إنّ المواجهة اليوم مع المشروع الصهيوني المدعوم غربيّا تتجاوز الأرض الفلسطينية المفكوكة غصبا، بل هي تشمل الدين والهوية الحضارية والمستقبل وفعل البقاء في التاريخ والفعل فيه، كما هو الشأن فيما سبق. في الوقت الذي مازالت فيه أمريكا تتخبّط في مجدها الذاتي المغرور وقوّتها العسكرية التي يخفى عن البعض أن تأثيرها انحدر دراماتيكيا منذ بدء مغامرتها في العراق واندحارها وخروجها ذليلة بفعل المقاومة الباسلة، فالسّلاح وحده لا يمكنه أن يصنع نصرا حضاريا ولا مجدا إنسانيّا.
إنّه درس التاريخ الذي نرى صوره مع التّتار قديما الذين انتصروا على المسلمين وانهزموا أيضا في «عين جالوت» ثم دخلوا الإسلام رغم انتصاراتهم، ونراه أيضا مع الاتحاد السوفييتي الذي انهار رغم امتلاكه الأسلحة النووية والتكتيكية النوعية. وسنراه عاجلا أو آجلا مع اسرائيل وإن كانت بوادر اندحارها وزوال وهم تفوّقها تنكشف مرّة تلو الأخرى في حروبها ضدّ المقاومة في فلسطين ولبنان.
ومع ذلك فإنّ المضي في السلبية وإغماض العين هو الانتحار الجماعي الذي يتّجه إليه العرب، في الوقت الذي يبحث فيه نتنياهو عن الاستسلام بدل السلام الذي يقترحه العرب مقابل الأرض متناسين أنّ اسرائيل غادرة بطبعها حتى مع حلفائها وأصدقائها، فطبيعة الغدر كامنة فيها، فهي التي قتلت الكونت برنادوت سكرتير الأمم المتحدة مع مساعده الفرنسي سيرو، بعد التقرير الذي قدّمه في سبتمبر 1948 عن جرائم الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلّة. كما اغتالت كنيدي رئيس الولايات المتحدة إثر انفتاحه الايجابي على القضية الفلسطينية. وكذلك فعلت مع اللورد موين الوزير المفوّض البريطاني في نوفمبر 1944، ولا ننسى إغراق القوات العسكرية الصهيونية لسفينة التجسّس الأمريكية «ليبرتي» في 1967وقتلهم لأربعة وثلاثين بحّارا أمريكيّا وجرحهم المئات.
هكذا فعلوا مع أصدقائهم الأمريكان فما بالك بالعرب، فهم يكنّون لنا العداء التاريخي ويهدفون إلى تفتيت المنطقة والأمر جلي ومكشوف وبالإمكان العودة إلى صفحات مجلّة «كيفونيم» الاسرائيلية التي كتبت منذ الثمانينيات «أنّ مصر بصفتها القلب المركزي الفاعل في جسد الشرق الأوسط ، نستطيع أن نقول إنّ هذا القلب مات وأنّ مصر مصيرها إلى التفتّت وإلى التمزّق بين المسلمين والأقباط، ويجب أن يكون هدفنا في التسعينيات هو تقسيمها إلى دولة قبطية في الصعيد ودولة اسلامية في وجه بحري. وفي لبنان التي سوف تخرج من الحرب الأهلية سيكون الأمر أسهل في تقسيمها بين الطوائف المتقاتلة إلى خمس محافظات، شيعة وسنّة ودروز وموارنة وكتائب. وسوريا نستطيع تقسيمها إلى دولة شيعية بطول الساحل ودولة سنية في منطقة حلب وأخرى في دمشق وكيان درزي عازل في جزء من الجولان. والعراق الغني بالبترول والغني بالمنازعات الداخلية ما أسهل أن يقع فريسة للفتن إذا أحكمنا تخطيطنا لتفكيكه والقضاء عليه».
حدث كل ذلك والعرب يشتركون في جريمة التخاذل والتقصير في الوقت الذي جعلت فيه أمريكا اسرائيل قوة سياسية مؤثّرة في العالم، خاصة عندما انفردت الولايات المتحدة بالتحكّم في فترة التسعينيات وأصبحت قطبا وحيدا حاكما لمصائر العالم وقامت بدور الحاضنة والمرضعة «للفرخ الاسرائيلي الكسيح» بتعبير مصطفى محمود.
إنّ اسرائيل حقّا أضعف ممّا يعتقد وأوهن من بيت العنكبوت فعلا وهي بما هي عليه الآن إنّما خدمها حال العرب وضعفهم وانقسامهم وتشتّتهم وتشرذمهم، لذلك نرى القزم الاسرائيلي يعلو صوته اليوم ويتضاعف صراخه، فاليهودي الاسرائيلي الذي كان بالأمس تائها في جزيرة العرب، يرى نفسه اليوم في موقع قوّة ظهيرته أمريكا وهو نفسه يتنكّر للديانة اليهودية ولا يلتزم مبادئها التي جاءت في التوراة، بل يعمل على نشر الصهيونية كحركة سياسية عدوانية تبحث عن الهيمنة والسيادة وافتكاك الأرض، وهو ما يفسر اعتبار اسرائيل اليوم المشكلة الحقيقية في المنطقة، فهي التي تؤجّج المشاكل دوما وتدّعي أنّ العالم يضطهدها والمحيط الاقليمي يلفظها ومحور المقاومة يبحث عن إفنائها، وهي على ما هي عليه فكرا وسلوكا موبوءة بالتعصّب العنصري والحقد التاريخي، ويحرص كلّ حزب تداول على الحكم فيها على التوسّع والاستيطان، ويحشد من أجل تدمير الرابطة القومية العربية وخلق التّباعد والتّنافر بين الدول العربية والإسلامية، الأمر الذي يجعل من السلام الذي يلوكه العرب «مخدّرا موضعيا» لا أكثر بجزالة تعبير مصطفى محمود.
بات واضحا أنّ الإسلام هو الكابوس الحقيقي الذي يُطارد أمريكا واسرائيل فبعد انهيار روسيا السوفييتية قال نيكسون قولته الشهيرة: «لقد تخلّصنا من الشيوعية ولم يبق لنا عدو سوى الإسلام». ومثلما وعى الغرب جيّدا دروس التاريخ وبحث عن تدمير الإسلام والمسلمين، بضرب اللغة واغتيال الحضارة وإزالة الفعل العربي في التاريخ تعمل اسرائيل بدورها على نشر الصهيونية كحركة عدوانية تحكمها أهداف توسّعية لا تنتهي وأحلام توراتية محرّفة في السيادة والغلبة وتاريخها كما حاضرها يجهران بذلك بشكل واضح تمام الوضوح.
كاتب تونسي
لطفي العبيدي