تراجع مستوى الحريات العامة وانتهاكات متزايدة لحقوق الإنسان وحدود ملتهبة على أكثر من جبهة

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: أبرزت الصحف المصرية الصادرة أمس الاثنين 10 أكتوبر/تشرين الأول كلمة الرئيس السيسي أمام المؤتمر الذي أقامه مجلس النواب بمناسبة مرور مئة وخمسين سنة على بدء الحياة النيابية في مصر، بحضور وفود من عشرات الدول والمجالس، وكذلك سفره إلى السودان للمشاركة في أعمال الجلسة الختامية لمؤتمر الحوار الوطني السوداني، الذي يشارك فيه عدد من رؤساء الدول الأفريقية وممثلين عن منظمات دولية وإقليمية.
ورغم كثرة المقالات عن البيانات التي أصدرتها سفارات أمريكا وكندا وبريطانيا لرعاياها بالابتعاد عن الأماكن المزدحمة يوم الأحد واتهامها بالتأمر وعدم حدوث أي شيء فإنها لم تجتذب الاهتمامات، إنما الذي اجتذبت اهتمام الأغلبية كان الارتفاعات في الأسعار ونقص السلع خاصة السكر وأنابيب البوتاجاز.
وقد أخبرنا زميلنا وصديقنا الرسام الموهوب في «المصري اليوم» عمرو سليم أمس أنه شاهد سيدة تناول أنبوبة بوتاجاز لجارتها وتقول لها:
ـ أنبوبة البوتاجاز أهه هاتي بقي كيسين السكر اللي حتبادليني بيهم.
ونشرت الصحف أن الشرطة داهمت مخازن عدد من التجار الذين يخبئون السكر لرفع سعره، كما أعلنت الحكومة أنها طرحت كميات كبيرة منه في المجمعات الاستهلاكية. وبالإضافة لأزمات السلع التموينية فقد اهتمت الأغلبية بفوز منتخب مصر لكرة القدم على الكونغو في تصفيات كأس العالم، التي ستجري في روسيا بعد عامين. بعد ذلك اهتمت كل فئة بما يهم مصالحها فالعاملون في السياحة اهتموا بإعلان روسيا استئناف إرسال السائحين أول العام المقبل أو قبله. والأمهات اهتممن بوصول الشحنة الثانية من حليب الأطفال الذي استورده الجيش وسرعة توزيعها على الصيدليات ومكتوب على كل علبة لا تدفع أكثر من ثلاثين جنيها. ومرضى الكبد مرتاحون لاستمرار الدولة في علاجهم بالأدوية الجديدة. وانزعاج المصابين بأمراض القلب والسكر والتجلط بسبب إعلان وزارة الصحة نقص الأدوية الخاصة بأمراضهم. أما أهالي محافظة البحر الأحمر فاهتموا بقرب افتتاح أعمال التجديد والتطوير الذي قامت بها الهيئة الهندسية للجيش لميناء صفاجة، الذي يواجه ميناء سفاجا السعودي، وما سيؤدي إليه ذلك من انتعاش التجارة مع السعودية والدول الأخرى التي سوف تستخدمه. أما عن السياسة فقد بات واضحا أن المصريين طلقوها بالثلاث حتى الآن. وإلى ما عندنا….

رجال مبارك

ونبدأ بالمعارك حول الرئيس مبارك ورجاله المستمرة في الاشتعال، للدرجة التي يتصور فيها البعض أنهم يستعدون إما للحكم أو المشاركة فيه، بسبب مقال أحمد عز في «المصري اليوم» وأحاديث وزير المالية خفيف الظل الدكتور يوسف بطرس غالي عن أنه تتم استشارته في الوضع الاقتصادي الحالي، وتصريحات أخرى بأنه لن يبخل بأي مشورة مطلوبة منه وكذلك بسبب ذكرى حرب أكتوبر/تشرين الأول، فقال عنه الخبير الإعلامي ياسر عبد العزيز يوم الأحد في «الوطن»: «في اعتقادي أيضا أن مبارك لم يكن أسوأ من حكم مصر على مدى تاريخها الغارق في فساد الحكم واستبداده، وأن «أكتوبر» لحظة إشراق زاهرة في مسيرة خدمته تُحسب له، وأن دأبه وانتظامه في الخدمة العامة جديران بالإعجاب، وأنه تمتع أيضا بثبات ومجالدة نادرين وأن احترامه للمؤسسات الوطنية ومثوله مع نجليه أمام القضاء ورفضه الهرب من مصر، واتزانه في مخاطبة العموم بل وأيضاً بقاءه حياً حتى تلك اللحظة، كلها أمور تستحق الإعجاب. وفي المقابل يبدو لي مبارك مسؤولاً تماماً عن ضياع فرصة تاريخية على هذا البلد وأنه «جرف الحجر والبشر» بدأب وإرادة وأرسى دعائم للفساد أعتى من تلك التي بُنيت بها الأهرامات. والأخطر من ذلك والأفدح ثمناً أنه أورثنا تركة «خربة» مادياً وإنسانياً تركتنا نرجو الإصلاح ولا نقدر عليه وجردت الغالبية فينا من قيم وسمات لا تُرجى لأمة مكانة بغيرها كما زرع البلادة وبدد الأمل».

مبارك ويناير

وفي العدد نفسه من «الوطن» قال مستشار الجريدة وأستاذ الإعلام في جامعة القاهرة الدكتور محمود خليل في عموده اليومي «وطنطن»: « ما إن يذكر «مبارك» حتى تُلعن ثورة يناير/كانون الثاني، وما إن تذكر يناير حتى يُهاجم مبارك. الأمر طبيعي جداً. فثورة يناير هي التي أسقطت مبارك من فوق عرشه، وأحبطت حلم التوريث لنجله، وعرت الغطاء عن حالة التحلل التي أصابت الدولة المصرية خلال ثلاثين عاماً من حكمه. ثورة يناير هي التي أدخلت مبارك القفص ليُحاكم بتهمة قتل المتظاهرين، ليُحكم عليه بالبراءة بعد ذلك، وهي التي ساقته لمحاكمة أخرى بتهمة الفساد المالي في قضية القصور الرئاسية، شاركه فيها نجلاه جمال وعلاء، ودمغ فيها القضاء الثلاثة بالفساد وحكم عليهم بالسجن، ورد ما استولوا عليه من أموال بغير وجه حق، بحكم قطعي بات. «يناير» هي التي جعلت مبارك ونجليه يتباهون اليوم بصور يلتقطونها مع مواطنين عاديين، صور تثير الشفقة في الكثير من الأحيان، بعد سنين طويلة قضاها الثلاثة تحت شعار «ممنوع الاقتراب والتصوير»، وهو مبدأ كان مطبقاً على أكبر الكبار في هذا البلد. على صخرة ثورة يناير تحطم غرور هؤلاء، حين قال الشعب كلمته.
الموضوعية تقتضى ألا نهيل التراب على مشاركة مبارك في حرب أكتوبر/تشرين الأول المجيدة، شأنه في ذلك شأن قادة كبار شاركوا فيها، على رأسهم المشير أحمد إسماعيل علي، والفريق سعد الدين الشاذلي، والفريق أحمد بدوي، والفريق محمد علي فهمي، لكن الموضوعية تقتضي أيضاً أن نحسم ما يتردد عن قيام مبارك بتزوير التاريخ، بتركيب صورته إلى جوار صورة السادات، ليضع نفسه مكان الفريق الشاذلي، وتقتضي الموضوعية أيضاً أن يوضع كل من شارك في هذه الحرب في حجمه الطبيعي، طبقاً للأدوار التي قام بها، ولعلك تذكر السنين الطويلة التى اختزلت فيها الحرب المجيدة في الضربة الجوية، وكأن العبور لم يكن قرار السادات، وخطته لم تكن من إبداع المشير إسماعيل، والدفاع عن السويس لم يكن مهمة الفريق بدوي والتحرك على الأرض لم يكن مهمة الفريق الشاذلي، والتحرك في السماء مهمة فهمي. وقبل هذا وذاك تقتضى الموضوعية ألا ننسى ونحن نتحدث عن مبارك كواحد من الذين شاركوا في حرب أكتوبر، أن نذكر أيضاً أنه أول رئيس يحاكمه شعبه، وأن القضاء حكم عليه بشكل نهائي بأنه حرامي».

استلهام العبر

أما في «الأسبوع» التي تصدر كل يوم اثنين فقال زميلنا محمد السيسي في عموده «الآخر»: «علينا أن نضع حدا فاصلا بين اللواء محمد حسني مبارك قائد القوات الجوية في حرب أكتوبر وما قبلها وبين مبارك الرئيس الذي فسد وأفسد أثناء فترة حكمه، وألا نخلط بين ما ارتكبه من موبقات كرئيس للجمهورية وكونه أحد قادة الحرب. علينا كذلك أن نستلهم العبرة مما جرى وأن ندرك أن كله سلف ودين، فمبارك يدفع الآن ثمن ما فعله مع الفريق سعد الدين الشاذلي رئيس أركان القوات المسلحة في حرب أكتوبر المجيدة، فقد استبعد مبارك الشاذلي من صورة هيئة عمليات حرب أكتوبر ووضع نفسه مكانه لينسب لنفسه دورا لم يقم به، بل يدفع ثمن ما فعله مع بقية قادة الحرب عندما نسب مبارك الفضل لنفسه فتحولت الحرب إلى مجرد طلعة جوية».

ثروة مبارك وأسرته

وإلى «اليوم السابع» التي نشرت أمس تحقيقا لزميلنا إبراهيم نصر عن ثروة مبارك وأسرته جاء فيه: «كشفت مصادر قضائية رفيعة المستوى أن خبراء الكسب غير المشروع أوشكوا على الانتهاء من إعداد آخر التقارير الخاصة بتقييم ثروة الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك وابنيه جمال وعلاء مبارك، سواء السائلة أو العقارية والمنقولة، والأسهم والسندات في البورصة والشركات، تمهيدا لرفعها إلى جهاز الكسب للتصرف فيها، إما بالإحالة إلى محكمة الجنايات أو الحفظ أو التصالح. وأوضحت المصادر أن خبراء الكسب بدأوا في حصر ثروة مبارك منذ عام 2011 وحتى الآن، وأرسلوا بالفعل أكثر من 43 تقريرا إلى الجهاز تضمنت امتلاك الأسرة أكثر من 35 مليار جنيه في الداخل فقط، وأشارت المصادر إلى أن تغيير القائمين على كتابة التقارير عن ثروة آل مبارك مرات عدة، وكذلك كبر حجم الثروة التي تمتلكها الأسرة، أديا لتأخر الانتهاء من التقارير، إلا أنه وبعد استعجالهم أكثر من مرة من قبل هيئة الفحص والتحقيق التي تباشر التحقيقات مع الرئيس الأسبق أوشك الخبراء على الانتهاء من عملهم. وأوضحت المصادر أنه لم يتبق لخبراء الكسب لإنهاء التقارير المطلوبة في قضية استغلال النفوذ وتضخم الثروة المتهم فيها مبارك وأبناه، إلا قضيتان إحداهما خاصة بالشق الهندسي المدني والحسابي والمتعلق بالممتلكات العقارية من فيلات وشاليهات وشقق سكنية وأخرى خاصة بالشق الزراعي وهو المتعلق بالمخالفات في إجراء تخصيص أراض وعقارات مملوكة للدولة بالمخالفة للقواعد علاوة على تقرير ثالث خاص بهيئة الرقابة الإدارية».

أزمة الدولة مع أحمد شفيق سياسية

وسأكتفي بهذا القدر اليوم ونكمل غدا إن شاء ربك الكريم، مع ملاحظة أن التحذيرات من خطورة ظهور رجال مبارك على النظام وتشكيل تهديد له، أو أنه يستعين بهم لحل الأزمات الاقتصادية، كما يدعي الدكتور يوسف بطرس غالي وزير المالية، وهو من مجموعة جمال مبارك غير صحيح بالمرة، إنما التهديد للنظام قد يأتي من عودة الفريق أحمد شفيق من الخارج وتقدمه لانتخابات الرئاسة ضد الرئيس السيسي. وهو ما أشار إليه زميلنا في «المقال» عمرو سعد يوم الأحد بقوله: «الدولة تدرك جيدا أنه حتى الآن وطالما لم يجد جديد على الساحة السياسية أو ظهور من يقدم نفسه مرشحا بديلا، فإن المنافس الوحيد والحقيقي للرئيس في الانتخابات المقبلة هو الفريق أحمد شفيق، وهنا المقصود بالمنافسة الحقيقية وليس مدى انطباق شروط الترشح القانونية والدستورية عليه، ولكن القدرة على تحقيق الفوز. عمليا لا ينازع السيسي على أنصاره في الداخل والخارج حتى الآن سوى أحمد شفيق، ووفق الحسابات العملية قد يكون هو الكارت الرابح بين مؤيدي السيسي حال انحصار المنافسة المقبلة بينهما، ومن ثم فإن الوقوف في وجه ترشحه أو مواجهة ترشحه بضربات استباقية سيكون على أجندة الدولة مبكرا، حال أن حسم الرجل قراره بشكل نهائي، هنا الأمر أبعد من منعه دخول مصر أو مجرد استهدافه إعلاميا، وهنا ينبغي القول أيضا إنه من الوهم تصور أن الدولة تستهدف شفيق لأنه كان جزءا من نظام مبارك، هذا ليس حقيقيا، وبعيدا عن الإدانة، بل بغرض التوضيح فلا أحد يستطيع إنكار أن الجزء الأكبر والرئيسي من التحالف الهش الحاكم، اليوم هو ينتمي إلى هذا النظام، الأمر الآخر هو أن شفيق لن ينافس السيسي بتحالف نقيض بتغيير آخر، شفيق لن تكون تحالفاته الخارجية والداخلية مناقضة لتحالفات السيسي التي بنى عليها شرعيته، ووطد بها حكمه، بل شفيق حتى اليوم هو المنازع الوحيد القادر على التأثير في تلك التحالفات، فمن المؤكد أن شفيق قادر على أن يكون مرشحا رئيسيا بشرائح من القطاعات الرئيسية التي دعمت السيسي ورغبت في مجيئه إلى الرئاسة، ولم يكن الأخير على مستوى طموحاتها، بل كان سببا في إحباطها بمنطق المصلحة العامة أو حتى الخاصة. صحيح أن الرئيس الحالي كان مرشح الضرورة قبل عام بالنسبة لهؤلاء، غير أن ترشحه لفترة تالية بالنسبة لهؤلاء أنفسهم يحمل اليوم أبعادا مختلفة عما سبق. إذن وباختصار أزمة الدولة مع أحمد شفيق هي أزمة سياسية في المقام الأول، وهي أن شفيق هو مشروع للحكم ينافس الرئيس انتخابيا وسياسيا، على أنصار وتحالف ضمني للحكم داخليا وخارجيا، هذا التحالف قادر على أن ينصبه رئيسا إن أجريت انتخابات رئاسية تنافسية عادلة، وهذا محددا في حال عدم ظهور مرشح ثالث قادر على التأثير في كتل تصويتية عائمة ومترددة ما بين الإصلاح والمحافظة، وجذب قطاعات شابة من الطبقة الوسطى المتعولمة العازفة عن المشهد خلال العامين الماضيين، وإلى أن يحدث هذا فلن تتخلى الدولة عن أزمتها مع شفيق طالما لم يتخل هو عن مشروعه بشكل نهائي».

رأي عام لم يستقر على شيء

والفريق شفيق له حزب جاهز هو الحركة الوطنية ولكن عمرو لم ينتبه إلى حقيقة حدوث تغييرات متلاحقة وغير متوقعة في اتجاهات الناس بحيث يصعب التنبؤ إلى أين ستتجه. صحيح أن الفارق بين شفيق ومحمد مرسي كان لا يتعدي سبعمئة ألف صوت، ولا يمكن التعويل على أنه لو ترشح سيحصل على ما حصل عليه، والدليل أن الثالث في الجولة الأولى من الانتخابات كان زميلنا وصديقنا حمدين صباحي، وحصل على ما يقرب من خمسة ملايين صوت، ولكن في المنافسة التي تمت بينه وبين السيسي في الانتخابات وصل ما حصل عليه من أصوات إلى ما يقرب من أكثر من سبعمئة ألف صوت، بل حتى مرسي وشفيق في الجولة الأولى لم يحصل أي منهما إلا على ما يقرب من خمسة ملايين صوت، أي أننا أمام رأي عام لم يستقر على شيء ويصعب على أي مراقب تحديد اتجاهاته وميوله شبه الثابتة.

معارك وردود

وإلى المعارك والردود ونبدأ مع زميلنا في «الجمهورية» عبدالناصر عبدالله الذي تعجبنا من أيام من أن يكون أسمه عبد الناصر ثم ينزع عن الزعيم الراحل جمال عبد الناصر صفة خالد الذكر ويخص بها السادات إلى أن اعتدل يوم الأحد وصحح موقفه بأن قال: «كان الزعماء المصريون – دائماً وأبداً – ملء السمع والبصر منذ عهد موحد القطرين – الملك مينا – وحتى قادة العصور الحديثة، وإن كان أبرزهم محمد علي باني مصر الحديثة، والزعيم خالد الذكر جمال عبدالناصر الذي خطا بمصر من مستنقع الملكية الفاسدة فكانت الثورة المباركة في 23 يوليو/تموز 1952 التي أنقذت مصر وبدأت مصر معها عهداً جديداً عهد النهضة في كل مناحي الحياة. وكان عبدالناصر – بالفعل – جديراً بأن يكون هو القدوة والقائد الذي يلتف حوله الجميع، عاشت مصر بعد عصر جمال عبدالناصر الحقبة الساداتية التي كانت في معظمها إعداداً واستعداداً لخوض معركة استرداد الكرامة العربية بعد الهزيمة في 67 حقاً عبدالناصر والسادات هما زعيمان خالدان».

جريمة اختفاء السلع

وثاني المعارك ستكون من نصيب زميلنا في «اليوم السابع» دندراوي الهواري الذي أبدى أمس الاثنين غضبه من جريمة اختفاء السلع الأساسية: « اختفاء السكر، والأرز والزيت والسمن من المناطق الشعبية والعشوائيات، في الوقت الذي تتوافر فيه السلع نفسها في المناطق الراقية، وتحديدا في القاهرة والجيزة والقليوبية والإسكندرية. لا يمكن للدولة أن تترك الحبل على الغارب للتجار الجشعين والمفسدين وللجماعات المتطرفة تسيطر على الأسواق وتتحكم في السلع الاستراتيجية وأسعارها، وهي ترتضي بدور المتفرج، وتجتمع خلف ستائر المكاتب الوثيرة تبحث وتناقش كيف تخفض الأسعار، مع أن الحل سهل ويسير، تشديد قبضة رقابة الدولة، وتفعيل القانون بكل قوة وحسم، من خلال كل الأجهزة الرقابية في هذا الوطن، ولا تترك لبعض أمناء الشرطة ومفتشي التموين الذين نحوا ضمائرهم جانبا، ويبحثون عن مصالحهم الشخصية، التحكم في ملف مراقبة الأسواق. مطلوب من كل الأجهزة الرقابية، أن تضاعف حملاتها للتفتيش في المخازن المكدسة بالسلع التموينية المدعمة، ومعظم هذه المخازن تحت سمع وبصر الأجهزة الرقابية المختلفة، وللأسف هناك غض الطرف عنها، وغياب تام لإرادة حل المشكلة من جذورها، والقضاء على المفسدين والمحتكرين، وقطع يد كل من تسول له نفسه اللعب بأقوات الشعب… ونحن في هذه الظروف الصعبة، والوضع الاقتصادي المتردي والسيئ، جدير بالحكومة، ومن خلفها كل أجهزتها الرسمية، أن تضع مراقبة الأسواق بكل قوة، على قمة فقه أولوياتها، ولا تترك للمتلاعبين والمحتكرين والمفسدين من السيطرة والتحكم في الغلابة وجلدهم وحرقهم بنار ارتفاع الأسعار الدائم من دون رحمة… الوضع خطير، ومساحات التلاعب بأقوات الناس في زيادة كبيرة للغاية، وأكبر من سقف خيال الأجهزة ومؤسسات الدولة الرسمية، ولا يمكن لها أن تضع يدها على خدها منتظرة الفرج أن يفيض من السماء، ولكن عليها التحرك سريعا، والآن قبل غد، وأمس قبل اليوم، لكبح جماح المحتكرين والمفسدين».

« السكر غلي وأنا أحلي بأيه؟»

بينما قال زميلنا في «الأخبار» أحمد جلال في بروازه اليومي «صباح جديد» ساخرا:
«زمان كنا نردد الأغنية الشعبية السكر غلي وأنا أحلي بإيه؟ ويبدو أن سبب هذه الأغنية كان ارتفاع السعر قرشا أو قرشين، لكن في هذه الظروف لم تعد هذه الأغنية تصلح لذلك أنصح بتغييرها، لأن السكر أساسا مش موجود وأصبح مثل الدولار لن تجده إلا في السوق السوداء وبالسعر الذي يفرضه التاجر. وعرفت أن المسؤولين نجحوا في التدخل لحل الأزمة للتغيير لتكون، السكر مش موجود بلاش نحلي خالص والقهوة حتبقى سادة والعيشة مرة خالص!».

ظلام الجهل

أما زميله خالد رزق فقال في العدد نفسه من «الأخبار»: «الحق أنه لا يجوز أن يعاني المصري شظف العيش وظلام الجهل وقسوة المرض في زمن عنوانه التقدم العلمي، الذي يحقق الرفاهية لشعوب الدنيا لاسيما وقد مضى على ثورته العظمى الأولى في يوليو/تموز 1952 قرابة الخمسة والستين عاماً، التي سجل بعدها رغم الحروب ومؤامرات القوى الكبرى حتي نهاية الستينيات محاولات حقيقية للنهوض بالبشر والتنمية الشاملة.. وهي المحاولات والمساعي التي أوقفت بحلول زمن الانفتاح والنكبة الكبرى التي حلت بنا وأقامت في وادينا لأكثر من ثلاثين عاماً بوصول المخلوع حسني مبارك للحكم، بكل ما اقترفه ورجاله وأعوانه في حق هذا الشعب من جرائم متعمدة استهدفت إفقاره وتجهيله وإمراضه، والأخطر الـتأسيس للفساد الرسمي والعام كمنهج نظام عمد إلى تشجيع الانحراف، وتأصيل مذاهب هدر ونهب الحقوق وسمح للعشوائية أن تجتاح مدننا وقرانا ليخلق بذلك مجتمعاً منحطاً في كل شيء حتى في ممارسة الشعائر الدينية. تحتاج مصر إن أردنا لها تطوراً حقيقياً.. إلى مواجهات سريعة عاجلة مباشرة للقضايا الأخطر وهي البطالة والسبيل الحاسم الذي لا يحتاج شروحاً للحد منها هو إنشاء وإعادة تشغيل المصانع كثيفة العمالة والتعليم والصحة والإسكان وهذه كلها لها حلول مطروحة منذ عقود، أما الجهالة التي هي أشد من الجهل وانهيار الذوق العام وهي مهام تنويرية اجتماعية لا حل لها إلا ببرامج عمل ميدانية مكثفة تقودها المؤسسات الدينية والثقافية والإعلامية.. بهذا فقط نفرج عن ناس مصر، ونفتح أمامهم أبواب إعمال العقل والابتكار، لنعطي الدنيا مقابل ما نأخذ».

العناد لن يفيد

وإلى معركة أخرى في اليوم نفسه لزميلنا وصديقنا عماد الدين حسين رئيس تحرير «الشروق» الذي حذر النظام من التمادي في سياساته الحالية في رفع الأسعار وما يمكن أن تؤدي إليه من انفجار شعبي وقال في عموده اليومي «علامة تعجب»: «العناد لن يفيد وليس عيبا على النظام السياسي أن يتراجع عن بعض السياسات أو الأفكار والإجراءات والآليات مادام ذلك سوف يصب في النهاية في مصلحته الشخصية، والأهم في مصلحة البلد بأكمله. أحوال الناس المعيشية وصلت إلى مرحلة صعبة وغالبية المواطنين تشكو من ارتفاع الأسعار، ويفترض أن المرحلة المقبلة سوف تشهد موجة ربما غير مسبوقة من ارتفاعات أخرى، بعد رفع أسعار الوقود خصوصا السولار والتخفيض الجزئى للجنيه، وإذا حدث ذلك فهناك احتمالات كثيرة بموجات من احتجاجات اجتماعية ضخمة، في الوقت نفسه هناك صعوبات أخرى كثيرة أهمها تراجع مستوى الحريات العامة وانتهاكات متزايدة لحقوق الإنسان والأخطر منطقة مضطربة بصورة غير مسبوقة وحدود ملتهبة على أكثر من جبهة، خصوصا في الشرق والغرب وما يزيد الأمر سوءا حيرة الحكومة وارتباكها في موضوع تيران وصنافير. كل هذه الخلطة هي وصفة مثالية للانفجار ــ لا قدر الله ــ وبالتالي فالعقل يحتم على الحكومة والنظام السياسي أن يبحث عن حلفاء حقيقيين، وليس خسارتهم، بل يحاول قدر المستطاع تحييد الخصوم والأعداء.
لو كنت مكان الحكومة لسارعت ودعوت كل رموز وقوى وأحزاب 30 يونيو/حزيران أو حتى أغلبهم، وأي قوى سياسية أخرى لبحث كيفية الخروج من الأزمة الراهنة. وأن تعلن أن النقاش والحوار مفتوح لكل من يؤمن بالقانون والدستور والدولة المدنية. مرة أخرى الوقت لم ينفد بعد، وكثيرون من القوى والشخصيات السياسية مستعدون لمساعدة الحكومة والنظام، لكن بشرط وحيد أن تكون الحكومة تريد أن تساعد نفسها».

مافيا الفساد

وإلى الفساد الذي ملأ الأرض والبحر معا فبعد كارثة غرق المركب «موكب الرسول» أمام رشيد وهو ينقل المئات من المهاجرين غير الشرعيين بدأت الشرطة في القبض على سماسرة الهجرة غير الشرعية، وفي الوقت ذاته استمرار الفساد في الأرض يخرج لسانه للجميع بدون خوف رغم الإجراءات التي تتخذها الدولة، ما دفع زميلنا وصديقنا في «الأخبار» رئيس المجلس الأعلي للصحافة جلال عارف إلى أن يقول عنه أمس الاثنين في عموده اليومي «في الصميم»: «في دولة تمر بحالة حرب لا يمكن أن يترك القمح في أيدي هذه المافيا التي أظهرت الأحداث الأخيرة «‬رأس الجبل» فقط من فسادها الهائل الذي سيظل يواصل تخريبه لاقتصاد الدولة ونهبه للمال العام، إذا لم تكن هناك إجراءات حاسمة. وفي دولة تمر بحالة حرب لا يمكن أن يكون ما ننتجه من الأرز يزيد على حاجتنا بأكثر من مليون طن، ثم نجد الأزمة التي يعاني منها المواطنون لأن حيتان السوق ورؤوس الفساد يقومون بتخزين المحصول أو تهريبه للخارج للاستفادة من الأرباح الطائلة بعد ارتفاع سعر الدولار، بدون نظر لمصلحة وطنية أو تقدير للظروف التي تمر بها دولة تقاتل على كل الجبهات. والشيء نفسه يقال في اختفاء السكر الذي كانت شركات القطاع تشكو من تكدسه في مخازنها بعد فتح سوق الاستيراد على البحري لتتم – بعد ذلك- السيطرة على السوق وتحكم عصابات السكر في الأسعار وفي خلق الأزمات تلو الأزمات في ظروف لا تتحمل كل هذا العبث».

«حتى نفاد الكمية»

وفي «جمهورية» أمس الاثنين أيضا سخر زميلنا السيد نعيم في مقاله من الدعوة التي أطلقها الإعلامي عمرو أديب من خلال برنامجه على قناة «أون تي في» للتجار ورجال الأعمال إلى القيام بمبادرة بتخفيض الأسعار بنسبة 20٪ فقال نعيم ساخرا منه ومن التجار الذين أعلنوا عن التخفيض: «لن تفلح المبادرات الفردية التي تحمل شعارات رنانة مثل مبادرة عمرو أديب «الشعب يأمر» التي يصرخ بأعلى صوته كل ليلة ليروج لها ويدعو السلاسل التجارية للمشاركة فيها،- ورغم استجابة العديد مكن أصحاب الشركات الغذائية والتجارية والخدمية للمبادرة بتخفيض أسعار السلع بنسبة 25٪ تحت شعار رفع المعاناة عن المواطن المصري ومواجهة ارتفاع الأسعار فإنها تظل فردية ومحدودة ذلك لأن تلك السلاسل ليست موجودة في كل المناطق، بل يظل عددها محدود للغاية وفي أماكن ومناطق معينة تبعد كثيرا عن الأغلبية العظمى من المواطنين. كما أن هذه السلاسل إذا وضعت داخلها سلع معينة مخفضة السعر تظل رافعة شعار «حتى نفاد الكمية»، وسرعان ما تنفد الكميات بعد يوم أو يومين نظرا للإقبال الشديد على شرائها من جانب المواطنين. هناك حقيقة أخرى قد لا يدركها الناس أو الأخ أديب صاحب المبادرة وهي أن السلع المخفضة التي عرضتها تلك السلاسل التجارية تعرضها بأسعارها الحقيقية قبل شهرين من الإعلان وقبل أن ترتفع الأسعار، أي أن تلك السلاسل لن تخسر شيئا في كل الأحوال فقد باعها بدعوى المساهمة في المبادرة بأرباح ومكاسب تلك السلع نفسها قبل شهرين. مَنْ يضحك على مَنْ؟ ومَنْ يصدق مَنْ؟ في كل الأحوال تقف وزارة التموين حائرة تبحث عن مخرج فلدى وزيرها الجديد كم هائل من المشاكل والأزمات بالإضافة إلى مواجهة الفاسدين ومحتكري السلع الغذائية وهي في كل الأحوال مهمة صعبة ولكنها حيوية لانها متعلقة بمطالب واحتياجات المواطنين في مجال الغذاء».

مسرحية «ليلة من ألف ليلة» والسفير الإسرائيلي

وأمس أيضا أخذنا زميلنا في «الأخبار» عاطف النمر المشرف على صفحة «مسرح» إلى قضية مختلفة في عموده «إضاءات» وهي حضور السفير الإسرائيلي عرض مسرحية «ليلة من ألف ليلة وليلة» على المسرح القومي مساء السادس من اكتوبر/تشرين الأول ذكرى الحرب، وقال عاطف إن الفنان يوسف إسماعيل مدير فرقة المسرح ضبط أعصابه ولم يستقبل السفير ولم يدعه لمكتبه وأضاف عاطف: «مجيء السفير الإسرائيلي ومن معه لمشاهدة عرض ليلة من ألف ليلة وليلة في المسرح القومي مساء السادس من أكتوبر اختيار مقصود لم يأت اعتباطا، فالدولة كلها تحتفل في هذا اليوم بالذكرى الـ43 لانتصارات حرب أكتوبر المجيدة ويشارك في بطولة العرض إلى جوار يحيى الفخراني الفنان لطفي لبيب أحد أبطال حرب أكتوبر الذي أصدر كتابا مهما عن تلك الحرب. لو كان أبطال العرض قرروا عدم تقديم المسرحية فور علمهم بوجود السفير الإسرائيلي لكانوا قد أخطأوا في حق الجمهور الذي جاء مساء السادس من اكتوبر للاحتفال بنصر جيشهم العظيم على العدو المغتصب لسيناء بالقوة وتطهيرها منه. السفير الإسرائيلي في ظني كان يتمنى أن ينفعل نجوم العرض لوجوده المستفز بالنسبة لهم ويسدلوا الستار على المسرحية لتخرج الصحافة الإسرائيلية والصحف العالمية الموالية لها في الغرب لتصور الأمر سياسيا بموقف عدائي من وزارة الثقافة والحكومة المصرية والنظام ضد إسرائيل وسفيرها ومن معه».

تراجع مستوى الحريات العامة وانتهاكات متزايدة لحقوق الإنسان وحدود ملتهبة على أكثر من جبهة

حسنين كروم

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية