دأب كثير منّا على القول إنّ بنية الغياب والحضور هي التي تحكم كلّ عناصر الكتابة. فإذا كان الكلام منطوقا أبدا، فإنّ الكتابة مكتوبة أبدا. وغياب الكلمة ملفوظة لا يعادله إلاّ حضورها مكتوبة.
والأمر ضرب من حذف الصّوت وإحلال النّظر محلّه، وكأنّ الكلمة المكتوبة إذ «تُخرس» الكلمة الملفوظة أو «تُفحمها»، وهي تنشد سندا في غير الشّفهي؛ تتأدّى بفضل الغياب الذي تشير إليه. والكتابة بهذا المعنى إخفاء ومواراة وخطف ومفارقة. ويتعزّز طابعها هذا بعنصرين آخرين قد يكونان من أهمّ مقتضياتها وميزاتها: المتكلّم الغائب في الكتابة، ووجود الكتابة في مادّة (حامل) وبها. ولا جامع بين هذين سوى الصدفة المحض. وهما متعارضان كأشدّ ما يكون التّعارض، فأحدهما سالب (المتكلّم الغائب) والآخر(الحامل) موجب، بل إنّ طبيعة كلّ منهما نسبة إلى قرينه، غريبة غير قياسيّة تؤكّد أنّ الكتابة نظام خليط خواصَّ وعناصرَ.
ولعلّ ما جعل الديانات كلّها تُعلي من شأن الكلام، وتعتبره روحيّا مجرّدا جاء في بيان مؤتمر ميلان 1880 بشأن الكتابة والكلام؛ بترجمتنا، أنّ «الكلام لا يهيّج الغريزة، ولا يثير الانفعال، وإنّما هو يهذّب العقل بصورة طبيعيّة أكثر، وفي رصانة وحصافة وصدق، ويزيح خطر المغالاة في الانفعال بما يقال، وأتحدّى (كلّ من يزعم) تبيِين صفات الله والملائكة، والعقيدة والرّجاء والرّحمة والعدل والحقّ وكلّ ما يتعلّق في الدّين بكائنات وأفكار من هذه الطّبيعة، بواسطة إشارات. إنّ الكلام أكثر من الكتابة أيضا، هو الإشارة العقليّة الوحيدة التي تقدِر على تعيين الأشياء الرّوحيّة والمجرّدة، من دون إضفاء صورة عليها، ومن دون تجسيمها. الكلام نفسه من طبيعة إلهيّة، وهو الأداة الأكثر ملاءَمة للكلام على الموضوعات الإلهيّة والأشياء المعقولة».
على أنّنا اليوم ننتقل إلى وضع لغويّ لا يخلو من غرابة في مواقع الاتصال الاجتماعي مثل الفيسبوك وغيره، حيث المتكلّم غائب حاضر معا. ولعلّ هذا هو العِيار الذي يتيح لنا تصنيف المقروء المرئي. والمقروء وحده (الكتاب) إنّما حافزه السّماع وليس النّظر. يقول ليوتار: «إنّ القارئ لا يرى ما يقرأ. وإنّما ينشد أن يسمع المعنى معنى الشيء الذي «أراد قوله» هذا المتكلّم الغائب الذي هو صانع المكتوب.» والكتابة من هذا المنظور، شأنها شأن آلكلام، لا توفّر أيّ صلابة لعقل الخطاب أو تقييده. والاختلاف بينهما ـ وهو اختلاف بين شكليْ الحضور حضور المعنى الملفوظ ـ يرجع إلى مقام التّخاطب وحيّزه المكانيّ الزّمانيّ. فالكلام يقتضي حضور المتكلّم والمخاطب كليهما. ويكفي أن نحذف حضور المتكلّم لنحصل على الكتابة. وباختصار مُخلّ فإنّ الغياب هو الذي ينشئ الكتابة ويصنعها. وليس ثمّة كتابة خالصة، لأن أيّ كتابة غير قابلة للإدراك أو للأداء إلاّ صوتيّا. فلا بدّ من قراءة صامتة ومن تحويل الرّموز أو العلامات المكتوبة إلى كلام باطنيّ، أي أنّ المكتوب لا يكون إلاّ في اللّحظة ذاتها التي يغيب فيها عن حامله. والكتابة بهذا المعنى ليست» الكلام الميّت»، وإنّما»الكلام الحيّ» مادامت الكلمة المكتوبة «تتكلّم» بفضل الغياب الذي تقتضيه على قدر ما يقتضيها، وتذكيه على قدر ما يذكيها. فإذا كانت الكلمة أو العلامة المكتوبة مستفرغة كتابة، من الصّوت، فإنّ دالّها الصّوتيّ الماثل فيها بالقوّة، هو الذي يسدّ فراغها ويرأب صدعها ويطلق لسانها و»يقولها»..
«الذّات» أو هذا الحيوان الفيسبوكي ـ لا يحجبه المكتوب، بل هو ينبثق بلمسة أو نقرة، في هيئة صوت أو صورة. وربّما أمكن في سياق كهذا أن نعدّل من كلامنا على فكرة الغياب التي يحتفي بها المعاصرون من أهل الفلسفة (دريدا) فنقول إنّ الكتابة الفيسبوكيّة هي مجلى الحضور الأقصى وحقيقة الذّات، وإنّ حضور المتكلّم هو مغزى حضور الذّات نفسها وهي تؤدّي فعل «التحاضر» بدل «التّخالف»
على أنّها ذات لها مكان، ولها مادّة هي مادّة الكلام نفسه وهو يتأدّى: أنا /هنا / الآن. قد تكون الكتابة الفيسبوكيّة إذن هي الاسم الذي يمكن أن نطلقه على هذين «الحضوريْن» كليهما حيث الكلمة والصّورة الماثلة تدلاّن بالدّرجة نفسها على الشيء نفسه، وتعنيان انتساب هذا الشيء إلى عالم الأشياء. على أنّ هذا الانتساب في العالم الذي نحن به، ليس حكما مصدره الفكر كما هو الشأن في الكتابة العادية؛ إذ هو حاصل تصوّر مفاده أنّ الشيء المسمّى أو المشار إليه يقع خارج من يسمّيه أو يشير إليه؛ وإنّما هو حكم مصدره الجهاز نفسه (الشاشة).
كنّا ولا نزال نقول إنّ الشّيء في الطّبيعة سابق الوجود، ولهذا يستشعر الإنسان حاجة إلى تسميته، ولكنّ الإنسان اليوم أكثر من ذلك وأبعد، يشدّ طرفه إلى عوالم يجهل طبيعتها وكنهها، إن كان لها طبيعة وكنه، وأكثرها من منشآت خياله وعقله؛ ويتطاول إلى مقام أشياء وظواهر يراها غاصّة بالمجاهل والغوامض، حافلة بالأسرار والأعاجيب. فيتطلّع إلى تسميتها، كلّما غشيته، من أمرها، الحيرة وأدركه الاضطراب؛ عسى أن يهتدي بالتّسمية إلى جلاء غياهبها والكشف عن أسرارها، وينفذ باللّغة إلى ما يعتقد أنّه الحقّ الكامن وراء المظاهر والظواهر أو ربّما لأنّه يتصوّر أن بإمكانه التّأثير فيها والسّيطرة عليها، بفعل التّسمية.
إنّ الشّيء يظهر على هذه الصّورة أو تلك بالنّسبة إلى من يدركه ويعلن عنه أو يتمثّله. وفي هذا المستوى فإن الكلمة وصورتها المفهوميّة تتشابهان، فهما تتمثّلان حلول الإنسان في الكون وتكّونان نظام استدلاله وسط ما يحيط به. وهذا التشابه يلغي في عالم اليوم الفرق بينهما؛ وكأنّ تصوّر الأشياء أو قولها يبدأ على أساس من وَحدة العالم في مجموعتين متجانستيْن: مجموعة الأشياء ومجموعة الذّوات. وربّما كانت الأولى من الوضوح بمكان لأنّها تنضوي إلى عالم المحسوسات الماثلة للعيان، فيما الثانية ملتبسة أو هي غير واضحة الوضوح كلّه..
أمّا آلفرق بين الكلمة والصورة كلّما تعلّق الأمر بهذا الواقع «المؤنسن» الذي تؤدّي عنه الكتابة فهو فرق بين الكلمة والشّيء، مثلما هو فرق بين الشّيء وصورته المفهوميّة. فالكلمة في «خارجانيّة « الأشياء، منفصمة عن المحسوسات، دونما أيّ إمكان لرأب الصّدع. هي كمهاء أشبه بطاق زخرفيّ أو نافذة عمياء، تغشي على الشّيء وتطمسه، ولا هي تخرقه ولا هي تجوز منه، بل هي تؤكّد مفهوم غيابه الغامض، بل إنّ علاقتها بعالم الأشياء علاقة توق إلى الماضي.
نقول عادة إنّ حقيقة الكلمة في الماضي؛ لأنّ اللغة زمان، والكلمة تكون حيث لا تكون، أو على رأي نزار قبّاني «إنّ الحروف تموتُ حين تُقال». والكلمة (المكتوبة) نفسها شيء جديد في عالم الأشياء. ولعلّ هذا ما يفسّر إلى حد ما اقتران الكتابة أوّل نشأتها أو في المجتمعات التي لم تكن ذائعة فيها، بالسّحر والأسطورة، وهي التي كانت مثار دهشة وفتنة وإعجاب. ويبدو أنّ مختلف التقاليد الثقافيّة الأقدم عرفت بنسبة أو بأخرى، نوعا من «الإحيائيّة» كانت تثيرها الأبجدية سواء الصّوتية منها أو الرّسميّة أي تلك التي قامت على رسم الصّوت أو تلك التي قامت على رسم الشّيء. وربّما تعذّر الفصل بينهما عند العرب، وهم الذين سمّوا الكتابة رسما. ومن معاني «رسم» كتب وخطّ؛ وشبّهوا النّطق بالخطّ والتّصوير. وربّما كان من السّائغ أن نقول ـ بناء على ما تقدّم ـ إنّ الكلمة صورة تنطوي على صورة، سواء انبنتْ العلامة بين الكلمة والصّوت على قانون المشابهة والمطابقة والرّمزية أو على ترابط المجاورة والاستبدال الكنائيّ. والكلمة في هذه الحال الفيسبوكيّة هي إحدى أساطير التقدّم العلمي المذهل، أو هي طقس سحريّ أو «سحر تعاطفيّ « سواء اتّخذ هيئة «التّعاطف المثلي «القائم على المشابهة أو هيئة « السّحر التّجاوري» القائم على المجاورة. وعلى هذا الأساس تحضر الكلمة من حيث هي صورة خطّية وعلامة بيانيّة، حضورا مضاعفا أي في ذاتها وفي تمثّلها، وتجمع بذلك بين وظيفتين: جماليّة وتوصيليّة، بل لعلّها تصهرهما في وظيفة إبداعيّة واحدة، إذ هي تنزع الأشياء من أقنومها وتفتح أغلاقها، لتعيد إنتاجها أو لتخلقها خلقا ثانيا. ومن ثمّ نعود نحن البشر، أو هكذا يتهيّأ لنا، إلى نوع من امتزاج الكتابة بالأسطورة، والصّورة بالإحيائية. ونقدّر أنّ هذا جزء من جوهر الكتابة الفيسبوكيّة لا ينفصل عنها ولا يفارقها. ومن هذا المنظور فإن سلطة الفيسبوك وسائر مواقع التواصل/ الاتّصال تكمن في قيمة الكتابة الاجتماعيّة. وهي قيمة لا تتعلّق بأفراد يعرفون الكتابة أولا يعرفونها، وإنّما بمجتمعات «فيسبوكيّة» أو «غير فيسبوكيّة»، ممّا يسوق إلى القول بحضور تقليد كتابيّ أو بغيابه. والأمر موقوف على بحث عميق في مختلف التّحولات اللغويّة التي تفضي إلى استيعاب هذه الأنظمة «الغريبة» حيث يتحوّل الإنسان إلى حيوان فيسبوكي لاعب.
٭ كاتب تونسي
منصف الوهايبي