القاهرة ـ «القدس العربي» : كان الموضوع الذي اجتذب اهتمامات الأغلبية في الصحف المصرية الصادرة أمس الأربعاء 5 أكتوبر/تشرين الأول، هو مفاجأة البنك المركزي بعدم تعويم الجنيه كما توقع الجميع، وإنما تثبيته بسعره الحالي وهو ثمانية جنيهات وثمانية وسبعون قرشا للدولار، وطرح مئة وعشرين مليون جنيه بهذا السعر.
وأثر ذلك على ارتفاعات جديدة في الأسعار وتأكيد الحكومة أنها ستؤمن تثبيت الأسعار لمحدودي الدخل، وفي ما عدا ذلك واصلت كل فئة أو محافظة الاهتمام بما يخصها، فالمحافظات التي سيتم فيها افتتاح مشروعات ضخمة بعد مدة تترقب موعد افتتاحها. وأولياء أمور تلاميذ رياض الأطفال والابتدائي اهتموا بقيام الجيش ووزارة الزراعة بتوريد 90٪ من مواد التغذية التي تقدمها وزارة التربية والتعليم مجانا لهم. والنساء والفتيات أصابهن فرح وسرور بسبب قرار مجلس النواب إحالة النائب إلهامي عجينة إلى لجنة القيم بسبب مطالبته بتوقيع كشوف العذرية على طالبات الجامعات. وامتلأت الصحف بمقالات عن هذا الموضوع وعن «قانون جاستا» الأمريكي وإظهار التضامن مع السعودية. وأصحاب المنشآت السياحية والعاملون فيها ابتهجوا بمجيء آلاف السائحين من ألمانيا وبريطانيا واليابان إلى مطار الأقصر في رحلات شارتر، وقيام أربع رحلات شارتر من ألمانيا أسبوعيا على طائرات شركة مصر للطيران. وعدد من رجال الأعمال والمستثمرين اهتموا باجتماعات اللجنة العليا المشتركة المصرية – السودانية برئاسة الرئيس السيسي والبشير، والتوقيع على عشرات الاتفاقيات الاقتصادية التي ستنفذها الحكومتان وشركات القطاع الخاص. وسياسيا لا يزال الوضع على حاله عزوف كامل من الشعب والأحزاب السياسية عن السياسة. وإلى بعض مما عندنا..
معارك وردود
ونبدأ بالمعارك والردود المتنوعة، فبعد غياب لسنوات عن الكتابة في «الجمهورية» من جانب مدير عام تحريرها زميلنا محمد أبو كريشة خفيف الظل عاد يوم الثلاثاء للكتابة في «المساء» إذ نشرت له أول مقال عنوانه «ركوب الحوار والحمار» شن فيه هجوما على إعلاميي وصحافيي اليوم ومستواهم المتدني بقوله عنهم: «يقبض الناس الملايين على الكلام لا ثمناً للفعل والعمل، فمكلمة الفضائيات والصحف كلها بفلوس «ومافيش حاجة ببلاش في مصر» لا شيء لوجه الله. الناس وخصوصاً أهل الإعلام، يمدحون بفلوس ويقدحون بفلوس ويشتمون بفلوس ويعارضون بفلوس ويوالون بفلوس ويثورون بفلوس. ونحن مظلومون بالتأكيد لأن الأساتذة الكبار كان لهم قراء كبار مثلهم، أما نحن سواء أجدنا أو لم نجد فليس لنا قراء وكله عند العرب صابون. والمشكلة أن الكتاب أضعاف القراء وهم «على قفا من يشيل»، وهناك مئة كاتب لكل قارئ هناك تخمة كتاب وجوع وندرة قراء والكلمة عموماً فقدت معناها وقيمتها. والكتاب يكتبون مدحاً لمن أسدى إليهم خدمة أو عالجهم مجاناً أو يكتبون قدحاً للابتزاز والضغط من أجل الحصول على مغانم، وفي كل الأحوال لم يعد لنا تأثير على الأحداث أو على الرأي العام كما أن الناس جميعاً صاروا كتاباً وإعلاميين ولكل منهم صفحته على أحد مواقع «التفاصل» غير الاجتماعي أو لديه مدونته أو حتى صحيفته التي يصدرها من الحمام لتضاف إلى مواسير الصرف الصحافي وينضم إلى قائمة راكبي الحوار والحمار».
الثورة المضادة تستعيد زمام المبادأة
وإلى «الأهالي» لسان حال حزب التجمع اليساري عدد أمس الأربعاء وعمود «لقطات» الذي يكتبه أستاذ الاقتصاد وعضو المكتب السياسي للحزب ووزير التموين الأسبق الدكتور جودة عبد الخالق الذي حذر من ثورة جياع وسخر من الأحزاب والسياسيين بقوله: «يبدو أن قوى الثورة المضادة في مصر بدأت تستعيد زمام المبادأة. رجعت قوى الثورة خطوات إلى الوراء وتقدمت قوى الثورة المضادة خطوات إلى الأمام، وهى الآن تستعد للهجوم والانقضاض. إن ما يجرى في مصر الآن في الفضاء العام (فضاء السياسة) أمر مخيف فهناك صراع بدأ مغلفا ومكتوما ثم أصبح سافرا ومكشوفا وكل الاحتمالات مفتوحة، وإذا تركنا الأمور تجرى في هذا المسار الحرج فالأرجح أن تندلع ثورة جياع و قد تستدعي تدخل الجيش أو تعاملا أمنيا لقمعها. أعلم جيدًا أن هذا سيناريو مخيف وأؤكد أنني لا أدعو للفوضى ولكن الحس الإنساني والوطني والإدراك السياسي يدفعني إلى التنبيه و التبصير قبل أن يقع ما لا يحمد عقباه. كلامي هنا أوجهه للجميع؛ لا للرئيس ولا للحكومة فقط، بل لكل القوى السياسية والاجتماعية أينما كان موقعها وكيفما كان توجهها. أما عن القوى السياسية الأخرى فأقول: صح النوم أين العمل السياسى الجاد؟ لدينا أكثر من 100 حزب سياسي أين هؤلاء؟ أين مرشحو الرئاسة السابقون؟ وأعضاء جبهة الإنقاذ؟ لا تتعللوا بقانون التظاهر رغم سوءاته، الشعب يريد أن يراكم معه تعبرون عن تطلعاته بالعمل على أرض الواقع وليس بالكفاح الإلكتروني».
طلع البدر علينا
وأمس الأربعاء أيضا أخذنا زميلنا وصديقنا محمد عبد القدوس إلى معركة أخرى مختلفة بقوله في بروازه اليومي في «الوفد» (حواء بالدنيا): «تذكر كتب التاريخ أن نبي الإسلام عندما وصل إلى المدينة المنورة مع رفيقه أبوبكر خرج شبابها وأنشدوا: «طلع البدر علينا من ثنيات الوداع» إلى آخر الأغنية الشهيرة، ولم يستنكر سيدنا محمد عليهم ذلك أو يغضب لوجود بنات ينشدن. وفي عصور التخلف والضعف أصبح الغناء حرامًا: «والمرأة محرم عليها حتى الكلام في وجود سيدها الرجل»! وهذا كله أبعد ما يكون عن إسلامنا الجميل».
زيادة الأسعار موضة اليوم
ومرة أخرى أعادنا إلى القضايا الخطيرة زميلنا وصديقنا رئيس تحرير «الشروق» عماد الدين حسين أمس الأربعاء في عموده اليومي «علامة تعجب» معلقا على دعوة الإعلامي عمرو أديب بمبادرة لخفض الأسعار 20٪ بأن قال: «إذا كان عمرو أديب يريد حقا النجاح لفكرته أقترح عليه أن يذهب مباشرة إلى كبار التجار المتحكمين في بعض السلع الأساسية ويحصل منهم على ضمانات محددة ومكتوبة ومعلنة بنسبة تخفيض فعلية، وليست على طريقة أوكازيونات بعض المحلات الخاصة التي ترفع السعر فجأة بنسبة 50٪ ثم تعلن تخفيضا في الأسعار بنسبة 4٪. هناك مجموعة من كبار التجار الذين يحتكرون مجموعة من السلع الأساسية مثل السكر والزيت واللحوم والأرز وغيرها.. وبعض هؤلاء حقق مكاسب خيالية في الفترة الأخيرة، بدرجة تجعلنا نقول إن بعضهم امتص فعلا دماء الشعب المطحون، وبعضهم تاجر بالأزمات الأخيرة، وبعضهم تمكن من تسخير بعض السياسات الحكومية الغريبة لمصلحته الشخصية، كما حدث في أكثر من سلعة إستراتيجية مثل السكر والأرز.
لو أن عمرو أديب نجح في اقناع هذه اللوبيات الضخمة أو بعضها، بحيث تخفض 5٪ من سعر السلع الأساسية في البقالات والسوبر ماركت بعيدا عن الجمعيات الاستهلاكية، فسوف يكون قد قدم خدمة لا تقدر بثمن لغالبية المصريين. للأسف الشديد لا توجد أي آليات حقيقية لضبط الأسواق، وفي ظل ضعف وترهل الجهاز الإداري وغياب تأثير جمعيات حماية المستهلك وتواطؤ بعض مفتشى التموين وضعف دور الأمن في الرقابة والمتابعة، صار التجار بلا رقيب حقيقي وهكذا شهدنا في الأيام الأخيرة رفع أسعار سلع بسبب تطبيق قانون القيمة المضافة، في حين زادت سلع أخرى بسبب ارتفاع سعر الدولار. أما الأغرب فهو زيادة سلع غير متأثرة لا بالقيمة المضافة ولا بالدولار لكنها زادت باعتبار أن ذلك هو الموضة الآن. للأسف الشديد أيضا وبعد انسحاب الدولة منذ زمن بعيد من السوق فلم يعد أمامنا إلا مناشدة ذوى القلوب الرحيمة من التجار لكى يرأفوا بحال الشعب المسكين».
«برنامج لإصلاح وتنمية الاقتصاد المصري»
وإلى معركة أخرى ستكون من نصيب رجل الأعمال ورئيس جمعية اتحاد المستثمرين محمد فريد خميس في «الأخبار» أمس الأربعاء، حيث ألقى باللوم على رجال الأعمال والحكومة في مأساة الذين يغرقون في البحر وهم يحاولون الهجرة وقال: «لقد نادينا كثيراً بإجراء إصلاحات اقتصادية شاملة تستهدف في النهاية خلق المزيد من فرص العمل وتقليل معدلات البطالة وتحسين مستويات الدخول، بما يكفل حياة كريمة للمواطن. وأذكر في هذا المقام أننا تقدمنا نحنُ الاتحاد المصري لجمعيات المستثمرين بدراسة متخصصة بعنوان «برنامج لإصلاح وتنمية الاقتصاد المصري» خلصت إلى المشكلتين الرئيسيتين اللتين تواجهان الاقتصاد المصري وهما: عجز الموازنة العامة المتزايد وعجز ميزان المدفوعات المتزايد، وطالبنا بالأخذ بنظام الضرائب التصاعدية والقضاء على التهرب الكلي والجزئي، وتحصيل المتأخرات الضريبية، مع إصدار قانون حازم لمكافحة التهرب الضريبي، وترشيد الإنفاق الحكومي بالامتناع عن شراء أي أصول لمدة ثلاث سنوات، وترشيد الدعم بأنواعه، من دون المساس بمحدودي الدخل وضمان وصوله لمستحقيه، وأهمية استحداث قانون للاستثمار يتلافي العيوب الحالية، وتفعيل نظام الشباك الواحد تيسيراً للإجراءات ومنعاً للفساد، ووضع الصناعة المصرية على قدم المساواة مع منافساتها من حيث تكلفة إنشاء المصنع وتكلفة التشغيل لزيادة القدرة التنافسية للإنتاج المصري، من خلال رفع الأعباء المحملة على العملية الإنتاجية التي لا يتحملها الإنتاج في البلاد الأخرى، والحد من الواردات ووقف استيراد السلع غير الضرورية، وكذلك السلع التي لها مثيل من الإنتاج الوطني، واستيفاء جميع الاحتياجات الحكومية من الإنتاج الوطني، في ما عدا ما لا ينتج محلياً. إننا لو لم نلق بالقدر الأكبر من المسؤولية على رجال الاستثمار والحكومة واكتفينا بجلد هؤلاء المساكين حتى بعد موتهم، فستبقى الحقيقة غائبة وتغيب معها الحلول الصادقة للمشكلة ألم أقل أن هناك قاتلاً آخر».
لماذا لا يعترف المصريون بكسلهم؟
لكن هذه الأسباب التي أوردها خميس رفضها في التو واللحظة زميلنا في «الأهرام» أحمد عبد التواب في عموده اليومي، عندما أشار إلى العرب وكان يقصد السوريين الذين نجحوا في إقامة مشروعات صغيرة برؤوس أموال صغيرة وهو ما يثبت أن المصريين قوم كسالى وقال: «مثلاً لقد نجح الأشقاء العرب الضيوف في مصر بسبب المخاطر في بلادهم وتمكنوا من الاستفادة من هذه الفرص المتاحة في مصر، وغير صحيح أن كل الناجحين منهم من أصحاب رؤوس الأموال لأن معظم العاملين في هذه المشروعات هم أيضاً من العرب، ومن علامات نجاح هذه المشروعات أن المصريين يقبلون عليها كمستهلكين ليس فقط لدعم الأشقاء في محنتهم، ولكن لجودة المنتج وانخفاض سعره وحُسن تقديم الخدمة. أما لماذا لم يستثمر المصريون في مثل هذه المشروعات واكتفوا بنقد البيروقراطية وتعسف الضرائب؟ وأما لماذا لم يُقبل العمال المصريون على العمل في هذه المشروعات؟ الإجابات تنتظر الدرس والمراجعة.
لماذا ما دام أن هناك إمكانية ما لتوفير مبلغ نحو 50 ألف جنيه يمكن به البدء في تأسيس مشروع ما، شراء تاكسي مثلاً. تدفع بعض الأسر المصرية بالمال في مغامرة يحفّ بها الهلاك بإرسال ابنهم للتسلل إلى أوروبا فيما صار يُسمّى بالخطأ هجرة حتى إذا وصفوها بأنها غير شرعية؟ ومثل آخر، من الظواهر المنتشرة التي يُحكَى بها تندرا، أن كثيرا من العمال المصريين في القطاع غير الرسمي، الذين يعيشون ظروفاً صعبة، إذا عمل أحدهم يوما وتبقى من إيراده جنيهات قليلة في اليوم التالي، يُفضِّل أن ينقطع عن العمل ويقضي يومه على المقهى، مع أن العمل متوافر! ولا يجوز الاستهانة بأعداد هذه الفئة كسل وتدن طموح وإذعان للبؤس وعدم إيمان بقيمة العمل ولا بتطوير المهارات..إلخ إلخ. لا خلاف على مسؤولية السلطة التنفيذية، ولكن لا براء لكل أجهزة الدولة، وكل مراكز الأبحاث المعنية بالقضية».
فهمي هويدي: الجامعة العربية صارت صفرا
أما في «الشروق» فكتب لنا فهمي هويدي عن الجامعة العربية قائلا: «أفهم أن تستنكر الجامعة العربية عدم دعوتها لاجتماع باريس الذي عقد لبحث الأزمة الليبية، ودعيت إليه مصر وتركيا والإمارات وقطر. لكنني أفهم أيضا لماذا أقدمت الحكومة الفرنسية على تلك الخطوة. ذلك أن باريس الجادة في بحث الموضوع دعت الأطراف الفاعلة على الأرض في ليبيا، ولست أشك في أن المسؤولين الفرنسيين الذين تولوا الأمر حين قلَّبوا صفحات الملف الليبي فإنهم لم يجدوا ذكرا للجامعة العربية. في حين وجدوا حضورا متباينا لتلك الدول. وأغلب الظن أن أقرانهم أثبتوا ذلك الغياب ليس في الملف الليبي وحده، ولكنه حاصل أيضا فيما يخص مختلف القضايا العربية الساخنة، وهي التي حيرت المجتمع الدولي، ودفعت الأمين العام للأمم المتحدة إلى تعيين مبعوثين له لمحاولة إطفاء الحرائق المشتعلة في سوريا واليمن وليبيا. هذه الخلفية تسوغ لنا أن نقول بأن الفرنسيين سجلوا غياب الجامعة العربية ولم يفتعلوه. بمعنى أنهم غيبوا الطرف الغائب فعلا، لأنه غائب وليس له أي حضور. ولا نريد أن نظلم الجامعة ونحملها المسؤولية عن الغياب، لأنها لم تتعمد ذلك حقا، وإنما أرغمت عليه. وتلك مسألة تحتاج إلى شرح، لأن الجامعة ليست كيانا مستقلا عن الدول العربية، ولكنها جماع إرادات تلك الدول. وبسبب انهيار النظام العربي وانفراط عقده، فإن الجامعة فقدت وظيفتها وأصبحت كيانا بلا وظيفة وشكلا بلا مضمون، لذلك فالمشكلة كامنة في الوضع العربي الذي هو الأصل، وليس في الجامعة التي هي مرآة له. ولأن ذلك من المعلوم بالضرورة في السياسة العربية، فقد بات مفهوما ومبررا أن تتجه الأنظار في حل أي مشكلة صوب الأطراف التي يظن أنها فاعلة وذات صلة بالمشكلة، الأمر الذي يخرج الجامعة العربية من الحسبان ويبقيها في مقاعد المتفرجين. لقد عقد مجلس الجامعة العربية اجتماعا لبحث الموقف في سوريا، بعدما أصبحت حلب تذبح كل يوم وصارت المدن الأخرى تتعرض للحصار والتهديم والخراب. ولم يتحرك مجلس الجامعة إلا بعدما طلبت ذلك دولة الكويت بعد مضي أكثر من ثلاثة أسابيع من الصمت العربي إزاء استمرار حملة محو حلب من الخريطة وتفريغها من سكانها. وما يحدث في سوريا ليس مختلفا كثيرا عن الحاصل في اليمن، وأغلب الظن أن الصمت والتجاهل كان يمكن أن يشملا الوضع الليبي أيضا، لولا وجود النفط واهتمام الدول الأوروبية بمصيره وعوائده. إذا شئنا أن نتصارح أكثر فسنقول إن الجامعة العربية صارت صفرا. لأن الدول العربية باتت تعد أصفارا في الساحة الدولية. هي أرقام كبيرة فقط في مواجهة معارضيها وشعوبها، لكنها أصفار خارج حدودها. وتلك حقيقة يتعين الاعتراف بها بعدما صار العالم العربي جسما بلا رأس، وشراذم منكفئة على ذاتها، وعاجزة عن تجاوز مواطئ أقدامها. الأمر الذي سوغ لبعض الباحثين الغربيين أن يديروا في الوقت الراهن حوارا حول ما سموه «عصر ما بعد العرب». ليس ذلك قدرا مكتوبا ولا مصيرا محتوما، لأن بوسع العرب إذا أرادوا أن يستردوا مكانتهم وعافيتهم ومن ثم أن يثبتوا جدارتهم إذا ما تلمسوا أسباب الحضور وانخرطوا في مسيرة التاريخ. وليس في ذلك سر، لأن مصادر القوة وأسبابها معروفة وهي في متناول الجميع. ذلك أن ألف باء القوة في السياسة أن تستقوي الأنظمة بشعوبها، في حين أنها في بلادنا تستقوى على شعوبها. وتلك هي الخطوة الأولى للخروج من التاريخ. إننا ينبغى أن لا نلوم الجامعة العربية إذا تم تجاهلها، لكننا لا نستطيع أن نلوم الفرنسيين إذا هم تجاهلوها».
مناخ تشاؤمي
وآخر المعارك ستكون من «الأهالي» في كاريكاتير زميلتنا الجميلة سحر التي سخرت من خبر ضبط خلية إخوانية لنشر التشاؤم وكان الرسم لشاب فقير مرقع الثياب يضحك بشدة وسيدة تقول لزوجها:
مسكين خايف يتمسك بتهمة خلق مناخ تشاؤمي.
رجال مبارك
وإلى رجال مبارك واستمرار المعارك حولهم وبسببهم نتيجة المقال الذي كتبه أحمد عز في «المصري اليوم» وعبر فيه عن تفاؤله بالوضع الاقتصادي لمصر ومستقبله، حيث قام زميلنا عبد القادر شهيب يوم الثلاثاء في مقاله الأسبوعي بالإشادة بعز ومهاجمة وزير المالية في عهد مبارك خفيف الظل الدكتور يوسف بطرس غالي ونظرته المتشائمة: «خرج علينا الدكتور يوسف بطرس غالي ليؤكد بطريقته التي تتسم بإصدار الأحكام القاطعة، على أن اقتصادنا يمر بأزمة حادة لا يبدو انها ستنفرج قريبا، بل سوف تزداد حدة أكثر وأكثر، وسعر الجنيه سوف يعاني مزيدا من الهبوط ليصل الدولار إلى 15 وربما 20 جنيها. ولم ينس أن يقول لنا إنه رفض العودة إلى مصر ليشارك بخبراته في الحكومة وإدارة اقتصادنا الوطني وإنه تم استشارته في عدد من المسائل الاقتصادية. صحيح أن الدكتور يوسف بطرس غالي هو الذي سارع إلى مغادرة مصر هو والمهندس رشيد، رغم رغبة الرئيس مبارك في استمرارهما في الحكومة التي شكلها الفريق أحمد شفيق بناء على اقتراح ابنه جمال، ولكنه فعل ذلك لينجو من مركب نظام قدر وقتها هو ورشيد أنه يشرف على الغرق وبالطبع فقد توقع الملاحقة القانونية، فقرر أن ينجو بنفسه منها، وهو الان مثله كالمهندس رشيد يطلب المصالحة مع جهاز الكسب غير المشروع. وبالطبع ليس من المتصور عودته إلى مصر سواء طلب منه الاستعانة بخبراته أو لم يطلب، إلا بعد إتمام هذا التصالح، كما فعل الملياردير حسين سالم. هذا هو الفارق بين حالة المهندس أحمد عز والدكتور يوسف بطرس غالي، وهذا الفارق هو الذي جعل الأول ينظر بتفاؤل إلى حالة الاقتصاد المصري ويتوقع إمكانية الخروج من أزمته التي لا يراها الأزمة الأخطر التي مر بها على مدى أربعة عقود مضت، بينما جعل الثاني ينظر بتشاؤم».
فلول مبارك لم يغيبوا عن المشهد الإعلامي
وأمس الأربعاء شارك زميلنا محمد موسى في النقاش في عموده «الجو حاليا» في النقاش حول تفاؤل أحمد عز وتشاؤم يوسف بطرس غالي بأن قال: «فلول مبارك لم يغيبوا عن المشهد الإعلامي إلا في لحظات السخونة الثورية، وقد شفا الله الجماهير من السخط وعار الشكوى، وأصبحنا أغلبية راضية مطمئنة، فكل شيء ساحر وواعد في الميدان الغربي: مجلس النواب انتقل من الموافقة بهز الرأس إلى التصفيق وقوفا لكل تعديل وفكرة تأتي من الحكومة، وبدأ يستعد لسن قوانين تبيح للدولة أن تفتش على غشاء البكارة وتضع العذرية شرطا لحصول الفتاة على دبلوم أو ليسانس. البنك المركزي يستعد لأكبر عملية تعويم للعملة الوطنية والتضخم والبطالة في الدرجات العليا من السلم الموسيقي ومازال مذيعو «التوك شو» يحملون الإخوان وقوى الشر مسؤولية جنون الدولار وأخطاء ماسبيرو وتسريب الغاز أو الامتحانات ومضاعفات الحروق أو الضريبة المضافة. أما الفلول فقد ظهرت براءتهم في البر والبحر وفي كل قضايا القتل والتربح واستغلال النفوذ وحان الوقت ليعودوا إلى قيادتنا حتى لو رفضوا نتحايل عليهم مرة أخرى».
المواطنة المتساوية حق مقدس
وانتقلت المعركة إلى الصفحة الأخيرة من جريدة «الوطن» على يد زميلنا وصديقنا عماد الدين أديب في عموده اليومي «بهدوووء» وهو يعلق على ما طرحه شقيقه عمرو أديب في برنامجه اليومي على قناة «أون تي في» هل من حق أحمد عز العودة إلى السياسة فقال: «يجب ألا يعطى لأي نخبة سياسية حاكمة في أي عصر كان ولا تحت أي ذريعة كانت الحق في أن يكون لها مطلق الحرية في تقرير مصير الحقوق السياسية للمواطنين، أو وضع أي قيود على حرية الأفكار والآراء والممارسات السياسية. اليوم أنا أدافع صراحة وبلا مواربة أو خجل أو تردد عن حق المواطن أحمد عز في ممارسة كافة حقوقه السياسية، وبالقوة نفسها والإيمان نفسه أدافع عن حق المواطن الدكتور محمد مرسي وإخوانه في ممارسة حقوقهم السياسية ما دام لا يوجد أي حكم قضائي يحول دون ذلك وبالمنطق نفسه والقوة نفسها أدافع عن حقوق المواطن أحمد دومة وكل شباب التحرير – حتى لو خالفتهم الرأي- في ممارسة حقوقهم السياسية كاملة. المواطنة المتساوية حق مقدس يحميه الدستور والقانون ويجب عدم المساومة فيه أو الانتقاص منه قيد أنملة».
أحمد عز نفسه… دعوة للتشاؤم
ولم يكن عماد يتوقع ما سيحدث له في العدد نفسه من «الوطن» على يد زميلنا وصديقنا أحمد رفعت الذي قال عن عز ومقاله المتفائل عن الاقتصاد المصري: «أحمد عز في السطور السابقة هو ملك الحديد المشهور، والذراع اليمنى لجمال مبارك، وهو أيضاً وبكل فخر أول المفصولين من الحزب الوطني بقرار من قياداته قبل حله! وأحمد عز الذي في السطور السابقة هو نفسه رئيس لجنة الخطة والموازنة في مجلس الشعب لآخر عشر سنوات في حكم مبارك، وهو نفسه «زعيم الأغلبية» في مجالس الشعب المزورة بأحكام المحاكم، وبإجماع المصريين هو زعيم المزورين أحمد عز، الرجل الثاني فعلياً في الحزب الذي أضاع أملاك الشعب المصري في الخصخصة فأهدروها وباعوها بأبخس الأثمان، والرجل الثاني في الحزب الذي جفف مخصصات العلاج المجاني للغلابة في المستشفيات العامة، والذي جعل التعليم في البلاد نهباً لتدخلات أجنبية وأنظمة تعليم ليست إلا حقول تجارب، وأحمد عز الذي في عهد حزبه ضرب القضاة وسحلوا أمام ناديهم وهتكت أعراض الصحافيات أمام نقابتهن وكسرت عظام نواب مجلس الشعب المعارضين بالقرب من مجلسهم. وأحمد عز الذي فشل حزبه في حل مشاكل النظافة والزحام المروري وتنظيم طوابير المخابز حتى بلغت الوفيات بالاختناق وفي القتال صراعاً للحصول على أرغفة العيش حداً مجنوناً. قد يكون الرجل أصيب «بأحلام اليقظة»، والبعض من علماء النفس يعتبره مرضاً والبعض لا يعتبره كذلك.. وربما اختار عز ومن دون أن يدري أن يشبع دوافعه في الواقع فصدق أنه هو تحديداً يمكن أن يكتب مقالاً ويكون روشتة لإصلاح الاقتصاد وعنوانه هو: «دعوة للتفاؤل» رغم أنه هو أصلاً.. بشحمه ولحمه عنوان لكل تشاؤم ليس لسيرة حزبه فقط، وإنما لسيرته هو نفسه.. ومن لا يصدق، عليه أن يراجع شهادة الحزب المنحل في المذكور.. وشهادة المصريين فيهم جميعاً.. في المنحل وفي المذكور! كثيرون يتسببون بتصرفاتهم في إغلاق صحف أو محلات أو مشاريع كبرى.. فما بالكم بمن تسببت تصرفاته في إغلاق حزب وانهيار نظام سياسي وسقوط رئيس البلاد وكادت تصرفاته «تجيب ضلف» بلد بأكمله؟ وإن لم يكن ذلك شؤماً.. فما الشؤم إذن؟».
الشيخ الشعراوي من أبطال حرب أكتوبر
ولا زالت الفضائيات خاصة التلفزيون والصحف تخصص مساحات واسعة عن حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 وذكريات عنها وعن بطولات قواتنا، أما جريدة «عقيدتي» الدينية فقد فاجأتنا في صفحتها الأخيرة بأسرار جديدة لم يعلم بها أحد إلا صاحبنا محمد الساعاتي الذي تنشر له الجريدة بابا عن الشيخ المرحوم محمد متولي الشعراوي تحت عنوان «شعراويات» قال فيه تحت عنوان «الشعراوي من أبطال أكتوبر»: «لم يعلم الشيخ محمد متولي الشعراوي «إمام الدعاة» أنه سيأتي عليه اليوم الذي يساهم فيه مساهمة فعالة في انتصار الحق على الباطل في حربنا مع إسرائيل « أكتوبر ـ رمضان « عام 1973، ولأن العلاقات بين مصر والمملكة العربية السعودية كانت مضطربة في فترة من الزمن لذا فقد فوجئ الشيخ الشعراوي بإرسال الرئيس محمد أنور السادات رسولا يستأذن الإمام الشعراوي في تحديد موعد لمقابلة الرئيس السادات لمصلحة البلاد والمسلمين، فما كان من الشيخ الشعراوي إلا أن أنتفض وتوجه مسرعا مع رسول الرئيس السادات. ويطلب السادات من الشعراوي أن يمهد لعودة العلاقات بين مصر والسعودية بقوله: أعلم يا مولانا أن لكم مكانة في قلوب الأخوة السعوديين، من أجل ذلك أطلب من فضيلتك أن تحاول عودة العلاقة بين البلدين في أسرع وقت، وذلك من أجل خدمة الإسلام والمسلمين والأمة العربية والإسلامية. وبحمد الله تعالى ينجح الشـــيخ الشعراوي في أن يجمع جلالة الملك فيصل والرئيس السادات ويجلسان على طاولة واحدة ويطالب الرئيس السادات جلالة الملك فيصل سرعة وقف مد أمريكا ودول أوروبا بالبترول ويحكي الدكتور أحمد عمر هاشم، وما هي إلا أيام سراعا بعدما نجح شيخنا الشعراوي في عودة العلاقات بين مصر والســــعودية حتى يفاجأ الدكتور الإمام عبد الحليم محمود بالذهاب إلى القصر الجمهوري بعد صلاة فجر يوم السادس من أكتوبر الموافق للعاشر من رمضان لعام 1973 ويطلب من قائد الحرس الجمهوري مقابلة الرئيس لأمر مهم يصب في مصلحة الإسلام والمسلمين، وبالفعل يستيقظ الرئيس السادات من نومه ويقابل الشيخ الدكتور عبد الحليم محمود بقوله خير يا مولانا الإمام؟ فيزف الإمام عبد الحليم البشارة للرئيس السادات لقد رأيت في رؤياي الليلة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعبر بجيوش المسلمين قناة السويس فكبر السادات الله أكبر الله أكبر الله أكبر وعانق الإمام فرحا ببشارة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان النصر من عند الله يومها».
السيد البابلي: السادات حقق المعجزة
وفي «جمهورية» أمس قال زميلنا السيد البابلي في عموده اليومي «رأي» عن السادات: «أنور السادات الرئيس الذي أرسلته العناية الإلهية إلى مصر ليعبر بها من الهزيمة إلى النصر ولأن أنور السادات قد انتصر وحقق المعجزة وأزال آثار هزيمة 1967 المريرة فإن الذين يكتبون التاريخ من منطلق الحب أو الكراهية لم يمنحوه حقه ولم يحتفلوا به كواحد من عظماء هذا القرن. كانت له رؤيته الثاقبة ونظرته البعيدة وقراءته العميقة الواعية لمجريات الأحداث ويستحق أنور السادات أن يكون دائماً في مصاف القادة التاريخيين العظام لمصر كواحد من الرؤساء الذين عملوا بكل الإخلاص من أجل مصلحة مصر وشعبها وكواحد من أبرز السياسيين الذين أجادوا التعامل بلغة الشعب فكان واحداً منهم يتحدث بلسانهم وليس بعيداً أو غريباً عنهم، واستطاع ببساطة وقيمة وشموخ الإنسان المصري أن يقود هجوماً ناجحاً للسلام في العالم جعل من مصر أسطورة ومن أنور السادات أعجوبة».
حسنين كروم