ثلاثة أفلام حذفت من جدول عروض «مهرجان بيروت الدولي السينمائي» الأخير، «شارع زايندا» للمخرج الإيراني المعارض محسن مخملباف، «أمور شخصية» للمخرجة الفلسطينية مهى حاج وفيه تستلهم المخرجة تجربتها كعربية تحمل الجنسية الإسرائيلية، و«كأس العالم» للمخرجين السوريين المعارضين محمد وأحمد ملص.
الجهة المخولة بالرقابة والمنع في لبنان، بلد الحريات، عادةً هي «الأمن العام»، ولكن بالنظر إلى عناوين تلك الأفلام وهويات أصحابها سنعرف جيداً من هو صاحب القرار الحقيقي، من الجهة التي يحلو لها التنكيل بالمعارضين الإيرانيين والسوريين ودائماً تحت يافطة معاداة إسرائيل.
مخملباف معارض إيراني معروف، أما عن فيلم مها الحاج فكل ما يأتي من أراضي الـ 48 مشكوك فيه، إذ أن صاحب العمل هو حتماً ممن فرضت عليه الجنسية الإسرائيلية، وكذلك لا يخلو أن تجد الرقابة جهة ما إسرائيلية لها يد في الفيلم، فكيف ينجو من يعيش هناك من فاتورة كهرباء عليها ختم إسرائيلي، وهذا في أضعف الحالات.
أما بخصوص الفيلم السوري، فعدا عن أن صنّاعه من المعارضين للنظام، وأن الفيلم كذلك يصوّر جانباً من معارضة النظام، فقد كانت كافية لقطة لتودي به إلى المنع، حين يظهر زعيم «حزب الله»، حسن نصر الله، وزعيم «داعش» في كادر واحد، كأنما للقول إنهما وجهان لعملة واحدة، كي يمنع الفيلم برمته.
هذه رقابة أجهزة لم تنتصر بعد، إنها تقيم رقابتها وهي على ما هي عليه من تشتت في الجهود والإمكانيات والجبهات، فكيف إذا قيض لها أن تستريح على عرش النصر.
رقابة مبكرة
رقابة «حزب الله» لا تنشغل فقط بعظائم الأمور، فهي قد درّبت نفسها جيداً أيام السلم. من يصدّق أن رقابته كانت فاعلة في سوريا حتى قبل أن تقوم القيامة في ذلك البلد. ما يعني أن الذهاب إلى سوريا جاء قبيل ذريعة «حماية المقامات الدينية».
لقد شاهدت بأم العين رقيب «حزب الله» في أحد المسلسلات التلفزيونية وهو يضع كرسيه تماماً إلى جانب المخرج، ليرفع عصاه كلما خرج ممثل عن النص، أو كلما فلت ثوب أو زر قميص. كان ذلك هو المخرج باسل الخطيب، الذي وضع على الصراط المستقيم من تلك الأيام، فلم يحد، ولم يشكّل أي خرق في مستقبل مرسوم بعناية.
أيقونة فلسطينية على شاشة مصرية
استضاف المذيع المصري وائل الإبراشي في برنامجه «العاشرة مساءً» المذاع على قناة «دريم» والد الشهيد الطفل محمد الدرة (الطفل الفلسطيني الأيقونة الذي استشهد برصاص الإسرائيليين وهو في حضن والده، أمام كاميرات العالم).
في سؤاله الأول، الإيحائي والمديد، ظهرت محاولة الإبراشي في دفع ضيفه، في مداخلة عبر الهاتف، إلى أجوبة محددة، قال المذيع «عندي إحساس بأن عندك استياء شديد مما حدث في جنازة شمعون بيريز.. بعض المسؤولين الفلسطينيين الذين ربما بعضهم بكى، هل تألمتَ من ذلك؟».
وطبعاً سيأتي جواب جمال الدرة ساخطاً على المسؤولين الفلسطينيين، ليضيف أسباباً أخرى للاستياء، من بينها أن أحداً لم يسانده في دعواه ضد الإسرائيليين في المحاكم الفرنسية، وكان على وشك أن يربح، على ما يقول، ومن بينها أيضاً أن أحداً لم يساعده في العلاج من رصاصات استقرت في جسده يوم استشهاد ابنه.
ولأنها «سيرة وانفتحت»، والسخط دائر، قال الإبراشي لنفسه لماذا لا يلقي أيضاً باسم «حماس» على الهواء، فلعل ضيفه يصيبها بشيء من السخط كذلك. وكان لا بد للإبراشي أن يختم بكلام مكرور عن التخاذل العربي وخلافه.
لن نطالب الإبراشي طبعاً أن يتحدث عن المتخاذلين المتواطئين في حصار الفلسطينيين وفي إغلاق المعابر، لكن كان أجدى لو ذهبت الكاميرا إلى عالم عائلة محمد الدرة لترى بأم العين كيف تكمل عائلة أحد أشهر أيقونات الفلسطينيين حياتها، لتلتقط تفاصيل حياة، من دون كلام كبير، وسخط لا يفيد، ولا توظيف سياسي. لكنه الإبراشي.
ماراثون الألوان
الانقسام السوري ليس جغرافيا وحسب، بإمكان الصور أيضاً أن تشكّل سوريتين اثنتين، انظروا إلى تلك الصور المقبلة من دمشق، وبالتحديد من «ماراثون الألوان» الذي انعقد منذ أيام في ساحة الأمويين، حيث تراشق الشبان والصبايا بشتى الألوان فملأوا دنيا مواقع التواصل الإجتماعي بالصور.
سوريا الأخرى لم تفوّت الفرصة في استثمار الصور الدمشقية ولصقها بجوار صور ضحايا البراميل والقصف الروسي الأسدي. مشهد ليس بحاجة إلى كلام كثير.
لكن هل يكترث «شباب الأمويين» لمعنى ذلك الكم الهائل من الألوان المهدورة؟ هل يعرفون حقاً وهم يعبّرون عن انتعاشهم وإحساسهم بامتلاك الحرية والشمس والساحات وحب سوريا كيف كانت علبة البخاخ ببيت أي سوري (وما زالت) تأخد منه حياته، أو سنوات تحت التعذيب في السجون. كيف يحاول الناس إخفاء علبة البخاخ كما لو أنهم يخفون سلاحاً أو مواد شديدة الانفجار!
هل يدركون لماذا مسموح لهم بماراثون الألوان هذا وممنوع على السوريين الآخرين مجرد علبة بخاخ؟
كاتب من أسرة «القدس العربي»
راشد عيسى