قد لا يكون هناك اتفاق دولي مكتوب يؤكد على ضرورة تواصل الغارات الجوية لإحداث مزيد من أعمال القتل والذبح والتدمير الدائرة في سوريا.
بيد أن الشيء المؤكد أن هناك تفاهما ضمنيا غير معلن حول ضرورة إبقاء الحرب الأهلية مشتعلة هناك لتحقيق مزيد من الأرباح، وإثارة الفوضى في المنطقة وزرع مزيد من الأحقاد وترسيخها بين الأديان والطوائف والأعراق والإثنيات المختلفة لاستنزاف طاقاتها وإنهاكها حتى يصبح التعايش بين المسلمين والمسيحيين والعرب والاكراد والتركمان والسنة والشيعة والعلويين والحوثيين وغيرهم الكثير، ذلك التعايش الذي كان قائما من قبل، مستحيلا.
فالمقصود هو تدمير جميع مكونات الشعب السوري والمنطقة عامة، كي لا تقوم له قائمة على المدى المنظور. ويخطئ من يعتقد أن المستهدف هو فئة أو طائفة أو مذهب أو عرق. هذا ما تسعى إلى تحقيقه الولايات المتحدة وحلفائها، مستغلة بالطبع تلك المجموعات المتنازعة والمتناحرة ذات المصالح الضيقة التي لا يعرف عددها ولا حجمها ولا ولاءاتها، ولا احد يعرف حتى من يحارب من، والمهم ألا ينتصر طرف على الاخر لإطالة أمد الحرب.
لم يأت التدخل الروسي لصالح نظام بشار الأسد وغض الطرف الامريكي عنه إلا لإبقاء التوازن بين الأطراف المتحاربة قائما، بعد أن ضعفت كفة النظام وأصبح غير قادر على الصمود أمام الضربات من كل الجهات. فما كان من الممكن أن تمد واشنطن يد العون إليه وما كان هناك خيار آخر سوى توريط الدب الروسي أكثر في المستنقع السوري، تحت راية المساعدة في القضاء على تنظيم «داعش»، محدود العدد والعدة. واندفعت موسكو وأعادت التوازن العسكري بين الاطراف المتصارعة إلى ما كان عليه، بما يضمن بقاء الحرب واستمرار القتل والدمار.
وتوسع روسيا بوتين دورها في الحرب، فتخوض المعارك وترتكب المجازر، نيابة عن حليفها الذي تآكلت قدراته القتالية حفاظا منها عليه، وهو الحليف الوحيد المتبقي لها في المنطقة، بعد أن خدعها الغرب بقبول تدخله في ليبيا بدون حصة من الكعكة، وبعدما فقدت نفوذها في اليمن والعراق. ولم يقبل بوتين أن يكون، خارج منطقة الشرق الاوسط مهما كان الثمن الذي سيضطر لدفعه بتورطه. والغاية بالنسبة لروسيا بوتين تبرر الوسيلة ولا ينظر إلى الثمن الذي يدفعه الشعب السوري من دم ابنائه وتاريخه وحضارته.
والاندفاع الروسي في سوريا يضمن لواشنطن استمرار الصراع إلى أن يتاح لها إعادة ترتيب أوراق المنطقة لتصل إلى التصور النهائي للتقسيم الجغرافي والديمغرافي الذي يخدم مصالحها ومصالح حلفائها لعقود مقبلة. وهذا بالطبع ينسحب على العراق الذي أصبحت فيه الحدود الطائفية والمذهبية والعرقية واضحة إلى حد ما وكذلك ليبيا واليمن.
واهم من يعتقد أن الحرب الأهلية في سوريا وغيرها ستضع أوزارها.. وواهم من يعتقد أن الصراع يمكن أن يظل منحسرا في حدود هذه الدول الأربع، وواهم من يعتقد أنه بمنأى عن هذه الصراعات، وواهم من يعتقد أن لدى القوى العظمى والمتورطين في الصراع النية أو الرغبة في وقف نزيف الدم طالما بقيت الأسباب قائمة.
وأحصر هذه الأسباب بأربعة، أولها أن ميادين القتال الرئيسية، أصبحت حقول تجارب لأحدث الأسلحة الفتاكة للتأكد من قدراتها التدميرية والخسائر البشرية التي يمكن أن توقعها، طالما أن الضحايا هم عرب لا مطالب أو بالاحرى لا أحد يجرؤ على المطالبة بدمائهم الضائعة «بين القبائل»، وطالما أن القاتل أمريكي أو روسي أو بريطاني وليس عربيا.
السبب الثاني إعادة تقسيم المنطقة وفق اتفاقية «سايكس بيكو 2» التي سيكون أساسها الطوائف والمذاهب والأعراق بدلا من الترتيب الذي كان قائما قبيل «الربيع العربي». ويتحقق ذلك بالإبقاء على «داعش» كمسمار جحا الذي تعلق عليه كل الجرائم والمجازر والدمار والتخريب.
السبب الثالث ضمان تدفق النفط الرخيص الذي تحتاج إلى دولاراته الانظمة العربية المتورطة في هذه الصراعات، وكذلك الفصائل والتنظيمات والاطراف المتحاربة كي تتمكن من تسديد فواتير صفقات الاسلحة التي تشتريها من مصانع السلاح الغربية، خاصة الأمريكية. وهذا هو السبب الرابع.
ما تقدم ليس تكهنات ولكن هذا ما تؤكده شركات السلاح ذاتها والارباح التي تجنيها من مبيعاتها التي تصل إلى عشرات مليارات الدولارات. وتعزو الشركة الفضل في ذلك إلى وجود تنظيمات كـ«داعش». فعلى سبيل المثال لا الحصر، كشفت مؤسسة «لوكهيد مارتن» الامريكية وهي اكبر منتج للسلاح في العالم، عن ارتفاع مبيعاتها خاصة من صواريخ «جو – أرض» التي تستخدم في الطلعات الجوية لقوات التحالف الدولي (امريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا والإمارات والأردن والسعودية والقائمة تطول) في الاسواق الخارجية لعام 2015 بنسبة 21% ليصل الإجمالي إلى 461 مليار دولار.
ونشر موقع «إنترسبت» الإخباري الأمريكي، تسريبات صوتية نسبها لمسؤولين في كبرى شركات السلاح الأمريكية يؤكدون خلالها رواج سلعهم بسب وجود «داعش» في سوريا والعراق والحوثيين في اليمن. ونسب الموقع تسجيلا لنائب مدير لوكهيد مارتن، بروس تانر يقول فيه «إن شركتنا ستستفيد من زيادة التوتر جراء التدخل العسكري الروسي في سوريا».
وفي تسجيل ثالث لموقع «إنترسبت» نسبته إلى ولسون جونيس رئيس قسم الإنتاج في شركة أوشكوش (أكبر مزود للجيش الأمريكي للشاحنات والمركبات العسكرية) قال فيه، إن تهديد «داعش» تسبب في زيادة الطلب في منطقة الشرق الأوسط على مركبات أوشكوش إم- أي تي المدرعة. اذن يجب أن يبقى «داعش» و»النصرة» حتى تتضاعف المبيعات والارباح واموال الرشوة والسمسرة التي تمثل نسبة كبيرة من هذه الفواتير.
واخيرا تتغير الولاءات والتحالفات وتتبدل الأهداف والمواقف والمصالح.. ويصبح اعداء الامس بقدرة قادر اصدقاء مصالح اليوم.. ومن كان يريد الخلاص من نظام الاسد بالامس لا يجد اليوم مانعا للتعايش معه، رغم أن هذا النظام هو نفسه قبل خمس سنوات ونصف السنة ولم يصدر عنه ما يشير إلى اي تغيير في المواقف أو تراجع في سياسته العسكرية أو ما يدل على انه مستعد لوقف نزيف الدماء والدمار، وإن كان هناك تغيير فهو تصعيد نوعي في عمليات القصف والقتل والتدمير، وحلب الشاهد الحي. ويبقى الهدف واحدا لا يتغير.. تدمير سوريا ومن بعدها المنطقة برمتها. هناك بعض الأسرار عن «رجل السلام شمعون بيريز» التي كشفها أناس من اهله وهم العارفون بخفايا أمور بعضهم.. وكما يقول المثل «من فمه يدان..» وجدت أن اشارككم فيها، وبها نطوي والى الابد صفحة هذا الرجل الذي كان شخصية مثيرة في مماته كما في حياته. فماذ يقولون عنه وبماذا يتهمونه.
بيريز كان رجلا مخادعا ونذلا ووضيعا، هذا ما قاله فيه قائد الوحدة المختارة «سيرت متكال» الأسبق الجنرال احتياط عميران لفين قبل أقل من أسبوع على دفنه. وربما يفسر هذا الفهم لشخصيته رفض المجتمع الاسرائيلي على مدى سنوات عمله السياسي الذي امتد لنحو 70 سنة، فخلال تاريخه السياسي لم يفز بيريز في انتخابات عامة واحدة.
ويؤكد ما نشر من ارشيفات بمناسبة عيد الغفران بعضها عن اجتماع في غاية السرية بين بيريز الذي كان رئيسا للمعارضة ورئيس الوزراء مناحيم بيغين، سبق مفاوضات كامب ديفيد مع مصر عام 1978 باربعة أيام: أن بيريز كان ضد قيام دولة فلسطينية وإنه وليس شارون صاحب الخيار الاردني. وهو من قال إن حدود إسرائيل الأمنية يجب أن تكون غور الأردن.
وهو من سعى إلى إقناع العاهل الاردني الراحل الملك حسين، خلال لقاءات في لندن، بفكرة أن تكون الأراضي الفلسطينية تابعة إداريا للأردن وأمنيا لإسرائيل. وهو من كان يرفض العودة إلى حدود 1967. داعيا لإبقاء القدس موحدة. وهو من كان يشعر بالقلق من فلسطينيي الداخل ويلمح لاحتمال ترحيلهم بقوله «اعتقد أنه في أحد الأيام سنطبق التقسيم لأننا لن نعرف ماذا سنفعل بالمواطنين العرب» . ويرى «أن وضعنا سيكون صعبا جدا. وأن الأمور لا تتعلق بشرطة وسجن فقط، وإنما هذه مشكلة لن نتمكن من مواجهتها وليس من الناحية الأمنية فقط. فأنا أرى كيف هم يلتهمون الجليل وقلبي ينزف دما.. إنهم يسكنون بيوتا في العفولة وعكا ويحتلون شوارع بأكملها. والقرى الزراعية اليهودية مليئة بعمال عرب واليهود جالسون في بيوتهم ويلعبون كرة المضرب بينما يعمل العرب في الحقول، وهذا لا يعجبني».
كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»
علي الصالح