القاهرة ـ «القدس العربي»: سيطرت الأزمة بين مصر والسعودية على اهتمامات الأغلبية الساحقة بعد وقف شركة أرامكو توريد شحنة البترول لشهر أكتوبر/تشرين الأول، رغم إعلانها أن التأخير لأسباب فنية.
وكذلك مشكلة زيادة رسوم العمرة وإمكانية توقف شركات السياحة عن إرسال المعتمرين، بسبب الارتباطات الوثيقة والتاريخية بين مصر والمملكة العربية السعودية، وكذلك العلاقات الاقتصادية المتينة واعتماد مصر في جزء كبير من سياستها الاقتصادية على الاستثمار والمساعدات السعودية للمشاريع الضخمة التي اتفقت على إقامتها، حتى داخل سيناء، وكذلك العمالة المصرية الكبيرة في المملكة، وإن كان هناك اطمئنان بأنها أزمة عابرة وسيتم تجاوزها خاصة أنه يتم التجهيز لإرسال وفد إلى السعودية.
والموضوع الثاني الذي استحوذ على اهتمامات الأغلبية هو المخاوف من تعويم الجنيه رغم تثبيت البنك المركزي للسعر حتى الآن، وما سيؤدي إليه ذلك، لدرجة أن زميلنا الرسام سعد الدين شحاتة أخبرنا أمس في مجلة «المصور» أنه شاهد الجنيه على هيئة سفينة تغرق في بحر الأسعار ومواطن بائس يغرق معه.
وواصلت الصحف نقل شكاوى المواطنين من عدم حصولهم على السكر بالأسعار التي أعلنت عنها الحكومة، وهو خمسة جنيهات للكيلوغرام الواحد، وأوصلوه إلى تسعة او عشرة جنيهات. وواصلت الأغلبية عدم اهتمامها بالأخبار والموضوعات السياسية، بل حتى الأحزاب لا تبدي اهتماما بها. وإلى ما عندنا..
معارك وردود
ونبدأ تقريرنا اليوم بالمعارك والردود المتنوعة التي لا رابط بينها وبدأها يوم الثلاثاء في «المصري اليوم» زميلنا وصديقنا عبد اللطيف المناوي في عموده «نظرة أخرى» عن أسباب فشلنا في إدارة الأزمات فقال: «المبدأ الأول في إدارة الأزمة، هو أن تجتمع الأطراف التي على علاقة بالأزمة لتحدد اُسلوب التعامل معها، ومن هنا يأتي القطع، فليس من ثقافتنا العمل المشترك والتعاون بين الأطراف المختلفة، بل أن السائد هو الإعاقة وعدم التعاون. وهنا أتحدث عن واقع لا أظن أن كثيرين يمكن أن يختلفوا معه وكنت شاهداً على العديد من المواقف على مدار السنوات العشر الماضية أو أكثر قليلاً، كان قرار أطراف مختلفة في الدولة في مواجهة أزمة ما إما الاختفاء من على الساحة وعدم المشاركة والاكتفاء بالمشاهدة والمتابعة لتطورات الأزمة، وفي بعض الأحيان الشماتة في الطرف الذي يتعامل مع الأزمة إن فشل فيها، أو واجه معوقات، أو الموقف الآخر وهو عندما تكون الأزمة مرتبطة بهذا الطرف فإنه يقرر الانفراد بمحاولة الحل لاعتقاده أن دعوة الآخرين للمشاركة هي إعلان ضعف وعدم مقدرة لذلك يكون السلوك طارداً حتى إن حاول البعض «التطوع» للمساعدة. إذن هذه هي الثقافة السائدة بين الأشخاص والمؤسسات، التي يصل الأمر فيها أحياناً إلى درجة عدم المشاركة بالمعلومات والحرص على عدم وصولها للأطراف الأخرى وكأن كل هؤلاء ليسوا أبناء نظام واحد ووطن واحد».
الإحساس بالفشل
أما زميلنا في «الأهرام» سمير الشحات فكان مقاله أمس الأربعاء بعنوان «في فضح الفشل والفاشلين» استعان فيه بما قاله البابا تواضروس الثاني: «البابا تواضروس الثاني قبل أيام وهو يقدم عظته الأسبوعية في كنيسة السيدة العذراء في الشرابية قال إن الفشل ليس نهاية الإنسان ولا الشعوب واستدل على ذلك بأن المصريين في 67 انهزموا لكن روح الفشل لم تستمر فانتصرنا في 73. وأشار إلى أن الفشل ربما أتى من برنامج تلفزيوني أو مادة مكتوبة في وسائل التواصل الاجتماعي، والحق أن كلمات البابا يجب أن تستوقفنا وتدعونا للتأمل.
صحيح لماذا نحن في مصر الآن نكاد نكون كلنا ضحايا لمناخ سائد من الإحساس بالفشل واللامبالاة والعدمية وانعدام الجدوى؟ إنك لو سألت الكثير من المقصرين في أعمالهم: لماذا التقصير؟ لردوا عليك بالإجابة اللاصقة في ألسنتهم كقطعة اللبان: «يا سيدي يعني جَت عليّ أنا ما كل حاجة واقعة» تسأله: إيه اللي واقع بالضبط يا عم الحاج؟ فيرد: بُص يا عمنا على التعليم والصحة والمواصلات والأسعار والدولار، بل إن شئت فانظر أيضا للإعلام». تستجيب له وتنظر فتندهش أن كثيرا مما تحدث عنه ليس بالسوء الذي صوّره».
شبه حكومة يراقبها شبه برلمان في شبه دولة
ونظل في حكاية فشل إدارة الأزمات مع زميلنا وصديقنا إبراهيم عيسى رئيس تحرير جريدة «المقال»عيسى قال أمس الأربعاء: «لا يمكن لعاقل والله وحتى لمجنون أن يختلف على أن طريقة إدارة البلد الآن تنحرف بنا إلى أزمة متعددة الأطراف نتيجة فشل سياستها واختياراتها وبالتأكيد أولوياتها، لكن الثابت أن مصر تمتلك طاقة مذهلة على التقدم والتطور، ورغم مصاعب رهيبة تعترض طريقها فإنها لو امتلكت عقلها ورشدها وإرادتها وإدارتها من براثن الموظفين واللواءات لصنعت معجزتها الباهرة حين وحيث نشاء، لكن هذا كله يذوي فعلا أمام واقع تديره شبه حكومة ليراقبها شبه برلمان في شبه دولة. فعلا دعك الآن من القضايا الكبرى للبلد ودعك من الأحلام التي كانت نتمنى لمصر أن تصبح قد الدنيا، فإذا بهؤلاء المسؤولين عن البلد أنفسهم الذي ينحدرون بأحلامنا إلى أنه كفاية أننا مش سوريا وليبيا. خلاص انكشف تماما أنه لا رؤية ولا حتى حلم يصنعان سياسة الدولة، وليس هناك في جعبة حكامنا وأجهزتنا إلا هواجس المؤامرات، حيث أن العالم كله من وجهة نظرهم يتآمر عليهم في ما يدخل بنا إلى منطقة المرض النفسي العام الذي يتمكن من شعب وبلد».
راديو الرئيس
وآخر المعارك اليوم ستكون من نصيب زميلنا وصديقنا في «الوفد» سليمان جودة الذي قال في عموده في الصفحة الأخيرة أمس الأربعاء أنه كان يستقل تاكسي وفتح السائق الراديو على إذاعة راديو مصر وجاء ترتيب الأخبار عن إلقاء الرئيس السيسي كلمة في افتتاح احتفال مجلس النواب في شرم الشيخ بمرور مئة وخمسون سنة على بدء الحياة النيابية، والخبر الثاني عن استقبال وزير الخارجية سامح شكري فؤاد السنيورة رئيس وزراء لبنان الأسبق وحول السائق المؤشر وهو متضايق وعلق سليمان قائلا: «وحين تطلعت إلى معالم وجهه قرأت فيها الأسباب الخفية التي دعته إلى تغيير المؤشر في عصبية، وكانت الأسباب تعود في ظني إلى أن الذي رتب الأخبار قد راعى أن يخاطب السلطة قبل أن يراعي مخاطبة المستمع، فالعقل والمنطق وأصول المهنية السليمة تقول كلها أن مستمع إذاعة راديو مصر يتوقع منها أن يكون اسمها على مسمى، وأن تبدأ موجز أنبائها بالتالي بخبر الوحدات السكنية لا بغيره ليس عن تقليل بالطبع من خبر الرئيس، وإنما لأن الطبيعي جداً أن ينصرف اهتمام المستمعين في عمومهم إلى ما يهمهم بشكل مباشر وإلى ما يتصل بشؤون حياتهم اليومية وإذا لم نتوقع منهم ذلك في خطابنا الإعلامي فنحن نعرف فيما يفكر الناس وإن ظننا أننا نعرف، الرئيس ليس في حاجة أبداً إلى نفاق يجعل كل خبر من أخباره حتى لو كان خبراً رسمياً مجرداً في صدر كل نشرة أخبار، بدون أي مبرر موضوعي ولو جاء ترتيب خبر الاحتفالية البرلمانية بعد خبر الوحدات الإسكانية لكان في موضعه تماماً وما كان في ذلك أي انتقاص من الشأن المحفوظ لرئيس الدولة. لا نزال في حاجة إلى أن ندرك أن الخبر يكون مهماً، لأن في تفاصيله ما
يهم الناس، والناس وحدهم، وأن الخبر المتعلق برأس الدولة يتحرك في أي نشرة أخبار، أو في أي وسيلة إعلام، بقدر ما فيه من هذه التفاصيل، وليس بقدر أي شيء آخر! المواطن له عقل لا بد من احترامه، وليس جهاز روبوت يستقبل كل ما نذيعه عليه في تسليم!».
مصر والسعودية
وإلى العلاقات المصرية السعودية والقلق عليها بسبب عدم إرسال شركة أرامكو شحنة البترول لشهر أكتوبر/تشرين الأول حسب الاتفاق المبرم بين البلدين لمدة خمس سنوات وبتسهيلات في الدفع، وقول الشركة إن هناك أسبابا فنية تسببت في التأخير، ولكن الصحف الخاصة اعتبرت ذلك ردا على تصويت مصر في مجلس الأمن لصالح القرار الروسي بشأن سوريا، رغم أنها صوتت أيضا لصالح القرار الفرنسي حتى لا تغضب أحدا وشنت حملة عنيفة على السعودية، بينما الصحف الحكومية لجأت للتهدئة. فقالت مجلة «المصور» أمس الأربعاء: «يأتي الخلاف ويروح لكن تبقى علاقة مصر والسعودية أكبر من الأزمات السياسية وتوازنات الدبلوماسية وتصريحات مسؤولين قد تتجاوز المسموح به أحيانا. فما بين الدولتين أعمق بكثير، شعبان بتاريخ مشترك وأمن قومي لا ينفصل، مصير واحد لن تستطيع إحداهما أن تواجهه بدون الأخرى، بالتأكيد ليس كل تاريخ الدولتين توافقا، فالأزمات عديدة والخلافات متكررة لكنها دائما تنتهي بالعودة إلى أصل العلاقة المتينة التي لا تهزها أبدا مطبات أو مواقف تفرضها الظروف التي يعيشها الإقليم والمنطقة العربية على وجه التحديد. دائما خلافات الدولتين تتلاشى أمام حكمة من يقودون وقدرتهم على تخطي العقبات والسمو بالعلاقة عن أزمات وقتية».
احتواء المخاطر
كما نشرت مجلة «المصور» في العدد نفسه مقالا للدكتور عزمي خليفة عن الأزمة، وقال في نهايته: «إن أسباب خروج الخلاف إلى العلن مرتبطة بتحولات تشهدها السعودية ومصر معا، وأغلب الظن أن القيادة السياسية السعودية تدرك ذلك جيدا، وأنها حريصة على احتواء أي خلافات بقدر الإمكان، ووضح ذلك في أزمة اليمن التي تعاملت فيها القيادة السياسية المصرية مع القيادة السياسية السعودية، وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على أن التغيرات الاستراتيجية التي تتعرض لها المنطقة العربية من الخطورة التي تجعل القيادتين حريصتين على احتواء المخاطر، وعدم إضافة مزيد من الخلافات العربية في هذا التوقيت، بل يمكن أن نشهد تحولات في توجهات بعض الدول العربية حرصا على تعظيم الفتات الذي تبقي لنا جميعا من مؤشرات الأمن القومي العربي، أملا في إعادة بعث ما دفن نتيجة تحولات علمية عجزنا جميعا عن إدراك تأثيراتها على الحياة السياسية والاجتماعية والفكرية».
«أقلام أبناء الضلال»
وإلى «جمهورية» أمس الأربعاء وزميلنا السيد البابلي وقوله في عموده اليومي «رأي»:
«لم أجد تعليقا على الاختلاف في وجهات النظر بين مصر والسعودية، الذي تحول عند البعض إلى أزمة في العلاقات، إلا ما كتب الكاتب السعودي خالد المجرشي عندما وصف الذين يكتبون في هذه القضية بغير علم ويحولونها إلى معركة بأنهم أقلام أبناء الضلال التي تسعي للوقيعة بين السعودية ومصر الحبيبة. وهي فعلا أقلام أبناء الضلال التي تنفخ النار في خلاف الرأي لتحويله إلى قطيعة وإلى تباعد في المواقف والسياسات وإلى معركة كلامية متبادلة تكون مدخلا لفتنة مدمرة لمصالح البلدين، ولهذا كنا أول من كتب محذرين من المزايدة بكتابات غير مسؤولة دافعها قد يكون الوطنية والغيرة على الوطن، ولكن انعكاساتها لا تخدم قضية ولا تحقق هدفا. ويسعدنا أن تخرج أصوات سعودية مسؤولة ورشيدة تتدارك وتعالج حدة بعض التصريحات المندفعة التي خرجت تنتقد الموقف المصري من التصويت في مجلس الأمن لصالح القرار الروسي في ما يتعلق بالأزمة السورية، فهي أصوات أتت في توقيت سريع ومناسب لتضع حدا لمؤامرة تستهدف الإيقاع بين مصر والسعودية، في وقت بات فيه واضحا أن أي تقارب بين القاهرة والرياض يفسد كل مخططات القضاء على الأمة العربية بأسرها وإذا كانت هناك أصوات سعودية قد سارعت لإخماد الفتنة فإننا في الوقت نفسه نأمل من إعلامنا الوطني أن يعالج هذه القضايا بحساسية وتوازن ورؤية متكاملة، وأن توزن كل كلمة بميزان دقيق من الموضوعية والفهم بعيدا عن الانتفاضة العنترية التي توقعنا في أزمات لا مبرر لها مع الأشقاء والأصدقاء. إن مصر هي العمق الاستراتيجي للسعودية والسعودية هي أيضا العمق الاستراتيجي لمصر وأي تباعد بينهما ستكون له عواقبه الوخيمة على الجميع.
شرك الشائعات
وفي صفحتها السابعة نشرت «الوطن» حديثا مع السفير الأسبق في السعودية سيد أبو زيد أجراه معه زميلنا أكرم سامي قال فيه: «حسب تصريحات وزارة البترول المصرية، فإن القرار تم اتخاذه قبل أزمة موقف مصر في مجلس الأمن، والقرار قد تكون له حسابات اقتصادية بحتة وليس متعلقاً بأي خلاف سياسي بين البلدين لأن العلاقات أكبر من ذلك. وبين البلدين تعاون كبير في شتى المجالات لا يتوقف على نقاط صغيرة بعينها. لا أرى أن مواقف الملك عبدالله أفضل من مواقف الملك سلمان، لأن الحقيقة أن الأسرة السعودية منذ أن أسّسها الملك عبدالعزيز آل سعود ومواقفها متشابهة وقوية. وأؤكد أن جميع الأفراد في الأسرة السعودية الحاكمة سواء الملك عبدالله أو الملك سلمان متقاربة ومتشابهة، لأن الملك عبدالعزيز آل سعود أوصى أبناءه قبل وفاته بأن تظل العلاقات السعودية جيّدة للغاية مع مصر، ولا أرى أي فرق بين موقف الملك سلمان والملك عبدالله وبالعكس نجد أن الاتصالات في عهد الملك سلمان تزايدت، وكانت هناك زيارات متبادلة بين كل المسؤولين في مصر والسعودية وزيارة الملك سلمان الأخيرة لمصر أكدت مواقفه الإيجابية تجاه مصر، فبالتالي كل هذه المسائل محسومة ويجب ألا نقع في شرك الشائعات من خلال الترويج لهذه الفكرة».
النفط الكويتي عوض السعودي لمصر
ونشرت جريدة «الأخبار» الحكومية تحقيقا لزميلينا خالد النجار وأحمد هاشم جاء فيه: «أكد مصدر رفيع المستوى أن الحكومة تدرس عددا من البدائل في حال توقف شحنات النفط السعودي لمصر مثل الاتجاه لشراء النفط من الكويت، أو بعض دول أمريكا اللاتينية. واستبعد المصدر اللجوء للنفط الإيراني حفاظا على العلاقات المصرية مع الدول العربية الشقيقة، وكشف مصدر رفيع المستوى، أن طارق عامر محافظ البنك المركزي عقد خلال مشاركته في اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين في واشنطن اجتماعا مع وزير النفط الكويتي وحضر الاجتماع عمرو الجارحي وزير المالية، أكد خلاله الوزير الكويتي على زيادة تدفق النفط الكويتي إلى مصر بتسهيلات كبيرة في السداد. وأكد مصدر حكومي رفيع المستوى أن البنك المركزي سوف يوفر التمويل اللازم لتصل الاحتياجات الشهرية للمجتمع باستيراد الوقود بما يتراوح بين 700 مليون إلى حوالي مليار دولار شهريا. وأضاف أن الاتفاق مع شركة أرامكو السعودية يقضي بإمداد مصر بـ700 ألف طن من منتجات البترول المكررة شهريا لمدة خمس سنوات بموجب اتفاق قيمته 22 مليار دولار، ويتم السداد بتسهيلات على 15 سنة. وأكد المتحدث الرسمي لوزارة البترول على أنه سيبدأ بالفعل وصول الكميات التي تعاقدت عليها هيئة البترول بعد إبلاغ شركة أرامكو السعودية عدم استطاعتها توريد الكميات المتفق عليها خلال شهر أكتوبر/تشرين الأول الحالي التي تبلغ 700 ألف طن وفقا للتعاقد التجاري».
عسكرة الاقتصاد والنظام
أما في «الشروق» فكان رأي فهمي هويدي كالآتي: «حين صوتت مصر لصالح مشروعين متناقضين لفرنسا وروسيا بخصوص سوريا في مجلس الأمن فإن ذلك ليس مفهوما حقا، لكنه ليس جديدا تماما. وربما كان الجديد فقط هو في إخراج المشهد وأصدائه. أعني كون ذلك التناقض حدث في محفل دولي وأعلن على الملأ. ثم إنه تعرض لنقد جارح من ممثل دولة حليفة مثل المملكة العربية السعودية. وهو ما أحدث نوعا من الحيرة ودرجة من البلبلة. ليس فقط إزاء حقيقة وحسابات الموقف المصري، ولكن أيضا إزاء العلاقات المصرية السعودية، التي بدا أنها تمر بمنعطف حرج بعد الإعلان عن توقف إمداد مصر بحصة شهر أكتوبر/ تشرين الأول من النفط. التناقض غير المفهوم في المواقف مرصود في مجالات أخرى عديدة، الأمر الذي يستدعي سيلا من الأسئلة الحائرة التي تنصب على حقيقة الرؤية المصرية وحساباتها الاستراتيجية. إذ بوسعنا أن نجد نماذج لذلك التناقض بين التصريحات الرسمية التي تتحدث عن العلاقات الاستراتيجية الوثيقة مع الولايات المتحدة. في الوقت الذي يتحدث فيه الإعلام المصري الموجه أمنيا عن التآمر الأمريكي على النظام المصري القائم. نجده أيضا في الحديث عن مركزية القضية الفلسطينية في السياسة المصرية، مع استمرار حصار مصر لقطاع غزة. كما نجده في العلاقة مع إسرائيل التي لم يعد كثيرون من الأجيال الجديدة يعرفون ما إذا كانت عدوا أم صديقا، لأن ما هو مستقر في الذاكرة والوجدان المصريين يتناقض بصورة حادة مع العلاقات الدافئة مع إسرائيل التي باتت صحفنا في مصر تتحدث عن مظاهرها وتفصيلاتها. حينا بعد حين. نجده أيضا في تمجيد جمال عبدالناصر في الخطاب السياسي، ثم الغلو في السير على نهج السادات ومبارك في الواقع المعاش. وهو ذاته السلوك الذي تتعدد مظاهره في السياسة الداخلية. فبيان قيادة القوات المسلحة في الثالث من يوليو/تموز 2013 أعلن عن خريطة طريق دعت إلى تشكيل لجنة عليا للمصالحة الوطنية، ولكن السياسات المتبعة كرست الاستقطاب والإقصاء. ودستور 2014 دعا إلى مدنية الدولة ولكننا صرنا نعيش في ظل عسكرة الاقتصاد والنظام وقهر منظمات المجتمع المدني. والدستور نص على حماية حرية التعبير والتظاهر السلمي في حين أن قانون التظاهر جرم ممارسة ذلك الحق، وفي الوقت الذي تنفي فيه الداخلية وجود الاختفاء القسري فإن المنظمات الحقوقية تشهد كل حين قوائم بأسماء المختفين قسريا. وحين قيل لنا إن القوات المسلحة قادرة على تأمين البلاد خلال 6 ساعات فإننا استغربنا أن يستمر القلق والاضطراب في سيناء لأكثر من سنتين. أما التناقض في السياسات الاقتصادية فحدث فيه ولا حرج. فالإجراءات التي يقال إنها لن تمس الفقراء ومحدودي الدخل لم تضرب إلا هذين القطاعين. ووعود الرخاء التي جرى تسويقها قبل عامين أصبحت كابوسا يؤرق الجميع في الوقت الراهن. وحين أعلن شعار الحرب على الفساد فإن الذي حوكم وعوقب كان رئيس الجهاز المنوط به محاربة الفساد…إلخ».
أزمة السكر
ومن أزمة البترول التي وجدت حلا لها إلى أزمة السكر وارتفاع أسعاره وكذلك أزمات السلع الأخرى التي قال عنها أمس الدكتور محمود خليل أستاذ الإعلام في جامعة القاهرة ومستشار جريدة «الوطن» في عموده اليومي «وطنطن»: «هل المسألة تحتاج إلى استدعاء أو سؤال؟ أتصور أنها لا تحتاج. السبب ببساطة أن الحكومة «ممعهاش تجيب سكر» فنسبة لا بأس بها مما نستهلكه من هذه السلعة نستورده من الخارج، ولكي يتيسر لنا ذلك لا بد أن تكون لدينا دولارات ولسان حال السلطة في مصر يقول: «ممعييش أجيبلك». الحكومة منذ فترة سلمت بأنها مفلسة على مستوى العملة الصعبة ولم تعد تسعى إلى تدبيرها بعد أن حاولت ولم تفلح، وبالتالي أصبح منهجها في إدارة الأزمة قائماً على نظرية «تلبيس الطواقي». تظهر أزمة في حليب الأطفال – سببها شح الدولار- فيصرخ الناس فتهرول الحكومة إلى تدبير «شوية دولارات» لاستيراد «شوية علب حليب» لسد جوع الأطفال لكن السحب هنا يتم على حساب مخصصات سلعة أخرى مثل السكر، فتشح في الأسواق وترتفع أسعارها، ومما يزيد من حجم المشكلة أن لكل سلعة في مصر قرصاناً أو إمبراطوراً يحتكر استيرادها وهو يتحكم بعد ذلك في سعرها حين تطرح في الأسواق، ومع الشح وازدياد الطلب تصبح يد المحتكر طليقة في حلب المواطنين حتى آخر قطرة، لابد للإنسان أن يعيش بالأمل ويعلم أن فرج الله قريب لكن ثمة حقائق على أرض الواقع تقول إن استمرار أزمة الدولار قد يؤدي إلى خلع الطواقي وتعرية رأس الحكومة لتمتد الأزمة إلى المزيد من السلع وتتوسع الأزمات المحدودة التي ضربت سلعاً معينة في الوقت الحالي، لتصبح أزمات كبرى ويقع المواطن بين مطرقة الغلاء من ناحية والشح من ناحية أخرى ولا يعلم أحد وقتها ماذا سيكون رد فعل الناس؟».
الاحتكار مرفوض
أما الحل الحقيقي لهذه الأزمات فقال عنه في مجلة «المصور» أمس الأربعاء زميلنا أحمد أيوب أحد مديري تحريرها وهو: «هؤلاء المحتكرون يمكن في لحظة أن يتسببوا في كارثة مجتمعية تكون نهايتها ثورة جياع ووقتها لن تجد محتكرا واحدا في البلد لأنهم سيهربون بملياراتهم إلى الخارج ليتركوا الشعب الغاضب في مواجهة الدولة. هذا السيناريو حدث بالفعل في دول كثيرة وعلينا أن نضعه أمام أعين الحكومة والبرلمان حتى لا تأخذنا رحمة بمن يحتكرون قوت الشعب وغذاءه ويتاجرون فيه كما يشأون. القسوة مطلوبة مع هؤلاء، بل لابد أن يكون كل محتكر عبرة لغيره حتى لا يفكر إنسان أن يكرر الجريمة، لا فارق في ذلك بين محتكر للحوم أو السكر أو الأرز أو الزيت أو الأدوية، أي سلعة يحتاجها المصريون مهما كانت أساسية أو حتى ترفيهية، فالأصل أن الاحتكار مرفوض وتصرف مذموم، لكننا للأسف نراه في مصـــر ويزيد الأمر سوءا أن المحتكرين عندنا لا يخجلون بل لديهم من «البجاحة» ما يجعلهم يزايدون علينا ويرفضون حتى أن نلومهم أو نطالبهم بعدم الاحتكار ومراعاة الشعب وظروفه».
عبد الناصر والسيسي
وإلى معركة مختلفة دارت حول الناصريين بسبب المقال الذي كتبه صديقنا القيادي في حزب «الكرامة» أمين إسكندر في جريدة «المقال» وقال فيه كل ناصري يؤيد الرئيس السيسي ليس ناصريا، فرد عليه يوم الثلاثاء في «اليوم السابع» صديقنا الكاتب السياسي جمال أسعد عبد الملاك «ناصري» بقوله: «خرج علينا الأستاذ أمين إسكندر أحد قيادات حزب الكرامة الناصري في مقال في جريدة «المقال» يوم السبت الماضي يمنح ويمنع ويوزع صكوك الناصرية لمن يرى وكيفما شاء. فهو يقول إن كل ناصري يوافق أو يساعد أو يقتنع بالسيسي لا يمكن أن يكون ناصريا، ولا ندرى بأي حق وبأي قانون وبأي كتالوغ يعطى أمين هذا الحق الذي يوزع فيه صكوك الناصرية؟ ولا نعلم هل الناصري الذي لا يوافق على السيسي يكون ناصرياً بشرطه؟ وهل حتى أكون ناصرياً حسب كتالوغ أمين يجب أن أحارب وأرفض السيسي شكلاً وموضوعاً؟ وإذا كان الأمر كذلك فمن هو بديل السيسي في ظل هذه التحديات غير المسبوقة التي يواجهها الوطن والشعب المصري وليس السيسي وحده. نحن ناصريون بالفطرة والنشأة وظروفنا الاقتصادية ولم نتاجر ولم نسترزق من الناصرية، ولم نمول من أي نظام عربي، والأهم أن عبد الناصر علمنا كيف ننتمي لهذا الوطن ونحب مصر والمصريين لذا فتوافقنا مع السيسي كضرورة ليس للسيسي كشخص ولكن لمصر، والأهم هو دورنا في خروج مصر من المأزق والتحديات التي تواجهها، فالسيسء ليس سبباً في المشاكل ولكن عليه أن يسمع إلى الرأي الآخر ويحسن الاختيار لمن لهم رؤية سياسية «الوزراء المحافظون المستشارون» عليه أن يؤمن بأن المعارضة الوطنية هي لصالح مصر والنظام فكفى متاجرة ووصاية بالناصرية لأنها هي حب الوطن وليس حب الذات ولا استغلال للوصول للمصالح الخاصة، حما الله مصر من المتاجرين».
الناصرية والسيساوية
وفي يوم الثلاثاء نفسه قال زميلنا وصديقنا حمدي رزق في عموده اليومي في «المصري اليوم» (فصل الخطاب): «معلوم السيسي لم يطلب من المصريين أن يكونوا سيساوية، ولا ناصر طلب من المصريين أن يكونوا ناصريين، ولكن من المصريين من وجد في الناصرية بعد رحيل ناصر منتهى آماله ومحط طموحاته، فارتدى القميص الناصري وصار ينطق بالميثاق ويبكي أمام الضريح ويرتجف قلبه عند رؤية صور ناصر في أفلام الأبيض والأسود. اختار «طريقاً» لا أقول «طريقة»، وضحك الأستاذ سامي شرف سكرتير الرئيس عبدالناصر كثيرا عندما لقبته سابقا بشيخ مشايخ الطرق الناصرية! السيسي مراراً وتكراراً يؤكد المعنى والحرف في النداء «يا مصريين» ولكن مِن المصريين مَنْ وضع السيسي تحت ناظريه وحمّله آماله وطموحاته وصار على العهد يبر الرئيس ولا يقبل عليه حتى حفيف الهواء الطاير يبش لرؤيته ويطرب لطلته ويغتبط بخطبه ويدافع باستماتة عن منجزه ولا يقبل في الرئيس لومة لائم».
ليس بابتداع الأسباب
نخرج من الكهف
وأمس الأربعاء كتب زميلنا نبيل عمر مقالا في جريدة «المقال» عنوانه «عبد الناصر وحجة البليد الفاشل في مسح التختة» قال فيه: «هل يمكن أن يكون عبد الناصر سببا للمصائب المخيفة التي تحاصرنا من كل جانب وتكاد تعصرنا عصرا وتسحب منا أيامنا وأحلامنا؟ هل من يحمل عبد الناصر أسباب تخلفنا الحالي راجع تاريخا لدول أو إقرأ كتابا في الحضارة هل عرف أن المستشار النازي أدولف هتلر ارتكب جريمة كبرى في حق ألمانيا بالزج بها في أتون حرب عالمية خرجت منها حطاما مفلسا؟ لماذا لم يتوقف الألمان عند الحرب العالمية الثانية وعاشوا وتوسعوا في نتائجها الكارثية وظلوا يهيلون التراب على هتلر بؤس حياتهم؟ كيف أعادوا بناء ألمانيا وجعلوا منها دولة كبرى في خمس عشرة سنة؟ لا أريد الدفاع عن عبد الناصر فالناس البسطاء دافعت عنه بما فيه الكفاية ولست ناصريا، ولم أكن يوما لكنني أحبه مثل ملايين المصريين فبسببه عرف هؤلاء الملايين أن للحياة أوجها للعدالة حرموا منها قرونا طويلة.. وهو من توسع في إدخال أبناء الفلاحين والطبقة الوسطى والدنيا إلى التعليم العالي، ومات ولم تكن مراكز الدروس الخصوصية قد افتتحت، وهذا زمن لا تجوز محاسبته بأثر رجعي فعبد الناصر ابن زمنه وبيئته الإقليمية والدولية، وانقسام العالم بين كتلتين كتلة منهما تمثل أكثر من ثلثي العالم لا تعرف الديمقراطية والحريات العامة، وهذا ليس دفاعا عن الاستبداد والديكتاتورية، ولكن محاولة لفهم العصر الذي حكم فيه عبد الناصر، ويبدو أن تحميل عبد الناصر أسباب التردي الذي سقطنا فيه هو طوق نجاة أو ممر عبور أمن لأنظمة فشلت في إخراجنا من هذا التردي، ويبدو أن محاولات تبرئة حسني مبارك مما حدث لنا لن تتوقف ومحاولة تخفيف ثقل المسؤولية عن الرئيس السيسي لن تتوقف، ومؤكد أن عبد الناصر له أخطاء في حجم زعامته لكن ليس بابتداع الأسباب نخرج من الكهف».
والحقيقة أن الزعيم خالد الذكر نفى في خطبه علنية وجود مذهب فكري اسمه «ناصرية» بعد أن ظهر الشعار في لبنان وبعض دول أمريكا اللاتينية وأكد أن نظامه اشتراكي عربي.
حسنين كروم