من الجزائر إلى فرنسا وبالعكس ـ آن أوان الاعتذار

ساعتان وربع تقلع الطائرة من الجزائر العاصمة وتحط في مطار شارل ديغول. لكنك في هذا الزمن القصير تنتقل من عالم إلى آخر ومن بلد المستعمر (بفتح الميم) إلى بلد المستعمر (بكسرها)، من بلد المليون شهيد أو ما يزيد إلى البلد الذي أرداهم قتلى. من بلد بقي يقاوم الاستعمار الفرنسي مدة 132 عاما فلم يكل ولم يمل، وكلما أجهضت ثورة تجمعت الأسباب لإطلاق ثورة جديدة، إلى بلد كان يعتبر الجزائر جزءا من فرنسا وظل يكابر إلى أن رفع شارل ديغول الراية البيضاء وأعلن في جملته الشهيرة التي أطلقها عام 1959 ‘الجزائر للجزائريين’ وتعرض بعدها لمحاولة الاغتيال من المتطرفين، صاحب ذلك تمرد المستوطنين الفرنسيين في الجزائر وعددهم يربو على المليون. العاصمة الجزائرية بنيت على طريقة العاصمة الفرنسية. المباني البيضاء ذات الرونق الهندسي الجميل تنتشر على شاطئ البحر وكأنها باريس التي تتلوى مع نهر السين. الفرق الآن شاسع فالمباني الجميلة في العاصمة الفرنسية بقيت محافظة على رونقها وجمالها وتجددها، بسبب حمايتها من التلوث والصيانة المستمرة التي حافظت على جماليات المباني، من دون أن تفقد تاريخيتها. أما المباني في العاصمة الجزائرية فقد علاها التلف والغبار وآثار عوادم السيارات فتبدو متعبة مترهلة مثقلة بنوازل البيئة، وملوثة تستصرخ الصيانة والاهتمام الرسمي والشعبي. كم أتمنى أن أزور العاصمة البيضاء في المرة القادمة وأجدها وقد أعيد إليها ما تستحقه من نضارة وجمال وتجدد لتعود كأنها عروس تلبس ثوبها الأبيض وتغسل رجليها في البحر وتبتسم لمستقبل زاهر لملايينها الأربعة.
الجزائر مسكونة بالماضي، تحاول أن تبقي الثورة العظيمة التي خاضها الشعب الجزائري بقيادة جبهة التحرير الوطنية حية في العقول والقلوب. عام 2012 المنصرم وافق الذكرى الخمسين للثورة، أقيمت الاحتفالات في كافة الولايات تحت شعار كتب بالضبط هكذا:’ما زال واقفين’. وهو شعار مهم يعكس حجم العثرات التي مرت فيها دولة الاستقلال، وكان يمكن أن تؤدي إلى ضياع أو انهيار أو تفتت. أولى تلك العثرات تمثلت في قرار الرئيس الأسبق هواري بومدين بتأميم النفط عام 1971، الذي دفع فرنسا إلى فرض عقوبات اقتصادية هائلة كادت أن تطيح بالبلاد، لولا المساندة من بعض الأشقاء بتأمين احتياطي من العملة الصعبة إلى أن استطاع الاقتصاد المحلي استيعاب المضايـــقة الفرنسية بالتعافي بعد ارتفاع أسعار النفط بعد حــــرب رمضان 1973. كان ذلك التأميم أشبه بقرار جـــمال عبد الناصر تأميم قناة السويس عام 1956، الذي أدى إلى العــــدوان الثلاثي.
وكما أفشل ناصر العدوان الثلاثي وأصبحت مصر متحررة سياسيا واقتصاديا، أفشل بومدين العدوان الاقتصادي الفرنسي وبالتالي أنجزت الجزائر استقلالها الاقتصادي بعد تسع سنوات من الاستقلال السياسي. بقي أمام القيادات الجــزائرية مسألة الاستقلال الثقافي، وهو الأصعب والأخطر والأطول عمرا ومعاناة. نستطيع أن نقول الآن بعد 51 سنة من الاستقلال السياسي أن الجزائر كادت أن تتحرر ثقافيا من هيمنة اللغة الفرنسية، بعد أن أنجز تعريب جميع الدوائر والوزارات والإدارات، لكننا لا نستطيع أن نقول إن اللغة العربية في الجزائر تخلصت تماما من رواسب الماضي.
أما التحدي الأكبر والأهم الذي واجهته الجزائر فكان في العشرية السوداء، كما يسميها الجزائريون، في إشارة إلى تلك السنوات العشر أو يزيد التي دخلت فيها البلاد مرحلة صراع الإرادات بين جبهة الانقاذ الإسلامية، التي اكتسحت صناديق الاقتراع عام 1991 وقام الجيش بإلغاء نتائج الصناديق قبل وصول الجبهة إلى سدة الحكم. ذلك الإلغاء أدخل البلاد في شبه حرب أهلية بين جيش متمكن وقوي وملتزم وبين جماعات مسلحة آثرت أن تحسم الصراع لصالحها بالقوة المسلحة وتدمير بنية الدولة. لقد وجهت سلاحها إلى مؤسسات الدولة ثم إلى الكتاب والصحافيين والمغنين، وانتهت بذبح الأبرياء من أبناء القرى والأرياف وركاب الحافلات. وقد تورط الجيش أيضا بارتكاب بعض المجازر التي ثبتتها تقارير المنظمات الدولية. هزمت الجماعات المسلحة عسكريا لثلاثة أسباب، أهمها غياب الحاضنة الشعبية، حيث أصبح المسلحون فئات منفصلة عن الشعب تعيش حياة التشرد في الجبال وتمارس الإرهاب ضد المدنيين، مما أفقدها أي نوع من الغطاء الجماهيري، بل تكتلت معظم فئات الشعب والقوى السياسية خلف الجيش الوطني. والسبب الثاني تماسك الجيش والحزب الذي يخضع أساسا لتوجيهات الجيش وأي إعتراض جاد لسياسة الجيش يؤدي إلى الموت (محمد بوضياف) أو الاستقالة (الأمين زروال). والسبب الثالث هو دعم الدول الكبرى، خاصة فرنسا لموقف الجيش، حيث قطعت كافة سبل الدعم للجماعات المسلحة. وعندما طرح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة فرصة المصالحة والعفو الشامل في مستهل ولايته الثانية، عاد آلاف الشباب من الجبال وبدأت تذوي قوة الجماعات المسلحة إلى أن انتهت أو كادت. فاحتفالات الذكرى الخمسين كانت مناسبة للتأكيد على أن الجزائر في طريقها الآن إلى الاستقرار والتعافي الاقتصادي والتقدم بخطى أوسع نحو التعددية والديمقراطية واحترام الإنسان الجزائري ومكوناته السياسية والتأكيد على هوية البلاد العربية الإسلامية، من دون المساس أو التضييق على جزء مهم من الشعب من أبناء القبائل الأبطال، الذين لو لم يكن منهم إلا العقيد البطل الشهيد عميروش لكفاهم ذلك فخرا، فما بالك وهناك آلاف الشهداء والقادة والمجاهدون الكبار.
عظمة فرنسا لا تخطئها العين. فجولة في باريس ومتاحفها وحدائقها ومعالمها ونهرها وأبراجها تبهر النفس وتفتح أمامك صفحات عريقة من التاريخ. لكنه تاريخ مغمس بدماء شعوب عديدة من فيتنام شرقا إلى جزر المارتنيك غربا، ومن بلدان القارة الافريقية إلى بلاد الشام. هذه كنوز الدنيا كلها سرقت ووضعت في متحف اللوفر وأورسي وغيرهما. تحتاج يوما أو بضع يوم للاطلاع على الكنوز المنهوبة من بلاد الفراعنة والهلال الخصيب. كنوز الحضارتين الفرعونية في مصر والبابلية في العراق معروضة أمامك. كيف تم نقل هذه التمائيل العملاقة والحجارة الضخمة والمعابد المكتملة إلى هنا؟ لماذا تسمح الدول ببقاء كنوزها المنهوبة في متاحف الغرب؟ مصر قررت مقاطعة اللوفر بعد أن ثبت أنه اشترى خمس قطع أثرية بطريقة غير شرعية عام 1980 وتم عرضها في المتحف عام 2003، أي أن نهب الآثار ما زال مستمرا. وتحت الضغط قرر المتحف إعادة القطع الجدارية الضخمة المسروقة من مقبرة فرعونية في البر الغربي من منطقة الأقصر. آثار بابل وحضارات العراق القديمة تشغل حيزا كبيرا. النسخة الأصلية لشريعة حمورابي تجذب الآلاف وتثير إعجابا لما تضمنته من قوانين رادعة. متى يسترد العراق ثرواته المنهوبة؟ بعض تلك الثروات دمر إلى الأبد عندما تغاضت سلطات الاحتلال الأمريكي عن نهب المتحف العراقي في بغداد بعد التاسع من نيسان/أبريل 2003، فتمت سرقة آلاف القطع وتدمير بعضها إلى الأبد. لقد عملت القوى الاستعمارية ليس فقط على نهب ثروات الشعوب المستعمرة، بل على نهب آثارها وتراثها وسجلات تاريخها المدونة على الحجارة والمعادن والورق. صحيح أن هذه المتاحف الكبرى حافظت على تلك القطع الأثرية التي لا تقدر بثمن وأمنت لها مشاهدة واسعة لا تتوفر في بلاد العرب خاصة وقد تتعرض للنهب أو الحرق أو التلف، ولكن إبقاءها معروضة من دون تعويض للبلد الأصلي يثير الكثير من الحنق والقهر.
ما زالت فرنسا تكابر وترفض الاعتذار للجرائم التي ارتكبتها في حق الشعب الجزائري لمدة 132 سنة. على الأقل تلك الجرائم التي ارتكبتها بعد أن وعدت الشعب الجزائري بمنحه الاستقلال في حالة انضمام أعداد منه في الحرب العالمية الثانية للكفاح ضد النازية. وهكذا كان، صدق الجزائريون الوعود فانضموا لقوات الحلفاء الذين هزموا النازية. خرج الشعب في مظاهرات عارمة يوم 8 أيار/مايو 1945 مطالبين بالاستقلال فانقضت عليهم قوى الشر الفرنسية وأباحت المدينة لمدة أسبوعيين تقريبا، سقط على أثرها ما بين 17000 ضحية و 20000 جريح حسب الرواية الأمريكية و45000 حسب الرواية الجزائرية. مذابح صطيف وقالمة وخراطة كانت البداية وبدأ بعدها مسلسل القتل الذي رفع العدد إلى ما يزيد عن المليون عشية الاستقلال.
بدأت فرنسا بين الحين والآخر تشير بشكل خجول وموارب إلى نوع من الأسف على تلك المذابح. وقد عمد الرئيس السابق ساركوزي في زيارته للجزائر عام 2007 الى أن يتجنب الإجابة المباشرة عن السؤال، لماذا لا تعتذر فرنسا عن جرائمها في الجزائر؟ فراح ينظر عن التطلع للمستقبل وقال ‘ليس للندم مكان في العلاقات الدبلوماسية. أنا لم آت هنا لجرح المشاعر ولا لطلب الصفح، فتلك أحداث تاريخية والتاريخ جزء من الماضي’. لكن ساركوزي عندما كان وزيرا للداخلية عام 2005 دفع باتخاذ قرار من البرلمان بتمجيد ماضي فرنسا الاستعماري، لكن الرئيس شيراك رفض توقيع القرار وإلا لأصبح قانونا ملزما. الكنيسة الكاثوليكية يحق لها أن تعتذر لليهود، وألمانيا اعتذرت للفرنسيين عن احتلالها لفرنسا والجرائم التي ارتكبت فيها من قبل المانيا الهتلرية، واعتذرت فرنسا عن معاملتها لليهود تحت حكومة فيشي العميلة للنازية واعتذرت ألمانيا عن المحرقة اليهودية، وما زالت تدفع التعويضات إلى يومنا هذا لإسرائيل التي لم تكن أصلا موجودة. هذه الحالات لا تنطبق على الجزائر حسب رأي ساركوزي.
لقد تفاءل الجزائريون خيرا بانتخاب فرنسوا هولاند، خاصة أنه اختار الجزائر في 19 كانون الأول/ ديسمبر 2012 لتكون أول محطة لزياراته للمستعمرات الفرنسية السابقة مستبدلا التقليد المتبع لدى الرؤساء الفرنسيين باختيار المغرب للزيارة الأولى. لكن هولاند في زيارته للجزائر اقترب أكثر من سابقيه الى الاعتراف بالمذابح، من دون الاعتذار. وقد جاء في استطلاع للرأي العام عشية الزيارة أن 35′ من الشعب الفرنسي يعارض فكرة الاعتذار، بينما يؤيد الاعتذار الواضح 13’، في حين يطالب 26′ أن تعتذر الجزائر أولا عما فعلت بعملاء فرنسا والمستعمرين الفرنسيين الذين كان يطلق عليهم ‘الأقدام السوداء’.
إذا كان الاعتذار مرفوضا الآن على الأقل لما يعنيه من مسؤولية أخلاقية تتبعه تعويضات هائلة لضحايا المذابح، فعلى السلطات الجزائرية أن تبقى تصر على أن تطبيع العلاقات بشكل دائم يجب أن يكون مقرونا بالاعتذار، وفتح أرشيف الاحتلال الفرنسي للجزائر وتقديم خرائط مفصلة عن شبكات الألغام التي زرعها المحتلون الفرنسيون في الجزائر، وما زالت تتصيد الأبرياء من سكان الأرياف والبوادي وتذكرهم بشكل دموي عن معنى الاستعمار والثمن الذي دفعه الشعب الجزائري كي يعيش حرا ومستقلا وسيدا على أرضه وثرواته.

‘ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية