الشارع الفلسطيني فقد الثقة في قدرة الفصائل على انجاز التحرر وبناء الدولة

حجم الخط
0

رام الله ـ «القدس العربي»: لا يختلف الشارع الفلسطيني على اندثار فصائل الثورة الفلسطينية وانصهار غالبيتها في السلطة الفلسطينية. بل ويعتقد البعض أن المتبقي من هذه الفصائل هذه الأيام بالنسبة للفلسطينيين لا يتجاوز اسمها. ويطالب الشارع بأحزاب سياسية وسطية جديدة علها تنقذ ما تبقى من إرث وطني للنهوض من جديد ومواجهة الاحتلال الإسرائيلي.
وقال علي دراغمة من نابلس أنه في السابق و«قبل مجيء السلطة الفلسطينية كان من النادر ان تجد شخصا يقول لك انه مستقل مع العلم ان المستقلين موجودين في فلسطين دائما. وكانوا من رجال الأعمال وأصحاب المصالح وعددهم محدود. أما اليوم فالشعور تغير وأصبح المستقلون عن الأحزاب السياسية هم الأكثرية بين الناس رغم الانتماء الحزبي القديم لهم. لا أريد تقزيم الفصائل ولكن لا نجد فصيلا واضح المعالم. لا توجد برامج سياسية واضحة للناس. أشعر ان الفصائل تعمل فقط على ردود الأفعال وتلجأ للشارع والناس فقط عندما تقترب أي انتخابات. والشباب الفلسطيني الذين نلتقيهم في الشوارع يشعرون انهم حطب للموقدة وهذا يدلل على انتهازية الفصائل في هذه المرحلة. ولكن حتى لا نرسم صورة سوداء عن الفصائل هي ما زالت مرجعية وطنية للشعب الفلسطيني رغم ضعفها وفيها من الحسنات تاريخها، فهي التي حافظت على الهوية الفلسطينية وهي التي ترفض التنازل عن الثوابت وهذه مبادئ وليست برامج سياسية. ما ينقصها هو البرنامج السياسي لتفعيل الشباب والناس وجعلهم يشعرون بالانتماء الحزبي الوطني. والمضحك المحزن الذي آلت إليه الفصائل هو بحث قياداتها عن المناصب، فتجد الشخص الواحد يقوم بدور المدير في الحزب وليس أمينا عاما لدرجة ان هذا المدير هو نفسه الذي يريد ان يشغل كل المناصب وجعل الكل يعمل تحت أمرته وهذا أمر محزن».
أما عودة ناصر من بيت لحم فقال لـ «القدس العربي» أن الأحزاب السياسية في الأراضي المحتلة أصبحت تأخذ منحى جديدا وهو الابتعاد عن وطنيتها التي جاءت من أجلها لصالح أهداف ضيقة لا تمت بصلة للمصلحة العامة «فعندما أصبحنا نرى أحزابنا تتقاتل بين بعضها من أجل الوصول إلى الكراسي والمناصب فإننا لا بد أن ندرك أننا وصلنا لمرحلة جديدة في تاريخ أحزابنا. فتحرير فلسطين أصبح يبتعد كل البعد عن الهدف الرئيسي لكل فصيل على حساب أمور أخرى نراها ولا تحتاج إلى كلام. وقد استطاعت دولة الاحتلال اسقاط البندقية من يد الثائر الفلسطيني في كل حزب ولم يبق لأحزابنا سوى الاحتفال في ذكرى انطلاقاتها وتشييع جثامين مناصريها وأخيراً ممارسة لعبة تحت مسمى (الانتخابات) لقمع وتهميش منتقديها بأبشع الطرق والوسائل».
ومع ذلك يأمل كل فلسطيني شريف أن تعود المياه إلى مجاريها فنحن لا نريد أن يولد شعب يقاتل بأسم الحزب فالغاية دائما وأبدا هي الوطن، والحزب يبقى الوسيلة للوصول إلى هذا الهدف وغير ذلك لن يكون سوى تضييع ومحي تاريخ وطن كامل دفع ثمنه شهداء بالمئات بل بالآلاف.
ويعتقد الصحافي ايهاب الجريري من رام الله ان الأحزاب الفلسطينية وصلت إلى مسار مسدود، فلا هي قادرة على إيجاد صيغة لإعادة ترتيب العلاقات الفلسطينية الداخلية ولا هي قادرة على تحفيز المجتمع لحراك وطني شعبي حقيقي ومتواصل ضد الاحتلال وبالتالي فانها نظريا فقدت مسوغات وجودها الفعلي. ولولا تاريخها لما تبقى منها الآن سوى الأسم. ورغم ان الأحزاب ضرورة لأي شعب يرزح تحت الاحتلال كما هي كذلك لأي شعب حيوي ويريد ان يعيش نظاما سياسيا ديمقراطيا، إلا ان الشعب الفلسطيني يحتاج فعليا لأحزاب جديدة غير متمترسة خلف مواقعها ومكتسباتها وغير مرتبطة بشبكات المصالح الإقليمية والدولية. لا أعتقد أنني أنتظر منها الكثير لان الشعب الفلسطيني فقد ثقته بقدرة تلك الأحزاب على انجاز التحرر والاستقلال وبناء دولة فلسطينية مستقلة.
لكن معين شديد من طولكرم ما زال يعتقد ان الفصائل الفلسطينية لعبت دورا هاما منذ الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية عام 67 وبقي هذا الدور الهام حتى جاء اتفاق أوسلو ومنذ ذلك الوقت بدأ هذا الدور بالاضمحلال والتلاشي. ورغم ان نسبة المنتمين لفصائل العمل الفلسطيني من بين أبناء الشعب قليلة جدا ولا تتجاوز الـ 15 في المئة استنادا لعدة نتائج احصائية قامت بها معاهد الاحصاء في الأراضي الفلسطينية، فقد كان صوت هذه الفصائل مسموعا ومؤثرا في الشارع وربما إلى درجة رسم سياسات عديدة.
لكن اليوم وللأسف يقول شديد، بات دور الفصائل الفلسطينية محصورا في بيانات تأييد وشجب واستنكار وربما التفاعل مع القضايا الخارجية أكثر من الاهتمام بالقضايا المحلية بل والمصيرية. فعدد من الفصائل تربط مواقفها بمواقف دول إقليمية وربما عالمية وبالتالي انعكس هذا الواقع على مدى تأثيرها على الشارع وفي الأمور الداخلية.
ويحسب ضد الفصائل الفلسطينية ابتعادها عن الجماهير وفئة المهمشين في فلسطين غير مدركة ان العالم يتطور ويتغير وان عهد كن فيكون ولى إلى غير رجعة، فنظرة تأمل في صور المشاركين في المسيرات الشعبية في مختلف المدن وفي الاعتصامات وخاصة التضامنية مع الأسرى، مثلا نرى ان الوجوه هي ذاتها في كل مناسبة يتم الدعوة إليها، كما ان الانتخابات للهيئات المحلية التي كان من المقرر ان تجرى في الثامن من الشهر الجاري أشرت على مدى ضعف فصائل العمل الوطني في اختيار ممثليها إلى المجالس المحلية فكان القرار في النهاية للعائلات ورأس المال الذي حدد واختار المرشحين في الكثير من المناطق وحتى ان المتحدثين عبر وسائل الإعلام هم ذاتهم ومواقفهم السياسية معروفة للجميع قبل ان يدلوا بأي تصريح.
ويعتبر شديد أن الأخطر في واقع الفصائل الفلسطينية هو ابعادها للقيادات الشابة وعدم السماح لها بالوصول لمواقع قيادية إلا نادرا وهذا ما يمكن ادراكه من خلال معدل أعمار مسؤولي الفصائل، والأمر ينطبق على مدى ادماج المرأة في المواقع القيادية لهذه الفصائل. وأيضا لفشل عملية السلام أثر كبير في الواقع المرير للفصائل الفلسطينية، فغالبيتها فشلت في اقناع الشارع بأهمية عملية السلام وفشلها جراء التعنت والمماطلة الإسرائيلية في تنفيذ الاتفاقيات الموقعة والأمر ينطبق على فصائل المقاومة ما خلق حالة من الاحباط واليأس في صفوف أبناء الشعب. اعتقد أن الحل هو العودة للناس والاهتمام بهمومهم والتقرب منهم وتقييم المرحلة السابقة واستخلاص العبر هو الأساس في إعادة الهيبة والواقع الجميل للفصائل في الساحة الفلسطينية المريضة أصلا. للعلم فان ختم أصغر تنظيم فلسطيني في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي كان يهز الأرض المحتلة وربما عواصم عربية.
وكانت رولا سرحان رئيسة تحرير صحيفة «الحدث» المحلية أكثر وضوحاً في الوصف أن الفصائل والأحزاب الفلسطينية تعاني من حالة مستمرة من التكلس والانفصال عن أطرها وقواعدها والمجتمع وقضاياه وأولوياته ومشاكله، التي بات دورها فيه هامشيا. بالتالي، ما عادت تحوز على ثقة المجتمع ولا الأفراد وبات لا يعول عليها في الانتصار لقضايا مجتمعية مهمة. كما تسبب غياب التداول الديمقراطي في قيادة الأحزاب وتهميش الشباب وتجاهلهم في تدمير البنية التنظيمية للأحزاب فباتت هناك تنظيمات مهترئة وأخرى لا وجود لها على أرض الواقع. هذا إلى جانب انشغال القيادات بمصالحهم الخاصة ومنحها الأولوية على حساب مصلحة الحزب.
كما ان سيطرة عقليات المحاصصة وبالتالي سهولة التحكم فيها من خلال مصادر التمويل والتي تشكل عامل ضغط تجاه أي موقف يمكن أن تتخذه الفصائل. وهي مسألة باتت متجذرة في موضوع الأحزاب الفلسطينية التي أصبحت رهينة الواقع الحالي وهذا يحتاج إلى إصلاحات حقيقية تبدأ بإعادة إحياء تلك الأحزاب من خلال مراجعات جدية لخطابها وبرنامجها السياسي ومن خلال عملية ديمقراطية داخل كل حزب تتيح المجال لمشاركة الشباب في عمليات الإصلاحات الحزبية ومنحهم دورا أكبر في قيادتها. وهو لا يتم بسهولة وبسرعة بحسب سرحان بل يحتاج إلى فترة طويلة ليستعيد المواطنون ثقتهم في الفصائل والأحزاب وإلى ذلك الحين لا يعول ولا ينتظر الكثير من الأحزاب والفصائل الفلسطينية.

الشارع الفلسطيني فقد الثقة في قدرة الفصائل على انجاز التحرر وبناء الدولة

فادي أبو سعدى

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية