغم وجود قرابة 35 حزباً في البلد.
ولعلّ المفارقة الأبرز هي خضوع نظام التعددية الحزبية، وبالتالي التداول السلمي للحكم، إلى سلطة عليا أولى، ظاهرة ودستورية ولا تفتقر إلى شعبية ملموسة، هي المؤسسة الملكية؛ وسلطة ثانية، باطنة، أو غير ظاهرة تماماً، هي «الدولة العميقة» دون سواها، حيث الأجهزة ورجال الظلّ المتنفذون، أو ببساطة واختصار: تراث «المخزن» العتيق، متعدد الوظائف والشبكات والصلاحيات…
وعلى نحو ما، ولكن أيضاً في ضوء حقيقة أنّ المغرب خاض تسع تجارب في الانتخابات التشريعية منذ الاستقلال، سنة 1956؛ لا تنفصل «الثقافة الانتخابية» الراهنة عن المناخات التي سادت البلاد في أعقاب احتجاجات شباط (فبراير) 2011؛ التي اندلعت، أصلاً، على خلفية موجة الانتفاضات العربية، ولكنّ جذورها كانت تضرب عميقاً في حاجة المجتمع المغربي إلى التغيير والإصلاح والتطوير، ثمّ محاربة الفساد عموماً، وتفشّيه لدى الساسة المحترفين خصوصاً. بهذا المعنى، في مفارقة ثانية، ثمة استقطاب دائم بين رغبة القصر الأبكر في الانحناء أمام عواصف «الربيع العربي»، الأمر الذي اقتضى جرعة أعلى من عتق الأحزاب وانعتاق الممارسة الديمقراطية، من جهة أولى؛ وحاجة «الدولة العميقة» إلى البقاء، من موقع هيمنة غير ضئيلة، والتحكّم في مقدّرات سيادية حاسمة، والتسيير والضبط عند الحاجة، من جهة أخرى.
مفارقة ثالثة تتصل بمنطق التحالفات بين الأحزاب، أو بالأحرى: غياب «المنطق السليم»، أو المألوف في أقلّ تقدير: 1) وزير الثقافة المغربي الحالي يمثّل حزب «التقدم والاشتراكية»، أي الحزب الشيوعي التاريخي، في حكومة إسلامية؛ ونبيل بن عبد الله، زعيم الحزب، يعلن استمرار التحالف مع إسلاميي «العدالة والتنمية» في انتخابات 7 تشرين الأول (أكتوبر)؛ و2): حزب «التجمع الوطني للأحرار» متحالف مع الإسلاميين، وشريك في الائتلاف الحكومي؛ لكنّ عينه على حزب «الأصالة والمعاصرة»، خصم «العدالة والتنمية»، والمقرّب ـ وفق مؤشرات شتى، غير الشائعات والأقاويل ـ من القصر؛ و3) حزب «الاستقلال»، الثاني والأعرق تاريخياً، جاهز للتحالف مع حزب الأغلبية المقبل، أياً كانت هويته، وكيفما سارت السيناريوهات!
طبخات إسلامية وماركسية وليبرالية ومحافظة، يمكن أن تختلط أو تتخالط في كلّ حين، ودون اهتزاز ـ سطحي عابر، فكيف بالعميق العاصف! ـ في البرامج أو السياسات أو العقائد؛ لولا أنّ مفارقة رابعة تحكم هذه الحال: أنّ العصر، وبعض أبرز سماته المغربية والمغاربية والعربية أنه يزداد إسلاموية وجهادية وداعشية، يقتضي تدخّل القصر في إقامة ذلك التوازن الدقيق، الذي تؤمن المؤسسة الملكية أنه ضرورة لا غنى عنها لكي تبقى هذه «الثقافة الانتخابية» آمنة ومنضبطة. وبالفعل، قد تقتضي «المصلحة العامة» للبلاد، من وجهة نظر القصر على الأقلّ، تصعيد اختلاط هذه الطبخات بدل فرزها وتفريقها؛ خاصة حين تشير المعطيات إلى احتمال فوز الإسلاميين، مجدداً، بأغلبية كافية تُلزم الملك، دستورياً، بالعهدة إلى إسلامي في تشكيل حكومة ما بعد الانتخابات؛ وخاصة، أيضاً، حين يكون همّ بعض الأحزاب («الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية» و«الحركة الشعبية» مثلاً)، ليس تحقيق المكاسب، بل تفادي الخسائر!
ويبقى أنّ المشهد لا يخلو من وقائع عجائبية، تفوح منها روائح كريهة لطبخات فاسدة: كأن يُضبط قيادي وقيادية في «العدالة والتنمية» متلبّسَين في فضيحة جنسية، أو تخرج مظاهرة ضدّ الإسلاميين لكي يكتشف بعض المشاركين فيها أنهم خُدعوا واقتيدوا تحت شعار التضامن مع سيدة ضحية عنف زوجي، أو يتمّ خنق فضيحة فساد عقاري كبرى على أعتاب انطلاق الحملة الانتخابية…
وهذه، غنيّ عن القول، مستويات إضافية من جدل التفاعل والتكامل، بين العصر والقصر!

انتخابات المغرب: مفارقات العصر والقصر

صبحي حديدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية