لا بد من الاعتراف بأن نصف نجاح الإعلامي اللبناني نديم قطيش في برنامجه «دي أن آ» يعود إلى جرأة الموقف (والتموضع) السياسي قبل أي شيء. جمهوره، على الأرجح، هم من مؤيدي خطه السياسي سلفاً، وهذه مشكلة إعلامية فادحة، إذ يفترض بالبرنامج أن يتوجه إلى عموم الناس، لا إلى فئة، ولعل «دي أن آ» جلّ همّه، إن توجّه إلى الفئة الأخرى أن يغيظها، يسخر منها، لا أن يناقشها.
في حلقة أطلق عليها اسم «سيد الشتيمة» يحاجج الرجل بخصوص الضربة التي وجهت لمجلس عزاء في صنعاء. ينكر أن يكون التحالف قد قام بالضربة، وحجّته (ما معناه) «لو حدث ذلك فعلاً لكان أولى أن تقصف طائرات السعودية الخيمة التي يحتفل فيها أنصار نصر الله في لبنان»، والحجة الثانية أن التحالف قد وعد بتحقيق مستقل، الأمر الذي لم يكن نصر الله ليوافق عليه في كل الجرائم والانتهاكات التي جرت في لبنان.
كانت حجج قطيش أضعف ما في الحلقة، ولا داعي لمناقشة أي هزال كانت عليه، ما دام التحالف نفسه اعترف بأن الضربة كانت نتيجة خطأ معلوماتي. فهل يمتلك قطيش جرأة الاعتذار، أم أنه سيستخدم الاعتذار كحجة لكيد الخصوم «انظروا إننا نضرب ونقتل ونستطيع أن نعتذر»!
إنها فرصة أيضاً لمراجعة قطيش للبرنامج برمته، «البادي لانغوج» المكرور، لغة الردح، والأهم من كل ذلك، أن يكفّ عن التماهي، أن يتوقف عن أن يكون ملكياً أكثر من الملك.
لشدّ ما أعجبنا بجرأة قطيش وهو يقدم برنامجه من بيروت، كان رائعاً بالنسبة لنا أن يتحدث هذا الصوت الحرّ، ابن الطائفة الشيعية (ولا بدّ أن نقولها هنا إعجاباً بمن لا يحتمي بالطوائف)، وهو تحت قناصات «حزب الله» وكواتم الصوت، بتلك الجرأة، أن يقول كل ما قاله.
نديم قطيش، كنّا نحبك يوم كنت هناك، في بيروت.
«دي مصر؟»
«تاكسي» كتاب للإعلامي المصري خالد الخميسي روى فيه يوميات مصر عبر حديث المشاوير اليومية مع السائقين. لا أدري كم عدد طبعات هذا الكتاب الممتع، لعلها نافت العشرين. كان نافذة على الشارع المصري بكامل أطيافه، هناك رأينا أحوال البلد عبر سائقي التاكسي، الذين يختصرون المشهد بكامله، السياسة والبورصة والغناء والجريمة والمخابرات، إلى آخره. ورغم كل المآسي التي رويت هنا وهناك كان الكتاب يترك أثراً ممتعاً لدى القارئ الذي غالباً ما يجد نفسه متورطاً بالضحك، رغم الكارثة.
«التاكسي» بات مدخلاً وذريعة معروفة للروي، للإطلالة على حال بلد ما، ولعل أفلاماً عديدة استخدمت هذه الذريعة الدرامية لرصد يوميات الشارع، الذي يصعب رؤيته من وراء طاولات المكاتب. ولكن «التوك توك» قد يكون مدخلاً فريداً وخاصاً جداً، ماذا لو أردنا أن نروي يوميات المصريين عبر «التوك توك»، أي قصص سنحصل عليها، أي فجيعة، هل سيبقى معها أي أثر للضحك؟
ما روته الصيحة الأولى، عبر فيديو بات معروفاً للجميع، أن كتاباً يحمل عنوان «التوك توك» لن يكون محتملاً، وقد يقود فعلاً إلى ثورة عارمة أشدّ مما فعله بوعزيزي، مفجّر الثورة في تونس.
كانت شهادة مؤثرة، لا تنسى، متقنة بحيث لا تصدق أنها تجيء من ذلك المكان، الشارعيّ بلا حدود، ولذلك افترض الكثيرون أنها مجرد مشهد تمثيلي، وأحسب أنها لو كانت ممسرحة فعلاً لما كان بإمكانها أن تكون صادقة وموجعة إلى هذا الحدّ.
لكن دائماً سيكون البحث في مكان آخر، راحوا يسألون من يكون هذا الشاب، من أين تخرّج، هل اعتقل، من وراء هذا المشهد الممسرح، سألوا كل الأسئلة، ولكن أحداً لم يستمع إلى سؤال سائق «التوك توك»، الذي لا يشبهه سوى صيحة هاملت المدوية في أرجاء بلاده «ثمة عفن في الدانمرك»: «دي مصر؟»، إلى سواها من الأسئلة التي لا ترحم.
لميس جابر في هجاء المواطن
لقد عوّدتنا الكاتبة المصرية لميس جابر، على قدر لا يصدّق من المفاجآت، أن تكون بوقاً ناطقاً باسم السيسي هذا ليس مفاجأة، إنما كيف تدافع كاتبة السيناريو، وأي حجج تقدم فتلك هي المصيبة. آخر ما حررته السيدة، التي يحار المرء فعلاً في وصف ما تأتي به، هو خطاب لاذع في هجاء سائق «التوك توك»، وليته كان هجاء شخصياً وحسب، فالمصيبة أنها تتهم عبره المواطن المصري عموماً فتقول «السيسي، يا عزيزي الخطيب المفوّه تسلّم شبه دولة معدومة الاحتياطي، تنوء بالمشكلات والكوارث، وهو يلهث ويهرول خلال عامين ونصف، ليقيم الدولة ويشيد المشاريع القومية العملاقة، وأنت تركب «التوك توك» ومنتهى آمالك أن تُشيد كشك سجائر تسرق له الكهرباء من الرصيف، لأن هذا عقلك، وذاك واجبه..».
شخصياً لا أصدق هذا الهجاء للمواطن المصري، في مقابل هذا التقديس المطلق للحاكم. وبمقدار ما يجد المرء أن خطبة سائق «التوك توك» في إمكانها أن تقود ثورة، يمكن أن يجد أيضاً في ما أطلقت لميس جابر فرصة لثورة أعظم.
احنا بتوع «التوك توك»
عمرو أديب، صاحب برنامج «كل يوم»، راح يكرر تعليقاً على ضجة فيديو «التوك توك» «إيه البلد اللي يهزها توك توك. إيه التفاهة دي. إيه الدولة اللي بيهزها توك توك».
كان، وفي وقت بدا فيه يدافع عن حق الرجل، السائق، في الكلام كان في العمق يهزأ من مكانته. راح يكرر متعجباً «توك توك!». لا ندري إن كان الإعلامي النجم قد لاحظ أن فصاحة السائق أشد من فصاحته، وهو المذيع، وأن خطبته أكثر تماسكاً، وأكثر صدقاً.
سيأتي يوم ويقال لكم بالفم الملآن، سلطة وعسكرآً وإعلاميين أبواقاً، «إحنا بتوع التوك توك»، ما تبقى من عظمة مصر، وجمالها.
كاتب من أسرة «القدس العربي»
راشد عيسى