بينما يعتبر كثيرون وصول ميشيل عون إلى قصر بعبدا إنجازاً يستحق الاحتفاء، فإن الوجه الآخر لسد الفراغ الرئاسي بالجنرال الثمانيني يعمق أزمة التوازنات في لبنان، أخذاً بالاعتبار أن مشروع عون رئيساً استتبع بتكليف سعد الحريري برئاسة الحكومة اللبنانية، في جولة جديدة من التحاصص السياسي الذي يبدو أخطر من المعادلة السابقة للمحاصصة الطائفية.
ما الذي يمكن أن يقدمه الجنرال الذي تطلع وتشوف طويلاً لمنصب الرئاسة في لبنان؟ وكيف يمكن أن يتحدث أصلاً عن استقلالية قراراته في ظل قدومه ضمن معادلة تسوية بين حزب الله الذي كان الجنرال ضمن ترسانة خياراته، وبين تيار المستقبل الذي يقف في المواجهة بقدرته على التعطيل والتسويف، وهو الدور الذي أتقنه حزب الله سابقاً باستخدام استراتيجية الثلث المعطل لإعاقة مشاريع الحكومات المطروحة في مرحلة ما قبل الربيع العربي. لا يحوز تيار المستقبل ولا رئيسه الحنكة التي امتلكها حزب الله في السنوات الأخيرة، كما أن تيار المستقبل لا يحظى اليوم بالدعم السعودي الذي كان أساساً لحضوره في الساحة اللبنانية سابقاً، ويستثمر التيار أوراقه الأخيرة بين أبناء الطائفة السنية، ليستحوذ على حصتها في ترتيبات الحكم بلبنان.
وفي ظل الانفتاح بين الطرفين، وعدم قدرة أي منهما على ابتلاع الآخر، ومع وجود تباينات في المواقف في المعسكر الذي يتزعمه حزب الله مع تحفظات الرئيس بري والمغبون سليمان فرنجية، وتباينات مقابلة تمثلت في تلهف الحريري للعودة من جديد لرئاسة الحكومة، بما يعطيه قبلة الحياة من جديد في خضم مشكلاته الاقتصادية والمالية العديدة، فإن حديثاً عن خروج لبنان من مأزق الانقسام السياسي يبدو مبكراً للغاية، وقبل ذلك متفائلاً بشدة. حزب الله المشتبك في تواجد مكثف في سوريا لا يريد أن تتحول لبنان لمنصة تصدر القلق والمتاعب للشركاء في دمشق، ولكن ذلك يكبده تكلفة عالية من شعبيته في لبنان، وفي المقابل، فإن تيار المستقبل يبدو مفرغاً من معنى وجوده نتيجة تراجع الغيمة السورية عن السماء اللبنانية وبما يوحي بصعوبة عودتها للوتيرة السابقة نفسها، وبين طرفين يعانيان من أزمة وجودية يتسرب مزيد من الأرق والوهن لوجود الدولة في لبنان، فالمحاصصة لا تقتصر فقط على مناصب سياسية يجري تدويرها بين زعامات طائفية، ولكنها تمتد لتصبح غطاء لتوزيع المكتسبات على أرضية غض النظر المتبادل تجاه ممارسات الطرفين، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي، وفي النهاية فإن المواطن اللبناني يدفع الثمن لصيانة المنظومة التي تسنزف طاقات وإمكانيات بلده المتواضعة دون عائد ملموس في المقابل.
الفراغ الرئاسي في لبنان كان يمثل حالة صحية ضمن شكل الشذوذ القائم في بنية الدولة اللبنانية، الذي لم يعد قابلاً للحياة الطبيعية في العصر الراهن، فكل ترتيبات المحاصصة تنتمي لظروف أكل عليها الدهر وشرب، وكان الفراغ الرئاسي يمثل الوضع الذي يمكن أن يحرك المواطن اللبناني تجاه البحث عن حلول أخرى خارج صندوق الأدوات التقليدي، الذي لم يتردد عن توظيف الخوف والترهيب من أجل استمراره، وهي الوضعية التي لا تستثني طرفاً دون الآخر، فالجميع يطرح الطائفة بوصفها الملاذ الذي يمكن الوثوق فيه والتعويل عليه في مواجهة الدولة السلبية والتوافقية لدرجة الميوعة.
حالة الفراغ الرئاسي كانت تفرز اصطفافات واسعة داخل كل طائفة، بحيث كانت المسؤولية تتوزع على الجميع، وبما يحفز البحث عن حل وراء المتاح والممكن في لبنان، وبما يضع لبنان في قاطرة التغيير بالمنطقة، وعلى الرغم من السمعة السيئة للتغيير بعد اخفاق الثورة السورية ودخولها في صيغة الحرب الأهلية والحرب بالوكالة في المنطقة، فإن ذلك لا يعني استبعاد التغيير من قائمة الاختيارات التي يجب أن تتصدى لها الشعوب العربية، والرئيس بالحد الأدنى من التوافق سيصبح جزءاً من المشكلة لا الحل كما يتوقع البعض، فالهشاشة والهوائية والذرائعية والانتهازية كلها مصطلحات يمكن أن توصف التنازلات الدرامية التي حدثت في الأيام الأخيرة قبل تنصيبه برلمانياً في مشهد يختصر بؤس الطبقة الحاكمة في أكثر الدول العربية خبرة بالممارسة السياسية، وبالنزاعات والنزوات السياسية يمكن أن يعود الوضع للتصعيد، وستساعد في ذلك طبيعة شخصية الجنرال التي يعرفها المقربون له والمناهضين لوجوده، فمشروع ديكتاتور هو ما يطمح له عون ضمن تركيبته الشخصية العصبية والصدامية، وذلك المشروع هو آخر ما يمكن أن يقبل به اللبنانيون، مع أنه ربما يكون الحل الذي تتطلع له لبنان، وكانت قريبة منه في رئاسة فؤاد شهاب.
ما زالت الفرصة الخافتة لإحداث تغيير جذري في لبنان قائمة، فالحراك عبر وفوق الطائفي الذي جسدته فعاليات الاحتجاج في ساحات بيروت في الأشهر الماضية يستطيع أن يتجاوز صدمة الضوء الخاطف الذي يجري تقديم الرئيس عون من خلاله، ويمكن للأسابيع أو الشهور المقبلة أن تفرغ إنجاز حل معضلة الرئاسة في لبنان من مضمونه، فالخروج من عنق الزجاجة يمكن أن يجري أيضاً من خلال دفع المحبوسين فيه إلى قاعها مرة أخرى، والتغيير لم يعد الكلمة التي توحي بالانتقال للأفضل، لأن الانتقالات للأسوأ تبقى محتملة وحاضرة وقابلة للتحقق في كثير من الحالات. الفراغ كان يترك مساحة خالية أمام الحراك اللبناني الجديد، وعودة المنظومة للعمل سيجعل من المهمة أصعب، خاصة ألا أحد في لبنان يتوقع من الرئيس، ومن مجمل النخبة السياسية، أن تلتفت للمعاناة اليومية التي يعيشها اللبنانيون والمتمثلة في الخدمات السيئة وغير المنتظمة، فالرئيس مهمته في لبنان أن يضبط حالة التفاعل السياسي بما يحول دون الوقوع من جديد في ورطة الاقتتال الأهلي، وذلك دور يدفعه لممارسة الترضية والبحث عن التوافق ولا يمكنه من ممارسة سلطة الحكم في توجيه الدولة نحو الأولويات المرتبطة بالناحية المعيشية للمواطنين. يمكن لكل طرف أن يحصل على فسحة من الزمن ليستعرض مكتسباته ويقيم خساراته ليستعد لجولة جديدة من الأخذ والرد حول تشكيلة الحكومة اللبنانية الجديدة ومدى تعبيرها عن المعادلات الطائفية والتقاطعات الإقليمية نفسها، ويبقى المواطن اللبناني البسيط الذي لم يحصل على شيء من طائفته أو دولته سوى الصورة الرمزية التي يدفع ثمنها مقدماً دون أن يتمكن غالباً من استرداده سوى في صورة غطاء وهمي لوجوده منتمياً لأحضان طائفة ما في دولة استسلمت لفكرة الكعكة، يبقى ذلك المواطن مستبعداً ومهمشاً وغير صاحب قرار أو رأي.
لبنان يستحق أفضل من ذلك، واللبنانيون يمكنهم أن يتحولوا لأمة مؤثرة بما يليق بإمكانياتهم ومواهبهم وانفتاحهم، وكل ما يحتاجونه فقط أن يتركوا لشأنهم دون وصاية أو حماية، فهذه الوصاية المزعومة لم توفر لهم شيئاً وهم يتقدمون لتحقيق مختلف الإنجازات في أمريكا اللاتينية وأفريقيا بوصفهم أكثر الشعوب العربية قدرة على المبادرة والمغامرة مدفوعين باليأس أو الغضب أو الحلم الفينيقي القديم.
كاتب لبناني
سامح المحاريق