فلسطيني صُنع في الصين يسأل جيفارا وزين العابدين: «وين عَ رام الله» !

قال لي إنه لن يتحمل مسؤولية ما سيخبرني بما لا أعرفه، مع إصراره على تعريفي به، وقد أخذ كل احتياطاته لتحصين سره ونفسه، مؤكدا أنه سينكر كل ما سيقوله في حال فكرت أن أجبره أو أحرجه كشاهد عيان أو كمصدر للخبر!
كان خائفا وقاسيا لا أدري هل ليستر ضعف الخوف أم ليسنده؟ وكان واثقا من الجريمة، لا أدري، هل لأنه ضحية أم لأنه كاتم سر؟ في الأحوال كلها لم يكن هناك وقت للأسئلة، فإما أن أوافق على عقد صفقة إعلامية من طرف واحد وبلا أية تفاصيل أو مصادر، وإما أن أفرط بحقيقة من العيار الثقيل لا أعرف بعد ما هي؟
لم يكن أمامي سوى القبول بكل هذا الغموض الذي يغلف الخبر المجهول، والذي قد يضع المهنية والأمانة على المحك إن لم أنجح بالتعامل مع السر كمفتاح للأبواب الموصدة وليس كقفل!
«الشعب الفلسطيني يتعرض لأكبر خطر في التاريخ: التعاطي» ثم اختفى هذا الشاهد تماما ولم يترك وراءه أثرا يدل عليه سوى ما يكتمه!

فضح الجريمة وإخفاء الشهود!

بثت قناة «الجزيرة» الفضائية برنامجا عن «تهويد الخليل» قدمته جيفارا البديري في رحلة اجتياز الحواجز للعبور إلى جنة محرمة أوصلتها بمحض الصدفة إلى الحقيقة ذاتها: السر !
كانت جيفارا في موقع التصوير، تسجل مشاهد من اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين وانتشار جيش الاحتلال وحصار الخليل بحظر التجوال وعيون العسس، قبل أن يظهر فجأة رجل حجبت الكاميرا ملامح وجهه وقد هرع إلى البديري يخبرها عن خطة ممنهجة لتدمير الشعب الفلسطيني وإخضاعه لتعاطي المواد المخدرة بشكل مباشر وغير مباشر. بالكاد تكاد تفهم ما يقوله الرجل، ليس لأن التصوير اعتمد تقنية تضخيم الصوت فقط، بل لأنه بدا مرتبكا أو ربما مشوشا، أو يائسا على طريقة: (علي وعلى أعدائي)، ولوهلة ما، يهيأ إليك أنه ربما يكون مخبولا أو من أصحاب الاحتياجات الخاصة، لأن طريقة شرحه غير مترابطة وكلامه متقطع… غاب الرجل وبعد نصف ساعة ظهر مجددا وبيده صرة من قصدير تحوي حشيشة باهتة تميل إلى الصفرة في بعض أجزائها، كأنما مضى عليها زمن أيبسها، وأضفى عليها شحوبا يثير الاشمئزاز حين يخبرك الشاهد أن ما تراه سم فتاك، يدمر أجيالا وقضية وتاريخا وقيامات، فهل هذا هو الشاهد ذاته في الفقرة الأولى من المقالة؟ أم أنه علي أن أكتفي بالسؤال عن الحقيقة لأنها أهم بكثير ممن يدلك عليها حين يتطلب فضح الجريمة إخفاء الشهود؟

من أصدق: الشجاعة أم الخوف!

«كل شيء هنا خاضع لحظر تام للتجوال والمراقبة الدقيقة والترصد الحثيث، والحصار المضني والشاق، فلا أثر لطير أو بشر أو نسمة هواء أو ظل، إلا وتقنصه بنادق العساكر قبل عيونهم، فكيف يمر إذن هذا السم بلا أي مصادرة أو تحقيق» هكذا تساءلت جيفارا البديري وتساءلتُ معها قبل أن تباشر بالتقصي عن هذا التغاضي، الذي سيكشف البرنامج فيما بعد أنه متعمد لا بل منظم، حيث صرح أحد المعنيين أنهم عرضوا عينات من هذه المادة على جهات دولية وأمنية وطالبوهم بمتابعة الأمر ومحاسبة المتورطين، ولكن لا حياة لمن ينادي!
هل ستحتاج بعد هذا أيها المشاهد إلى شاهد؟ أليست أداة الجريمة كافية للدلالة عليها؟ أم أن هناك ما هو أهم من الجريمة! فالشجاعة ليست دائما هي الفيصل، ما دام الخوف أقوى بكثير منها عندما يتعلق الأمر بإخفاء حقيقة لا بفضح جريمة!
«بدك الصراحة أو بنت عمها»؟ حسنا خذ ابنة العم لن تندم، لأن خبر قرار منظمة اليونسكو بنفي وجود رابط تاريخي بين اليهود والمسجد الأقصى وحائط البراق، والذي جاء إثر جهود متضافرة مع الأطراف الفلسطينية التي تقدمت بطلب التصويت على القرار هو الأشجع في التاريخ، والأكثر إدهاشا، لأنه لا يتعلق بمجموعة جرائم يمكن أن يعاقب مرتكبوها وينتهي الأمر، إنما تتعلق بقضية وجود بأكمله وتاريخ استغرق دهرا من إحاكة الأكاذيب والوثائق المزورة وتحريف الحقائق الدينية، فمتى بدأت مساعي السلطة في اليونسكو؟ وما هي الوثائق التي اعتمدتها؟ ولماذا يأتي هذا القرار بعد جنازة بيريز؟ من أين أتت السلطة الفلسطينية بهذه الشجاعة وهي ذاتها التي وقفت وراء تأجيل التصويت لتقرير القاضي «غولدستون»، رئيس بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق في غزة ، باعتراف كبار رجالاتها واعتراف «يديعوت أحرنوت» عام 2009»، إثر الضغوط التي تعرضت لها وهي الضغوط نفسها، التي دفعت غولدستون نفسه للتنازل عن تحقيقاته فيما بعد؟
برنامج «ما وراء الخبر»، الذي قدمه زين العابدين توفيق، لم يغفل عن طرح احتمالية التراجع عن القرار أو إعادة التصويت بما يدحضه، وهو ما بدأت بوادره بالتجلي بعد تصريحات تعيد صياغة القرار بما يكفل لجميع الديانات الحق في المدينة المقدسة!
أيهما ترجح أيها المشاهد في هذه الحالة كدليل على الحقيقة: الشجاعة أم الخوف؟

البعد العاطفي للأكذوبة

حاولت أن أتأكد من المراجع والوثائق التاريخية التي اعتمدتها الأطراف المعنية لنفي الحق التاريخي لليهود في الأقصى، وما إذا كانت بحوث الدكتور فاضل الربيعي، التي تناولتها في أكثر من مقالة من مقالاتي، والتي تؤكد أن القدس ليست أورشليم، مستندة إلى علماء الآثار والكتاب المقدس «التوراة» وغيرها من الأدلة اللغوية، لأثبت لك أيها المشاهد قبل أن تفعل اليونسكو، أن البطولة في هذا الزمن الفضائي ليست سياسية ولا عسكرية ولا هي إعلامية، البطولة حين يتعلق الأمر بالحقيقة من نصيب العلماء والمفكرين، هؤلاء هم أبطال العصر الحقيقيون، بعد أن تهاوت الصور والرايات والرؤوس في مستنقع المصالح والحلفاء !
كم كانت ستكون حلقة ما وراء الخبر أعمق لو أن زين العابدين توفيق تناول فيها بعضا مما توصل إليه الدكتور الباحث فاضل الربيعي ليناقشه على المستوى الوجداني والعاطفي الذي يرتبط بالطقس المتخيل أو الوهمي لحائط المبكى، والذي أحيط بهالة مقدسة لا تستند إلى جذر تاريخي، ولكنها نجحت بخلق حالة إعلامية ودعائية للحائط الذي استقطب مشاهير العالم وزعماءه ليخروا أمامه ساجدين، ولدموعهم ذارفين، وهو ما يجب أن يطرح استنكارا حازما لكل ما صاحب هذه الخديعة من إهانة للمشاعر الإنسانية والدينية واستهتار بالعقول والوعي والعواطف، ثم ما نتج عنها من مشهدية رديفة للخراب على المستويين الوجداني والمكاني !
لا تستغرب إذن حين يتمسك هؤلاء بالأكذوبة كحق تاريخي قبل أن تكون ذريعة لحماية الوعي الموروث من التشويه أو لتجنب جرح مشاعر الورثة وتعريضهم للصدمات التاريخية، مما يضمن للأكاذيب شرعيتها!

حروب الأفيون

كل هذا يهون، فالحق اسم من أسماء الله الحسنى، ولا يمكن للباطل وسدنته أن يهزموه، ولكن الهزيمة الحقيقية هي التي تأتي على الوعي والإرادة، وتشل طاقة النضال في سبيل الحق عن طريق أقذر الحروب في تاريخ البشرية، ألا وهي حروب الأفيون، الذي تناولتها «الجزيرة الوثائقية» في برنامج يحمل اسمها، حيث اخترقت القوى الاستعمارية الصين عن طريق تجارة الأفيون بعد أن رفض الامبراطور شيان لونج توسيع العلاقات التجارية مع بريطانيا، مما أضر بعملة الفضة النقدية، قبل أن تنجح بتوظيف أحد شركاتها في المستعمرة الهندية لتصدير الأفيون للصين بالتالي نزوح الفضة منها لدفع قيمة المحصول الذي دمر الصينيين وقد قرروا حرقه لكن بعد أن وقعوا معاهدة مذلة بالتنازل عن هونغ كونغ !
أيها المشاهد، حين يفشل التاريخ بدوره كشاهد عيان، ويخفق الإعلام بالبحث عن الحقيقة لا تتأمل خيرا بالعدالة، ولكن ادع الله ألا يأتي يوم على أمتك تروج فيه للفلسطيني كمدمن أفيون صنع في الصين… وتحرر من أغنيته التراثية فلم يبحث عن وجهة العودة في رام الله، لأن هونغ كونغ أرض ميعاده، بعد أن أعاد العرب إنتاجه كإرهابي في مناهجهم المدرسية؟!

كاتبة فلسطينية تقيم في لندن

فلسطيني صُنع في الصين يسأل جيفارا وزين العابدين: «وين عَ رام الله» !

لينا أبو بكر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية