لندن – «القدس العربي»: يتجه العالم إلى الفضاء، يحزم مراكبه الفضائية ليرسو في كوكب جديد للميعاد بعد أن استنفذه الحنين إلى المجهول وتمكنت منه غوايات العودة لوطن السماء المؤثث بأحلام النعيم و مواعيد الخلود… ولكن!
لسبر الأعماق ما يناغي قشعريرة البحث عن الدر المكنون والرهبة من هسهسات الجحيم تحت كوكب الماء الذي ظنه العلماء مستعمرة للظلام قبل أن يكتشفوا ثرواته في أكبر موطن للأحياء وللرواسب المعدنية على وجه الأرض.
إنه البحر، خيمة الحوريات ومملكة أمير البحور «بن ماجد» كما لقبه الغرب وأخذوا عنه علم الملاحة.. وها هي العالمة التونسية جارة البحر «أم كلثوم بن حسين» تستعيد ذاك المجد وهي تطل من شباك الخضراء على جرحك الأندلسي لا لتزجرك وهي تراك تبكي ملكا ضائعا كالنساء، إنما لتربت على وجعة تاريخ غبر كي تشحذ همة الأثر.. مدفوعة بشغف البحث كمشروع للحياة وحلم للخلاص من المآسي البشرية وغياب العدالة.
أم كلثوم بروفيسورة في علم الأحياء وعلم البحار والبيئة، مدربة في البحوث الجندرية حول دور تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بتمكين النساء في إفريقيا والشرق الأوسط وعضو في العديد من المؤسسات العلمية المرموقة حول العالم ومنها الأكاديمية الأوروبية للعلوم والفنون، وتقاسم المعرفة ((Sharing Knowledge Foundation وغيرهما.
أسست بحوثا ورسائل ماجستير عن البيولوجيا التكاملية للنظم الإيكولوجية الساحلية. وأدارت فرق بحث عن الأحياء المائية، وساهمت في إصلاح تدريس العلوم الطبيعية في التعليم الثانوي والتعليم العالي. حاضرت في العديد من الجامعات منذ سبعينيات القرن الماضي، نالت العديد من الجوائز وشهادات التقدير للخدمات التطوعية الاستثنائية. كما نالت وسامي الاستحقاق لعامي 2000 و2008. وميدالية رمّال الذهبية خلال الملتقى الدولي للعلوم في مانشستر تقديرا لأبحاثها الأوسيانوغرافية وحماية البيئة البحرية في حوض المتوسط ونشاطاتها في حرية التعبير وحق المساواة في أفريقيا.. وهي جائزة تمنحها المؤسسة الأوروبية للعلوم EuroScience إلى عالم متميّز من بلدان البحر الأبيض المتوسط، وتحمل اسم العالم الفيزيائي اللبناني حسان رمال (1951 – 1991).
■ من أين ابتدأت الرحلة؟ هل كان الدخول في مجال علم البحار نابعا من استعداد فطري أم من محفز بيئي أو اجتماعي أم أنه تلبية لطاقة ذهنية و وجدانية؟
□ اقترنت طفولتي بالبحر جار مدينتي التي نشأت فيها. وللوصول إلى علوم البحار كان لا بدّ من الحصول على إجازة في العلوم الطبيعية، التي غرمني بها أستاذ هذه المادة خلال دراستي الثانوية. لهذا تخليت عن دراسة الطب وانخرطت في دبلوم الدراسات المعمّقة في البيولوجيا البحرية والأوسيانوغرافيا، الذي كان الدبلوم العلميّ الوحيد الموجود في الجامعة التونسية في ذلك الوقت، خاصة وأنّ عائلتي لم تكن لترضى أن أذهب لمتابعة دراستي في الخارج. وهكذا كانت العلوم الطبيعية هي بوابتي الكبرى إلى علوم البحار.
■ في الحقبة الأندلسية كان الازدهار العلمي انعكاسا لتطور واستقرار شامل لا يحكمه التزمت والنزعات التطرفية والفتن واختلال توازنات نظام الحكم إثر الصراع على العرش، بحيث غدت الأندلس محجا لخيرة القدرات المبدعة وعلى رأسها النساء.. كالعالمة القرطبية «إشراق»، وعالمة الفلك والكيمياء «لبنة» التي كانت تدرس في جامعة قرطبة وهي أول جامعة أوروبية، و«صفية بنت أحمد» و «مريم بنت يعقوب الأنصاري» وغيرها من الإسبانيات اللواتي تزوجن علية القوم ليكسرن النظرة الدونية للسبايا المتعلمات في دولة الخلافة العباسية، ولنسلهن يعود الجيل الحضاري المسلم الذي أرخه الإسباني خوان فيرنيه.. أعتذر عن الإطالة ولكن أحس أن الحوار معك يجب أن يتخذ طابعا استدعائيا لا استجوابيا لمجرد إثبات الحضور في سجل غياب الأمة عن ذاكرتها… وهو ما يثير التأمل، فأنت حسب اطلاعي على سيرتك الثرية قامة مرموقة في الأوساط العلمية والأكاديمية حول العالم، وعالمك العربي يضيق بك أم تراه يضيق بتاريخه وذاته! هل نحن فعلا سقطنا في وحل الأزمنة؟ أم أننا نتثاءب استعدادا لصحوة متأخرة؟ أم نجتر ثقافة الجواري بأسلوب عصري؟
□ منذ عصر الانحطاط تراجع كلّ شيء. حوصر الفكر ومُنِعَ البحث وحوكم السؤال وغُرِّبَت الفلسفة وغُيِّبَ النقد. وضاق ما سمي بالعالم العربي على نفسه. ومن قاوم وأنجز حوصر واتِّهِمَ بشتّى التُهم القاتلة. ونحن نعيش اليوم أسوأ الفترات. كنّا نعتقد بأنّ ما حدث من انتفاضات واحتجاجات وما سمّي بالثورات سيطلق عصفور الحرية من عقاله. ولم نُخطئ. فقد انطلق وانفلت على عكس ما اشتهينا. وحرف المنتفعون هذه الحرية عن معناها الحقيقي ألا وهو البِناءُ والتجديد وكسر التقليد ودعم البحث وتطوير التعليم والنهوض بالمدرسة وبالجامعة ومراكز البحث وكسر القيود التي تعيق العقل عن التفكير والبحث والسؤال والتجديد العلميّ والمعرفيّ، وحماية التاريخ والثروات والذاكرة لا العبث بها وتخريبها. وأنا هنا أتحدّث لا بصفتي امرأة وحسب وإنّما كباحثة وأستاذة تعليم عال ولي عقل أتأمل به. ما حدث عكس ما كان يُرجى من حركات التغيير التي أسقطت رؤوس أنظمة ولم تُسقط منظومات ولم تُغيِّر عقليات مريضة وَجَدَتْ في التغيير الذي حدث فرصة لتتشكل في مجموعات ضغط انتقامية للتدمير لا للتحديث والتطوير. ما حدث لاحقاً كان عملية سطو على بلدان بأكملها وعلى مقدّراتها وثرواتهاو شعوبها. ومحاصرة الكفاءات والشرفاء الذين تحمّلوا طيلة عقود من المحن أعباء النضالات بشق النفس وضيق اليد والصبر على القمع بما ملك العقل وأثمر.
هؤلاء فرضوا السيطرة بضحالة فكرية وعلمية وسوء تسيير وتصرف يفتح مجالاً لقوى التخريب والردّة أن تتقاسم معهم رسم معالم مصيرية لا تعود على البلاد والعباد بخير، وقعنا، بلداناً وشعوباً، في قبضة أعداء كانوا يختبئون لنا بين ظهرانينا وما أن بلغنا المنعطف حتى خرجوا من بيننا يدفعون بكلّ شيء إلى الوراء. لكن هل يمكن أن نستسلم؟علينا أن ندافع عن مصائرنا أينما كان الموقع فما من نهضة بدون حرية العقل، وبدون إيمان الحاكم وسادة الدولة والشعب بها، وحمايتها.
ومذ انطوينا على أنفسنا باسم حفاظ زائف على هوية لم نستطع الحفاظ عليها أو تطويرها، ما أدّى بنا إلى الانحطاط والالكتفاء باجترار الماضي التليد. تغيّرت المفاهيم وأصبح المعيار الذي يؤخذ في الاعتبار هو المال والانقياد إلى السهل والتكرار والشهرة الفضفاضة على حساب القيمة والجودة..إذن لا تستغربي أن لا يتم تكريم مجتهد في وطنه، ما دامت العقبة في طريق الإبداع هي الرداءة والوصولية. وللتغلب على هذا لابد من وقف الانحدار الدّاهم في العقل وفي الأخلاق وإعادة الاعتبار إلى العمل والبحث والإنتاج ووقف السطو المعروف بالسرقات العلميّة والفكرية والأدبية،في ظل حالة الفوضى الناشئة التي يظن هؤلاء أنها مرتع خصب لانتهازيتهم و استبعاد الكفاءات والقدرات.
أما الذاكرة العربية فمثقلة بالتناقضات فالوطن العربي لم يحدّد بعد طريقه السليم وأصبح مهدّداً بفقدان هويّته وأيّ هويّة يُمكننا أن نَنْسِبَها إليه وهو يُعاني من ألم في ماهيّته في منطقة تتصارع فيها الأضداد وتتحالف ضد نفسها.
■ أنت بروفيسورة ومدربة في البحوث الجندرية الدولية لتمكين النساء في إفريقيا والشرق الأوسط، كيف انتميت إلى هذه المنظمات، وما هو مدى التأثير بتغيير الصورة النمطية عن المرأة العربية التي لم يزل الغرب يتعامل معها بفكر استشراقي «حريمي»، ثم كيف تساهم بحوثك بتفعيل دورها؟
□ بالتوعية. ففي مجتمعاتنا التقليدية، العربية الإسلامية، الذكوريّة في الأساس، تُسدُّ الآفاق أمام المرأة في اكتساب العلوم والمعرفة والمشاركة في الحركة الفكرية والثقافية، وإذا برزت امرأة لتكسر السائد اتُّهِمَتْ بشتى التهم وأقلها تجاوز الحدود وكأن للمعرفة الإنسانية حدودا ممنوعة على المرأة العربية.
بالنسبة لي، نشأت في مجتمع محافظ يعتبر المرأة تابعة لا يؤمن بقدراتها ولا يمنحها نفس الحقوق التي يمنحها للرجل الذي يعتبره قوّاماً وعائلاً وهو ما جعلني منذ صغري أعي هذا الظلم الفادح لأكافح بكافّة أساليب النضال التي ارتأيت إليها لأرفض الواقع الذي أرادوه لي، وأصرّ على الدراسة والتفوق كمبدأ للنضال ضدّ كلّ ظلم يُسلَّطُ على المرأةو الطبقات المُسْتَضْعَفَةِ وكذلك على الشعوب التي تتعرّض للقهر والاضطهاد والاحتلال وعلى رأسها الشعب الفلسطيني الذي أعتبره شعبي، وكان طبيعيّاً أن أنخرط في المجموعات والحركات التي تهتمّ بوضع المرأة وتُظهرُ أسباب ذلك الظلم ومقاومتها وتوعية المرأة بها ومنحها الأدوات والوسائل التي تمكنها من تجاوزها. وفي هذا الإطار تندرج مشاريع البحث الجندرية التي نقوم بها و هي في جانب كبير منها ميدانيّة، تمكنّنا من الاتصال بالنساء وتحسيسهنّ بضرورة رفض الإهانة واستعادة حقوقهن المسلوبة وتحقيق مكاسب تعود عليهن وعلى محيطهن العائليّ والمجتمع عامة بما هو أفضل. فمشاركة المرأة ضروريّة لتعديل الموازين والتقدّم.
■ قوارب الموت تشكل جزءا من البيئة البحرية، وأصبحت ظاهرة تثير قلق خفر السواحل ودوائر الهجرة حول العالم، ماذا عن تأثير هذا على البحوث العلمية وارتباطها بقيم التعامل الإنسانية مع البحر كملاذ للفرار من ويلات الحرب والفقر والظلم؟
□ دور العالم أو المثقف أن يكون ضمير الشعب. لكن عليه أن يعي جيّداً الأسباب والمسبّبات ليساهم في وقفها أو الحدّ منها. وأنا كباحثة ومُدَرِّسَةٍ وناشطة في المجتمع المدني أشرح خاصة للشباب العاطل عن العمل ولحملة الشهادات الجامعية خطر الهجرة السرية عبر البحر في قوارب موت، وكذلك خطر ما بعد البحر في حال افتراض النجاة. ثم حثّه على عدم فقدان الأمل، والبحث عن تكوين مهنيّ يشكّل بديلاً آمناً له.
بالنسبة للاجئين والفارين من مناطق النزاع والحروب فإنها مسألة تختلف وعلى المجتمع الدولي أن يجد لها الحلول الإنسانية وعلى رأسها وقف ضخ السلاح إلى القوى والمجموعات التي تتحارب وتتسبب في كوارث إنسانية تدفع بالمواطنين العُزّل إلى التفكير بالنجاة بإلقاء أنفسهم في خضم أمواج البحر عن طريق مهربين يستغلون هذا الوضع. إنّه لأمرٌ محزنٌ ومُخجِلٌ. وهو موضوع، لا أدّخر جهدا لطرحه في كافّة المؤتمرات والملتقيات الدوليّة.
قوارب الموت مثل السفن العابرة والأساطيل المدججة بالأسلحة، لا تمنع استمرار البحث العلمي في البحر. ولطالما عرضنا للأخطار التي تتهدّد البحر الأبيض المتوسط خاصة كبحر فريد بين البحار، ومياهه والثروات السمكية والنباتية التي ينطوي عليها، في مجمل البحوث التي أجريتها أوأشرفت عليها، أو قدّمتها في المؤتمرات والملتقيات.
■ رحلاتك في البحر، ماذا تقولين عن هذا الكائن العملاق.. أي رهبة وأي متعة… هناك؟!
□ عندما يخرج الباحث إلى البحر يعتبره وسطاً للملاحظة. يجمع منه العيّنات لدراستها. وهو بالنسبة له وسطاً بيئيّاً يمثّل المرحلة الأولية والأساسيّة لأبحاثه التي لا يمكن للمرحلة المخبريّة أن تتمّ وتُنْجَز بدونها. لكنّه لا يرى في البحر عملاقاً مخيفاً، وإنّما فضاءً أليفاً يمكنُّهُ من اكتشاف المعرفة في سبيل الحفاظ على موائله وثرواته حتّى تُواصل البشريّة استغلال خيراته وكلّ ما يمنحه لها من استعمالات في خيرها وفي رفاهها.
■ مسألة التكريم من الدول والمراكز الأكاديمية والعلمية الغربية ، تحمل مضمونا رمزيا ربما يصيب االمفكرين العرب بالخيبة والغربة في وطنهم العربي وبين أبناء جلدتهم في ظل تجاهل إعلامهم ومجتمعهم لإبداعاتهم، هل حساسية المجتمعات العربية المفرطة اتجاه التكريم الغربي الذي ترى وراءه أهدافا مضمرة – قد لا يكون العلم والإبداع غايتها بقدر ما هو وسيلة ربما لترويض ثقافته و ذهنيته – يقف حائلا أمام استيعابكم أم أن هذا مبرر لإخفاء أسباب أكثر كارثية تتعلق بثقافة الكسل والانعزالية واللهاث خلف المفرقعات التي تلهي العقول و تخدر السعي؟
□ لو كانت مسألة ترويض لكنت حافظت على موقعي كباحثة ومدرّسة في فرنسا. ولكنّني آثرت ترك ذلك الموقع والعودة إلى بلدي لأخدمه. ومن وجهة نظري المرتكزة على تجربتي الشخصيّة فإنّ المسألة أكثر كارثيّة فهي على صلة بتلك الثقافة السائدة، ثقافة الكسل والركود والنكران والجحود والجمود في العقل الذي يُعَوَّلُ عليه في إحداث التجديد والتقدّم.
وبالنسبة للتكريم الذي حظيت به في مانشستر يوم 25 تموز/ يوليو الماضي فقد تفاعل معه الإعلام الوطني المسموع والمقروء بالعربية وبالفرنسية واهتم به المجتمع المدني فقد تمتّ إقامة حفلي تكريم لي الأول في مدينتي ومسقط رأسي (وذرف) والثاني في قلب تونس العاصمة، في النادي الثقافي الذي يحمل اسم المفكر والمصلح الكبير الطاهر الحدّاد، لكنّه قوبل بصمت القبور وعدم الاهتمام من قبل الجهات الرسمية وخاصة الجامعة التي وهبتها أكثر من نصف عمري وكذلك من وزارة الإشراف (وزارة التعليم العالي والبحث العلمي) التي شاركت على الدوام كمتطوّعة في مشاريعها للتعليم العالي والبحث العلمي بكلّ جدٍّ وإخلاص.