في آخر مقالة مسهبة له، نُشرت في كتاب ألكسندر كوبرن وجيفري سانت كلير، المعنون «سياسة العداء للسامية»؛ يستفيض إدوارد سعيد في تشريح سياسات إسرائيل الوحشية تجاه الشعب الفلسطيني، كما يشير إلى مفاصل كبرى في حيوية هذا الشعب، على مستويات إنسانية شتى، وفي ميادين السياسة والاجتماع والثقافة أيضاً. ثمّ يفرد بضع فقرات لحال السلطة الوطنية، ويتطرق إلى أوضاع «فتح» و»حماس» وبقية الفصائل، قبل أن يخلص إلى أنّ قرابة 1000 منظمة غير حكومية ـ بصرف النظر عن حكم القيمة، والجدوى، على هذه أو تلك ـ هي التي تحتضن حيوية هذا الشعب، وتستقبل طاقاته المختلفة.
في كلّ حال، في زمن كتابة تلك المادة، سنة 2003؛ كانت الإحصائيات التي في حوزة سعيد تشير إلى أنّ «فتح» و»حماس» تستقطبان، معاً، 45٪ من تأييد الفلسطينيين، والـ55٪ الباقية تذهب إلى منظمات وتجمعات «أكثر تطلعاً إلى الأمل والإصلاح السياسي»، حسب تعبير سعيد. ثمة، إلى هذا، مفهوم الكرامة، الذي «يحظى بمكانة خاصة في كلّ ثقافة عرفها المؤرخون والأنثروبولوجيون وعلماء الاجتماع…»؛ وهو، عند الفلسطينيين تحديداً، ثمّ عند العرب عموماً، أبعد ما يكون عن التنميطات الاستشراقية أو العنصرية أو القاصرة أو الاختزالية، التي تبعده عن حسّ العدالة والتوق إلى الحرّية والديمقراطية.
مفهوم الكرامة هذا هو الذي دفع المقدم أسامة منصور، الضابط العامل في السلطة الوطنية، إلى الخروج عن تقاليد الانضباط العسكرية، والاحتجاج علانية على مشاركة محمود عباس في جنازة شمعون بيريز؛ وحاجة السلطة إلى وأد هذه الروح، هي التي كانت وراء اعتقال ذلك الضابط. وهي، أيضاً وأيضاً، وراء اعتقال الصحافي الفلسطيني المخضرم رياض الحسن، رئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون ووكالة «وفا» الأسبق، برتبة وزير؛ على يد الأمن الفلسطيني، بدل الشرطة (إذا صحّ ما قيل عن إلقاء القبض عليه بناء على طلب النائب العام، وليس بسبب مقال ناقد يكشف «المسكوت عنه» كما يتردد).
ثمة فلسطينان اليوم، استطراداً؛ وثمة فلسطينيان اثنان، على الأقلّ: أوّل، على شاكلة سعيد؛ وثانٍ، على شاكلة عباس، وغالبية ساحقة من القشرة الأولى في رجالات السلطة، أينما كانت مواقعهم، وأياً كانت تنظيماتهم وفصائلهم. ولعلّ الواقعة الأبرز، والأبكر، على هذا الفرز (الذي استجدّ بعد أوسلو، كما يساجل البعض، ليس دون وجه حقّ في الواقع)؛ كانت الانتخابات التشريعية الأولى، واليتيمة حتى الساعة. آنذاك طُرح سؤالان مشروعان، بين أسئلة أخرى كثيرة: هل أخطأ الشعب الفلسطيني حين منح «حماس» أغلبية صريحة في المجلس التشريعي؟ وهل توجّب أن يمارس الفلسطينيون تجربتهم الديمقراطية الأولى الكبرى، من منطلق مكافأة «حماس» عن طريق معاقبة «فتح»؟
الثابت اللاحق، مع ذلك، كان التالي: إذا كانت حكومة إسماعيل هنية قد انقلبت إلى محض استطالة بيروقراطية للجهاز الأمني ـ العسكري الحمساوي، الذي بلغ ذروة قصوى دموية في إبطال القرار الشعبي الفلسطيني، ذاته الذي جاء بـ»حماس» إلى الحكم؛ فإنّ حكومة سلام فياض كانت قد انقلبت، لتوّها، إلى محض استطالة بيروقراطية للجهاز الرئاسي الذي سكت تماماً، لكي لا نقول إنه شجّع، الذروة القصوى الدموية التي بلغتها أجهزة محمد دحلان، اقتفاءً للغرض ذاته في الواقع، أي إبطال محتوى الفعل الديمقراطي الشعبي.
وأمّا المثال الميداني، فقد شهدناه على دفعتين، متكاملتين: الأولى، ساعة هجوم جيش الاحتلال الإسرائيلي على سجن أريحا، واقتحامه بقوّة الدبابة والجرّافة، وتهديم جدرانه وأسواره ومهاجعه، وإخراج حرّاسه شبه عراة، ثمّ اعتقال الأمين العام لـ»الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»؛ والثانية، حين أعادت «حماس»، في غزّة هذه المرّة، إنتاج مشهد مماثل، لا يقلّ إيلاماً وأذى للوجدان الفلسطيني.
وهنا، أيضاً، كان ثمة فلسطين… وفلسطين!
صبحي حديدي