كتب شومفورت معلّقا على بيت لدانتي: «ليس الأمل غير دجّال يغشّنا باستمرار؛ وبالنّسبة إليّ، لم تبدأ السّعادة إلاّ عندما افتقدته» (الأمل)، وأضاف: «سأعلّق مطمئنّا على باب الفردوس، البيت الذي علّقه دانتي على باب الجحيم: أنتم أيّها الدّاخلون هنا! اقطعوا كلّ أمل». ويعقّب أندريه كونت سبونفيل، بأنّه لا مسوّغ لتعليق هذا البيت على باب الجحيم، إذ كيف لا يِؤمّل المعذَّبون؟ وهم الذين يتألّمون كثيرا! فلا بدّ أنّهم يؤمّلون شيئا ما، أن ينتهي عذابهم، وربّما تشملهم رحمةً إلهيّةً، أو ربّما يتعوّدون على ذلك فيكون عذابهم أقلّ.
هذا مدخل من بين مداخل أخرى، لقراءة رواية ليانة بدر «الخيمة البيضاء» (نوفل، بيروت 2016)؛ تخيّرته وأنا في الصفحة 261 حيث تستعيد البطلة وهي على حاجز قلندية، عبارة دانتي المأثورة. والحقّ أنّه يظلّ في إمكان القارئ أن ينفذ إلى هذه الرواية، من عتباتها وتحديدا من مقاطع من شعر محمود درويش، تفتتح فصولها الثلاثة، وتسلّط الضوء على العنوان الذي وسمت به الكاتبة روايتها، وإن كان ينهض له سند من المتن نفسه.
هذه الرواية القويّة، إنّما مدارها على المحتمل أو القابل للوقوع أو «الاختلاق الإمكاني»، في واقع فلسطيني مخصوص، حيث تجري أحداث الخيمة ووقائعها. رواية قويّة بتفاصيلها ودقائقها تغني هذا المحتَمَل، وتمدّنا بكلّ عناصره ومكوّناته وأمشاجه: أمس/ هنا/ الآن حيث تعرف الكاتبة أنّ الإيهام بالواقع، يكون أقوى، لا لأنّه يناسب مقتضيات المحتمَل عند القارئ، فحسب، وإنّما لأنّه يستهدف إثارته أيضا وشحذ خياله، بوسائط فنّيّة محكمة، وعلى مقتضى خطّة سرديّة تتأدّى بسلاسة ودونما عنَتٍ أو تصنّع. من ذلك هذه المواءمة بين شخصيّات «تتلاقى» صدفة أو هكذا يوهمنا السارد، وأخرى متخيّرة بعناية (نشيد، خالد، عاصي، ندى، هاجر، جواهر، عزيز، لميس، هاشم أبو الحجارين، غازي…) منذ الفصل الأوّل «مشوار» حيث يستوقفنا أمران: التلفّظ والاستقبال «ستعرف الليلة ما يحدث في بيتها… « أمّا التلفظ (القول) فعمل لغويّ يؤدّيه فرد، لإنتاج ملفوظ (مقول)، موجّه إلى مرسل، في ظروف وملابسات مخصوصة. وفي السياق الذي نحن فيه الملفوظ هو النصّ الروائي، فيما التلفظ هو الفعل اللغوي الذي يقوم به المتلفّظ، وأمّا الاستقبال فيتوزّع على مستقبل قريب في الأفعال التي سقناها وغيرها، وهي تظهر الشخصيّة إذ تلمّح إلى المستقبل، بالنسبة إلى اللحظة الحاضرة التي هي فيها. والسين حرف يدخل على المضارع فيخلّصه للاستقبال، فيما سوف في الخطاب أطول زمانا من السين.
ومن دون خوض في دلالة هذه الأسماء، نذكّر بأنّ الاسم الجوهر يتميّز باشتراط محموله لحامل من داخله، يجسّده، وفيه تتعيّن مقولة الشخص داخل اللغة، فيكون وقعه داخليّا، فيما الصفة كلمة يستمدّ محمولها حاملا من الخطاب، وفيها تُحدّد مقولة الشخص بالرجوع إلى الموصوف الذي تُعلّق عليه، فيكون وقعها خارجيّا. على أنّ ما يعنينا في سياق هذا «المحتمَل» أنّ الكاتبة تعرف كيف تزاوج بين «داخل» و«خارج»، وهي تقتنص تفاصيل شخصيّاتها وهيئاتهم. وهذه ميزة نسويّة، قد ترجع إلى حدس المرأة أو حاسّتها أو ذكائها.
إنّ صفات الشخصيّات وملامحها، ممّا يمكن تسويغه واقعيّا، كلّما كان بميسورنا أن نعلّل ميثاقا أدبيّا أو فنّيّا، من الواقع الذي يحفّنا في حياتنا وفي مسالك عيشنا. وهذا ما تتمثّله شخصيّة نشيد، وهي ترصد وتلاحظ وتسجّل بالكاميرا، وتعلّق وتعقّب، فهي «شاهدٌ» أو «قناعٌ» أو «معادل موضوعيّ»؛ وكأنّ السارد الذي يمسك بخيوط النصّ، يحفِزنا إلى الاعتقاد في أنّ الأثر، لا يوافق قوانينه أو خطّته القائمة على عمليّات سرديّة مستمرّة «بنية اطّراد» وأخرى متقطّعة «بنية استطراد»؛ بقدر ما يوافق الواقعيّ نفسه. من ذلك مثلا هذه الإشارات الدالّة، إلى الواقع الفلسطيني بعد اتفاق أوسلو، وعودة المهجّرين أو «التوانسة» كما يسمّيهم أهالي رام الله: «تعبر قرب دوّار «الساعة» متّجهة إلى منطقة الإرسال عبر المنارة في وسط رام الله… كم تغيّر اسم هذا الدوّار! كان اسمه في البداية «ميدان الساعة»… وفي الآونة الأخيرة غيّرت بلديّة المدينة اسمه إلى «ميدان ياسر عرفات». وبين الاسمين الأوّل والأخير كان يُدعى «ميدان المغتربين»…» ويقع في ظنّ الشخصيّة أنّ التغيير كان بوحي من الفلسطينيّين «العائدين»؛ ثمّ تعرف أنّ الاسم يعود إلى فئة من مواطني رام الله القدامى. وتنمّي الساردة هذه الإشارة، فتومئ إلى صدمة العائد الفلسطيني (عاصي) بعد ربع قرن من الغياب، وخوف الأهل من أن يطالب بنصيبه من الميراث؛ وما إلى ذلك من حالات أخرى: الشاب والصبيّة (خالد وبنت الجيران) اللذان يدرسان في غرفة مغلقة، وعالم السكايب والفيسبوك، ودوّار المنارة قلب المدينة النابض، وشارع الإرسال حيث تعمل نشيد، وتغيّر وسط المدينة، والمسيرات، وحصار عرفات، وقضيّة الفتاة المهدّدة بالقتل (هاجر) لأنّها ستتزوّج غريبا، والعمل في مؤسّسة أجنبيّة، والزوج المقيم في الخارج، وذكرى الانتفاضة الأولى، ووضع المرأة الفلسطينيّة، والأمّ التي تقطن في بيت لحم، والأب في مزرعته بين القدس وبيت لحم، والمستوطنات، وضريح عرفات، ورحيله الغامض، ونشيد التي تدرس مع ابن الجار، والتحرّش، وجنود الحاجز، وصراخ المجنّدات، والمستوطنون، والروسيّة المتزوّجة بفلسطيني، و»الذكوريّة التي ستظلّ عائقا أمام تحرير فلسطين»، والقطّة (صحّارة) وموسيقى الراب، ومسرح القهواتي، والليل والوحدة حيث يفشي العنوان جانبا من سرّه «كانت تهرب من خيمة النهار البيضاء إلى خيمة الليل السوداء، أملا في إيجاد الشخص القديم الذي عرفته سابقا وأحبّته»، ومفكّرة شجرة اللوز، والربيع العربي، والمعتقلون، وتونس التي»تعلّق بها ورأى أن يُفتّش عن طبيعة بلاده المتوسّطيّة فيها…» والقدس وأعمال الحفر، والانتفاضة الثانية، وإسرائيل والنفط، وذكرى حصار تلّ الزعتر، والتعذيب، والمعمار الفلسطيني غير المتجانس مع بيئته، ورابين، والباب الإلكتروني، وهو المشهد الأقوى في الرواية الذي يجعلنا نمسك أنفاسنا، فالفتاة المهدّدة وهي خيط سرديّ ناظم، يشدّ مثل خيوط أخرى أوصال هذه الرحلة في المكان والزمان.
وهذه وغيرها ممّا لا يتّسع له هذا الحيّز، يكشف عن مهارة الكاتبة في نسج هذا التوافق بين احتمال موضوعيّ وتقليد أدبيّ، لا يغفل حتّى الكائنات الضعيفة «القطّة» والأشياء البسيطة التي نهملها عادة؛ فيما هي ترتبط بوجودنا أكثر ممّا نتصوّر. وهو تفصيل يجعل الفنّ الروائيّ ينزع إلى أن يكون «حقيقيّا» كلّما كانت الشخصيّة «مفترضة» أو «متخيّلة»؛ حيث التعليق الذي ينفذ سلسا إلى ناحية نفسيّة في الشخصيّة، مثل مسؤول الملاّكين الذي يتحرّش بالمرأة المطلّقة، فتضطرّ إلى بيع شقّتها بثمن بخس، فيما الآخرون أو الشياطين الخُرس، يلحظون الظلم ولكنّهم ينأون بأنفسهم؛ ولا يتدخّلون. وما إلى ذلك ممّا ينضوي إلى «الجماليّة الواقعيّة» جماليّة اليومي والمعيش الحيّ؛ وسندها عند ليانة طريقة في الإيهام ذكيّة، فلكي نشحذ هذا الحقيقيّ، فإنّه لا مناص من إضفاء الإيهام بالقدر ذاته، على الواقعيّ نفسه. ولكن من دون أن يعني ذلك أنّ الرواية تقدّم لنا الحقيقيّ أو الواقعيّ، وإنّما نحن نحتكم فيها إلى المحتمَل أو القابل للوقوع. وغنيّ عن الذكر أنّ الحقيقة الفنيّة ليست الحقيقة القانونيّة، فالمحتمَل محصّلة صناعة وخبرة ومِراس، ومواثيق أدبيّة، وهذه كاتبة تعرف كيف تقرأ واقعها الفلسطينيّ خارج المؤسّسة السياسيّة، بجرأة قد تكون نادرة. على أنّ اللجوء إلى ما هو من خارج الأثر، ضرورة لا غنى عنها للكاتب؛ حتى إن كان هذا الخارج اللغوي أو ما نسمّيه الواقع «بنية جوفاء»، فالكاتبة تعرف كيف تحبكها وتديرها. وربّما وقع في الظنّ أنّ مثل هذا «اللجوء» تنازل من القارئ لجمهور من القرّاء لا معرفة لهم بالفنّ الروائي، حتّى يناسب النصّ أفق توقّعهم، ولا نخال الأمر بهذه البساطة، فالخطاب الروائي يظلّ مداره على قوانينه الخاصّة، وليس على مواءمته لمرجعه. ونقدّر أنّ التعليل الواقعيّ الذي يعتبر الأثر «تواطؤا» بين الاحتمال الموضوعي والتقليد الأدبي، يتعذّر عليه أن يدرك سرّ هذا الغامض/ الواضح الذي أقامت عليه ليانة خيمتيْها: البيضاء والسوداء، بل لعلّ من مقاصد الكاتبة أن تثير القارئ وتذكي خياله، وتجلّي له ما حجبته الألفة والعادة.
لقد تهيّا لي وأنا أقرأ هذه الرواية القويّة، أنّي أطلّ على رام الله وعلى المستوطنات والحواجز والجدار العازل، من نافذة قطار يسير بطيئا سريعا.. سريعا بطيئا.. في حركة دائريّة «سيكودراميّةّ، تأخذ بنقلات ســــريعة مفاجئة، ثمّ تتأنّى، وتتباطأ في سلسلة من الأحداث الصغيرة المنفصلة المتّصلة؛ وكلّ ذلك على مدار 24 ساعة تستغرق هذا العالم الفلسطينيّ المتحوّل، حيث تكاد فلسطين المظلومة و»الظالمة» نفسها أيضا بجرحها الداخلي الذي لا ندري متى سيندمل؛ وهي تكاد تنزل سهل الأباطح، حيث لا حلّ الدولتين بالقائم، ولا الدولة الواحدة.. حيث الخيمة التي تنهار هي «خيمة أوسلو».. حيث لا أمل إلاّ في الجحيم.
٭ كاتب تونسي
منصف الوهايبي