مصر: حتى لا تكون الثورة برسم التسليم

حجم الخط
2

إلى أن يضع الربيع العربي أوزاره لن يكون الحديث بالشأن المصري حديثاً يخص أهل مصر وحدهم، فبفضل الهزات المدمرة لهذا ‘الربيع’ عادت مصر وبقوة إلى المشهد العربي، وبات ميدان التحرير مؤشراً لقوة الزلزال الذي سيضرب الفالق الذي بات يطلق عليه مجازاً لقب ‘الوطن العربي’. في كتابه ‘لعبة الأمم’ يصرح مايلز كوبلاند بأن الولايات المتحدة قررت ـ ومنذ العام 1952 ـ أن تخضع العالم العربي إلى هيمنتها من بوابة السيطرة على مصر، فمصر ـ كما يؤكد كوبلاند ـ وهبتها الطبيعة مكاناً يجعل أي تأثير عليها لا ينحصر في أرجائها، بل يمتد وينعكس على جميع الأقطار العربية الأخرى، لهذا فقد كانت خطة الأمريكان تقوم على انتقاء مرشحٍ يظهر على أنه الحاكم الفعلي ‘بينما نبقى نحن وراءه في الكواليس، وبنفس الوقت يتم اختيار صفوة منتقاة من كبار الشخصيات لتكون طرفاً في كل ما ننوي انجازه، فلها نرفع الاقتراحات ومعها نجري المساومات، ولكن عليها أخيراً أن تنصاع لترتيباتنا النهائية التي نخفيها عادة وراء مساعدات اقتصادية وعهود نقطعها على أنفسنا بأن نتركها تسرح وتمرح في السلطة’. ويشير كوبلاند إلى أن السفير الأمريكي في مصر عام 1952 ـ كيرمييت روزفلت ـ كان أول من حاول ‘ تنظيم ثورةٍ سلميةٍ في مصر يقودها حاكم مصر حينها الملك فاروق، ثورة يتمكن بواسطتها من تصفية النظام القديم، ويضع حدا للمحاولات المتكررة للثورة ضده، التي كانت وكالة الاستخبارات المركزية على صلة بها قبل سنتين’.
القراءة المتأنية لكتاب ‘لعبة الأمم’ تظهر تماماً أن استراتيجية واشنطن في مصر تقوم على تقليص دور المؤسسات المعبرة عن القرار الوطني والقومي للشعب المصري، لصالح ‘الصفوة المنتقاة أمريكياً’، تلك الصفوة التي تحكم مصر منذ كامب ديفيد إلى اليوم، الصفوة التي انتمى إليها السادات ومبارك ومرسي، وكان القاسم المشترك بينهم جميعا إصرارهم على إخراج الجيش المصري من الصراع العربي الإسرائيلي.
أظهر حراك 25 يناير 2011 فعالية ‘سياسة الصفوة ‘ التي اتبعتها واشنطن تجاه مصر وأدت إلى توفير الأمن على الجبهة الجنوبية ‘لإسرائيل’، فالمتتبع لهذا الحراك كان يعتقد ـ وهو محق في ذلك ـ أن ‘ثورة مصر 2011’ ليست ثورة ذات مطالب اقتصادية واجتماعية فحسب، بل ثورة لاسترداد شرف مصر ‘البهية’، شرف فقدته مذ تم جرها إلى ‘مخدع’ كامب ديفيد لتقايض دورها العروبي الأصيل بالقمح الأمريكي، ودور جيشها بحفنة من الدولارات، استعادة دور مصر وجيشها كان واضحاً في ميدان التحرير 2011 من خلال الشعارات التي رفعها لفيف من شباب الميدان، التي طالبت بإغلاق السفارة الإسرائيلية وطرد السفير، إضافة إلى رفع صور الزعيم جمال عبد الناصر.
اسقط حراك 25 يناير مبارك، وتم الإعلان عن انتصار ‘الثورة’، وعليه كان من المفترض أن تحكم مصر قيادات يظهرها ميدان التحرير وتعمل على الترجمة المؤسساتية لشعاراته المناهضة للفقر ولسرقة دور مصر، لكن يبدو أن ميدان التحرير لم يعط الوقت الكافي لتظهير رموزه، ففي غضون أيام من سقوط مبارك حكم مجلس عسكري مهد الطريق أمام انتخابات فاز فيها الإخوان المسلمون الفصيل صاحب المشاركة المتواضعة في ثورة يناير.
صعود الإخوان إلى سدة الحكم كان نتيجةً لا تنسجم مع مقدمات ميدان التحرير، بدليل أن السياسات الداخلية والخارجية التي اتبعها ‘سكان القصر’ كانت استمرارا لسياسات مبارك ‘العبد المأمور’، إذ ـ وعلى مدى عام من الحكم ـ ثابر تلاميذ حسن البنا على إقصاء فصائل معارضة، صنعت تحرك 25 يناير بدعوى أنهم الفائزون بالسلطة، وبالتالي لهم مطلق الحق بتوزيع مقاعدها كما توزع الأسلاب بعد الغزوات، كما واظب ‘سكان القصر’ على تنفيذ تعليمات واشنطن في مناصبة العداء للدول الداعمة للمقاومة، وأظهروا إخلاصاً لا مثيل له بجعل مصر ركناً من أركان الهلال السني في مواجهة الهلال الشيعي، ناهيك عن سعيهم لأسلمة مؤسسات الدولة، وفشلهم الذريع في تنفيذ أي من وعودهم الانتخابية على مستوى السياسة الاقتصادية والاجتماعية.
النتيجة المباشرة للكارثة الإخوانية في مصر كانت حراك 29 يونيو، الذي أسقطهم ليعود ميدان التحرير للمطالبة ـ بالإضافة للخبز والحرية والعدالة الاجتماعية ـ باسترداد شرف مصر ‘البهية’، حيث انتشرت ـ وبشكل أكثر كثافة مما حصل في حراك 25 يناير ـ صور عبد الناصر، وليقوم الجيش المصري باحتضان هذا الحراك قبل أن تطلب واشنطن من مرسي الرحيل، ربما رأت واشنطن في ذلك نوعاً من التمرد عليها لذلك رأينا اوباما يهدد الجيش المصري بقطع الإعانات العسكرية الأمريكية، هذا التحذير رد عليه الشارع المصري بإطلاق حملة جمع تواقيع تطالب بإلزام الرئيس الجديد برفض كافة المعونات الأمريكية لمصر، بالتزامن مع بدء استهداف وحدات تابعة للجيش المصري بصواريخ أرض ـ أرض في سيناء، وسقوط العديد من الجنود في صدامات مع جهاديي الإخوان المسلمين وانتشار الادعاءات بحصول انشقاقات في صفوفه.
ربما من السابق لأوانه الحديث عما إذا كانت واشنطن قد استشفت وجود اتجاه لدى الجيش المصري بالتخلص من التبعية الأمريكية، التي ميزت حقبة السادات ومبارك ومرسي، ولكن ـ وعلى الوقع الدامي لثورات الربيع العربي ـ يبدو تماماً أن واشنطن عدلت خطتها ـ التي تحدث عنها كوبلاند ـ من مقولة السيطرة على مصر بغية السيطرة على محيطها إلى مقولة تدمير مصر بغاية استكمال نشر الدمار في محيطها (خصوصا الجزائر التي باتت اليوم مجاورة لثلاثة بلدان اجتاحها الربيع)، أول خطوات التطبيق العملي لهذه المقولة هو’شيطنة’ الجيش المصري وتصويره في أعين المتشددين على أنه منقلب على الشريعة والشرعية، وبالتالي إعلان ‘الجهاد’ عليه، كما هو حاصل اليوم في الجيش العراقي والسوري. تعي واشنطن وحليفتها تل أبيب أنه ـ وعلى الرغم من اتفاقيات كامب ديفيد ـ مازال الجيش المصري يحتفظ برمزيته في ضمائر المصريين خاصة، والمخلصين من العرب عامة، فهو جيش 1958 وجيش العبور في 1973، وتقنياً هو اليوم أقوى جيش عربي وأفريقي والسادس عشر على مستوى العالم، بالنسبة لواشنطن وحلفائها جيش كهذا لا يؤتمن جانبه في بلد بات فيه الحراك المطلبي لا ينفصل عن الحراك القومي، الذي تشكل فلسطين عمقه، ثمة قناعة رسختها نتائج الربيع العربي في أذهان من مازالوا إلى اليوم محتفظين بعقولهم، قناعة تقول ان الأمريكان لم يعودوا اليوم بحاجة لشراء أمن إسرائيل عبر أنظمة موالية تفرضها على شعوب تكن العداء لها، فالتجربة المصرية لم تحرز النجاح المطلوب ومرجحة اليوم لان تعطي نتائج مضادة، واشنطن اليوم باتت مقتنعة أن تفتيت الدول المحيطة بإسرائيل، أو التي تسبب خطرا لها ـ بات مسألة لا تكلفها سنتا واحدا طالما أن فصيلا من أنظمة النفط والغاز على استعداد لتقديم التمويل اللازم، من هنا حان الوقت للتخلص من آخر جيش عربي من خلال توريطه بصراع داخلي ينزع فتيل استعادته لبعده القومي ولكن إلى حين.
حماية مصر دولةً وجيشاً وشعباً لا يكون إلا من خلال مأسسة ثورة 29 يونيو، فحتى لا تكون هذه الثورة ‘ ثورة برسم التسليم’ عليها أن تكون النقيض الأيديولوجي والمؤسساتي لحكم الإخوان ومبارك، فإذا كان ينظر ـ على الصعيد الأيديولوجي ـ على أن الإخوان موالون لأمريكا و’إسرائيل’ فعلى المصريين أن يعلنوها مدوية: ‘فلسطين هي البوصلة’، وإذا كان أحد أسباب سقوط حكم الإخوان هو عجزهم عن إيجاد خطاب جامع يوحد المصريين على اختلاف انتماءاتهم وميولهم السياسية، فإنتاج هذا الخطاب هو اليوم مسؤولية جبهة 30 يونيو، بتياراتها وأحزابها والذين عليهم أن يدركوا أن الشرعية الثورية ـ التي يقولون انها شرعنت تحركهم لإسقاط مرسي المنتخب دستوريا ـ تتحول إلى انقلاب عندما تتبنى الفئة الثورية المنتصرة خطاباً إملائيا يفوح منه طعم الانتقام في مواجهة الفئة المهزومة. الشرعية الثورية لميدان التحرير (الشعب) تأتي من خلال قدرة قادة جبهة الإنقاذ (الطليعة الثورية) على ترجمة طموحات الجماهير مؤسساتيا وإقناعها بأن مصر الجديدة يجب ألا تقاد من الميادين والشوارع، بل من المؤسسات الشرعية للدولة الممثلة لكل فئات الشعب المصري، هذه مسؤولية قومية ملقاة على عاتق الطليعة المصرية لأنه حيث يسير ميدان التحرير تسير الشعوب العربية، بدليل أنه عندما رفع القائمون على الفن المصري شعار ‘الجمهور عايز كده ‘ انحدر الفن العربي من المحيط للخليج، وأملنا أن تضرب مصر مثلا مؤسساتيا وايديولوجيا يحتذى مع شعار ‘الشعب يريد إسقاط الإخوان’ حتى لا تصبح الثورات العربية القادمة ثورات برسم التسليم.

‘ كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية