صحيح أن ملايين المصريين نزلوا إلى الشوارع في الثلاثين من حزيران/ يونيو ضد نظام محمد مرسي، لكن من أسقط مرسي كان الجيش. في زمن الثورات، يمتلك الشارع قوة استثنائية في مواجهة أية سلطة، مهما كانت مبررات وجودها وهيمنتها، لا تملكها أية قوة سلطوية على الإطلاق، بما في ذلك الجيش.. من المؤكد أن من حق ملايين المصريين أن يرفضوا تسلط أقلية عليهم، ولا يمكن لتلك الأقلية أن تبرر تسلطها ذلك على المجتمع بأي مبرر، وأن الديمقراطية المباشرة في الشوارع والميادين هي الأقرب إلى نبض الشارع والناس من أي شكل آخر للسلطة، لكن تدخل المعارضة المصرية وبعدها الجيش قطع الطريق عمليا على تطور ديمقراطية الشوارع والميادين المباشرة هذه، وقلب المعادلة إلى صراع بين قوى سلطوية للهيمنة على مركز السلطة. ليست المسألة شكلية فقط، بل القضية هي في من سيرث السلطة التي سقطت، الشارع أم الجيش أم المعارضة؟ عندما يطيح الشارع بسلطة غاشمة سيكتسب عندها قوة كبرى في مواجهة أية سلطة قادمة، وستكون في موقف أضعف من السلطة السابقة التي أسقطها الشارع، لكن عندما يتم الأمر بيد الجيش تنتقل السلطة الفعلية إلى الجيش، لا الى الشارع. لا بد أيضا من بعض التأملات الضرورية في تكتيكات الإخوان في الأيام الأخيرة، فقد فاق الإخوان ثوار محمد محمود والعباسية ومجلس الوزراء وغيرها في مواجهاتهم مع قوات أمن المجلس العسكري، ثم حكومة مرسي، في الوسائل والتكتيكات التي استخدموها، رغم أن إعلام النظام مدعوما بالإخوان وصف هؤلاء الثوار يومها بـ’الفوضويين’ و’المخربين’، لكن أولئك الفوضويين لم يستخدموا أي سلاح ناري ضد الشرطة والجيش، ولم يتقصدوا رغم كل جراحهم قتل أي من جنود هذين الجهازين الأمنيين أو القمعيين. بالمقابل قد يكون من الصعب أن نحكم على مدى استخدم الإخوان للأسلحة النارية في مواجهتهم مع الجيش اليوم، لكن هذا الاستخدام أمر لا يمكن إنكاره ولا حاجة أصلا لإنكاره. وبينما كان الشباب الثائر يواجه العسكر ثم شرطة مرسي في الشوارع والميادين، كان الإخوان يحملون هذا الشباب جريرة ما يقع ويتعامون عن القمع الذي يتعرضون له على يد العسكر حلفاء الأمس أعداء اليوم، وطالما اتهمهم الإخوان يومها بأقذع الاتهامات المأخوذة من الترسانة التقليدية لإعلام الأنظمة الاستبدادية.. صحيح أيضا أن النظام، نظام المجلس العسكري ثم الإخوان، لم يكلف نفسه حتى عناء الحديث عن مصالحة وطنية مع هذا الشباب الثائر، ولا عن حقن دمائه أو عن حقوقه في ظل ‘الديمقراطية’ التي يتحدثون عنها اليوم، على العكس مما يفعله اليوم نظام العسكر ـ المعارضة مع الإخوان. من الواضح أن اعتقال وسحل وقتل المئات من هؤلاء الشباب بالأمس كان مهمة سهلة مقارنة بقمع العسكر للإخوان اليوم، ولا شك أن هذا حدث جزئيا بفضل الإخوان أنفسهم والغرب ‘الحر’ أيضا.. لكن كلام الإخوان وتصرفاتهم يومها لا يمكن أن يبرر للثوار المصريين ولا لغيرهم الصمت على أفعال القمع التي ترتكبها أجهزة أمن النظام الجديد، نصف العسكري، بحق الإخوان أو غيرهم.. لا شك أنه لا يمكن القبول بالقمع مهما كانت مبرراته، أيا كان من مارسه أو من وقع عليه، ففي النهاية ليس القمع فقط هو سلاح القوى السلطوية المتنافسة في إخضاع خصومها، الثابت هو أن القمع أحد أهم أسلحة أي نظام في إخضاع المجتمع الذي يريد الهيمنة عليه. باختصار، لا يمكن اليوم تبرير قمع الإخوان ولا القبول به، من زاوية حرية المجتمع وكل أفراده.. تبقى ديمقراطية الشوارع والميادين هي الخطوة الأولى نحو الديمقراطية المباشرة، الديمقراطية الحقيقية للمجتمع، والهدف الحقيقي من مواجهة قمع النظام الجديد، كما هو الحال مع قمع أي نظام، ليس الدخول في صراع الكبار على السيطرة على المجتمع، بل الدفع بتلك الديمقراطية الشعبية المباشرة في مواجهة ‘ديمقراطية’ الأقوى.