يوضح لنا التاريخ، أن حيويته لم تعكس ركود الأمم، أو كسل شعوب الكوكب أو انكفاءها في المثالية والاقتناع المطلق بمواردها متواضعة كانت أم غنية. حيوية التاريخ هي نتاج للاحتكاك بين تلك الأمم، إنها حيوية مبقع ثوبها بالدم. بلطخات ومآس وأحزان وفنون وأساطير.
هناك أمثلة قليلة، ساهمت الكوارث الطبيعية فيها في انكفاء امم بأكملها عن المشهد الانساني. وبغض النظر عن التعريفات التي حاولت تحديد التاريخ أو تمصيره أو التنبؤ بمساراته، والتي لا يزال يتملص منها مفاجئا إيانا بانعطافات حادة، وانعواجات غالبا ما يكون علينا أن نسلكها متسلقين الوعر، أو مسحوبين إلى بعد غير مرغوب، فإن التاريخ يشبه الكبد تحديدا. كبد ضخم نعيش فيه كل يوم. واعتذر على هذا التشبيه غير الأنيق. لكن التاريخ، ككتلة، لا يمكن لها إلا أن تواصل النبض، أن تتقلص أو تتمدد في حجمها، أن تتفاعل مع ذاتها، بل وأن تظهر إشارات دالة على خلل خلية أو مجموعة من الخلايا ضمنها. إنها كتلة منعزلة، داخل حدود معينة. لم تنجح البشرية في الخروج عنها. ذلك إذا ما توخينا قياس الناتج لتطورنا، مهما يكن مستوى هذا التطور ونوعه، علميا، اجتماعيا، سياسيا.. إلخ. لا نزال أسرى سلوكيات معينة، تكررت وسوف تُعاد عشرات المرات، وستشير إلى أننا لم نقدم جديدا لهذا التاريخ، لم نستطع تفجيره أو قولبته في فورم جديد. وبما أن الهدف الأسمى للإنسان المتحكم بموارد الطاقة هو السطو، فإننا اقصى الاجتهادات البشرية يُوظف أو يؤول بنا إلى الانتقال من ديكتاتوريات ببذات عسكرية إلى أخرى بكارافتات ملوّنة أو عباءات دينية.
وبحسب مواثيق الأخلاق التي تهدف إلى السيطرة على روح العنف المتأصلة في البشر، واستبعاد ظل النزعة الحيوانية عن سلوكنا، فإن الديكتاتور هو الخطأ. وهو في ذروة انفعاله، تجسيد ناجح جدا للتوازع التي نحاول طمسها، والتي قد تخرج عن سيطرتنا لحظة الانفعال. وهي النوازع التي نستعمل دعاية التفوق على الحيوان، لإفراغها، والحد من إلحاحها عبر تعريضها لنظريات اجتماعية نقدية حادة (وهي نظريات تحاول إقصاء العنف الفيزيولوجي والمعنوي واللفظي عبر تفكيك هذه النسخ الثلاث، بالتالي، فإنه ما تقوم به هو سلوك عنفي، لكنه ممنطق، مفسر وهادئ، عنف رزين نقبل به صونا لوجودنا. لكنه يبقى في محصلته عنفاً، لأنه يشترط رفض السلوك الآخر العنيف بدوره، وإقصاءه تماماً). لكن وجود الديكتاتور في أي زمان ومكان، هو فضيحة بحق الأخلاق، بحق سلطتها وقيمتها كمطلقٍ آسر. وتكرار نماذج الديكتاتور عبر التاريخ يشكل دلالة على أن البشرية إلى الآن، أخفقتْ. وبأنها لم تفلح تماما بإنتاج نماذج حكم تليق بالأخلاق التي نشدو إليها. وبالتالي، فإن الأخلاق لا تزال بعيدة تماما عن متناولنا. إننا نتوهم امتلاكنا لها وسيطرتنا عليها وتدجينها في نفوسنا. وهي القانون الذي يحدد مستوى الفعل، ورد الفعل، والذي يكبح الرغبات التي تنطلق خارج سلطة العقل. وبالتالي، فإن الغريزة تسبق الأخلاق. وتبقى الأخلاق في الخلف، محاوِلةً شد الغرائز إلى الوراء ليس منعاً لتدهور العالم والمجتمع.. إلخ، بل منعاً لتدهور الأخلاق نفسها.
الأخلاق إذاً وُجدت لتحمي نفسها. والأخلاق، عُرِّفت على أنقاض النفس البشرية. كانت كفرقة إنقاذ طارئة احتجنا إليها جميعا لكي نكبح غرائزنا، لكي لا ننزلق من عقلنا، من محاولتنا لفهم العالم والمحيط. لكن، إذا ما بقيت هذه الأخلاق تتحرك في دائرة معاركها السرية، أي في نفس كل فرد، فإن الأمر لا شك سيرتد عليها مردودا صعبا. لأنها إذا انتصرت انتصارا مطلقا، وإذا تمكنت من كل أهواء النفس وغرائزها، وكبحت كل نشاط حيواني أو كل شهوة أو رغبة غير محببة، فلا شك أنها (الأخلاق) ستشهد مرحلة ساكنة تكون فيها قائمة على خط مستقر تماما، لا شيء يستفز وظيفتها، ولا شيء يعكر صفو نومها. في هذه الحالة، سيتصرف الجميع في تعميم اللياقات، وسيبدي كل واحد احتراما عظيماً للآخر، لن تكون هناك مشاجرات، تقفل السجون مثلا، ويطلق سراح المشكك بأمرهم، وتهدم غرف التعذيب، ولا يعود من حاجة إلى بوليس. أي أننا سنشهد بشرية مدنية تحكم نفسها بنفسها، وبالتالي لن نحتاج كذلك إلى حكومات ولا إلى حدود، ولا جنود ولا مراقبي جوازات السفر، وستتوقف الصناعات العسكرية، وسيصبح استخدام المعدن أقل، ولا حدود ستبقى بين بلد وآخر. في هذه النسخة من البشرية، ستنتفي المغامرة، لأن التواصل الاجتماعي بين الأفراد سيتم على أسس مضبوطة ومعروفة ومعممة عالميا، ولن يكون تعميمها تجاريا ولا بما يشبه الدعاية، بل نفسيا. تعميما يتقاسمه البشر سواء، جميعهم، ويتفقون عليه ضمن مسلمة اللاخطأ. وطبعا، لن يشهد العالم حوادث سياسية تذكر، وستختفي الصحافة تدريجيا. فلا أحد سيحتاج أن يقرأ خبرا ليصدقه، ما دامت الحياة قائمة على مبدأ الصدق (الصدق أحد مزايا الأخلاق). لكن، ما الذي سيبقى من النسخة القديمة من العالم؟ لا شك، أشياء كثيرة. سيكون بينها أمران: الموت، والمرض. هل سيكون الشعور بالخسارة فعلا أخلاقيا أم لا أخلاقيا في عالم كهذا؟ فإذا شعرنا بالخسارة، يعني أننا فقدنا مقومة من مقومات قوتنا، وبالتالي فإن اللحظة التي نشعر فيها بالخسارة، هي لحظة نشعر فيها بأننا أضعف. والشعور بالضعف يعني اهتزازاً في ثقتنا بأنفسنا، بل بجميع مكوناتها التي تضمن تماسكها، وهذه المكونات هي جملة الأخلاق المكتوبة والفضائل المُمارَسة.
تدريجيا، سيجر المرض والموت الحياة إلى موقعها الاول، الخرافي والمُشكِّك، إلى نوازعها القديمة، وسيكون استصدار هذه النسخة من الحياة الأخلاقية مضيعة لوقت البشرية، وتجميدا للبحوث العلمية مثلا، التي قد تؤدي في كثير من الأحيان، إلى إنتاج مضادات للمرض أو سعياً لإطالة عمر الإنسان. نحن هنا، في تطوير مجتمع للخلوص إلى واحد من نموذجين: حياة تعمها الأخلاق ويستفحل فيها المرض (بكل توابعه وتفاعلاته ونتائجه الجانبية كإنتاج عقل مُجهَد)، حياة أخرى يسيطر فيها على الأمراض لكنها تكون إلى حد كبير مفرغة من الأخلاق. في كلتا الحالتين، هناك خلل ما. خطأ. ينتج ويكرر نفسه، وبعد أن يتعبأ بالظروف اللازمة والمؤثرات التربوية أو المدرسية او الاجتماعية خارج سلطتي المدرسة والمنزل، يتجسد في صيغة ديكتاتور. لا يعود السؤال في هذه الحالة متمحوراً حول حاجة البشرية إلى ديكتاتور بل: هل يمكن للبشرية أن تُخرّب تسلسلا من اللحظات، تسلسلا ضروريا من لحظات متعاقبة تؤدي إلى إنتاج ديكتاتور؟ أغلب الظن لا . فنحن لن نستطيع ما حيينا، أن نتفادى صناعة الزمن لديكتاتور جديد، وحتى في أشد مراحلنا تطوراً.
‘ شاعر من فلسطين