رغم وجود حالة غضب حقيقية واسعة لدى أكثرية الشعب المصري بسبب الأزمة الاقتصادية والارتفاع الجنوني للأسعار، إلا أن الدعوة للتعبير عنها لن تكون «ثورة غلابة» اليوم الجمعة (11-11) كما توقع البعض.
أما الأسباب فهي أكثر تعقيدا ويطول شرحها هنا، وبكلمات واضحة فإن عدم حدوث ثورة أو مظاهرات ضخمة اليوم لا يعني «نجاح النظام» سياسيا أو «فشل الشعب» في التعبير عن أوجاعه. وقد احتفل واحتفى بعض مؤيدي النظام بقرار تعويم الجنيه باعتبار أنه نتيجة «مؤكدة» لتجاوز الأزمة الاقتصادية، وتجاهلوا تفاقم الغضب الشعبي، والشكوك بإمكانية النجاح في احتواء أزمة الدولار.
ومن الغريب أن يخرج أولئك يوميا في وسائل الإعلام مشددين على أن تعويم الجنيه سينجح قريبا، وانه سيعود إلى سعر السبعة أو الثمانية جنيهات التي كان عليها قبل أشهر قليلة، مذكرين بأن سياسة التعويم نجحت في مصر عام 2003. وبالطبع فإنهم يتجاهلون، أن مصر في ذلك العام كانت ناجحة في استقطاب الدولار نتيجة السياحة الواسعة وتزايد الاستثمار، وهو ما تعاني منه البلاد اليوم. ورغم وصول حجم انهيار الجنيه التاريخي والمؤلم لـ18 جنيها مقابل الدولار، إلا أن الاقبال مازال ضعيفا لتوفير العملات الاجنبية. ويؤكد خبراء على أن الوضع الاقتصادي سيتأزم على المدى البعيد من غير عودة السياحة والاستثمارات الواسعة بشكل خاص، وهذا يتطلب تطورات سياسية وأمنية ضمن حالة من انفتاح اجتماعي واسع.
ويدرك كثيرون في مصر هذه الحقيقة المرة، وربما كانوا خططوا للمشاركة في مظاهرات سلمية في 11-11 لدفع الحكومة إلى اتخاذ قرارات حتمية لاحتواء غضب وإحباط الفقراء، إلا أن استغلال المؤيدين والمعارضين للنظام ذلك أفسد عليهم هذا الحق الإنساني البديهي.
بعض المؤيدين اعتبروا أن كل معارض سيكون «ارهابيا» حتى اذا خرج دون أي سلاح أو استخدام أي مظهر للعنف أو الاساءة لأي مسؤول. وفي المقابل اعتبر معارضون من خارج مصر أن المظاهرة ستدعو لإعادة تنظيم الاخوان (..) أو إعادة الرئيس المعزول محمد مرسي إلى منصبه، في استغلال سياسي واضح لمطلب شعبي لا علاقة له باجندتهم الخاصة. وكان الأولى الاكتفاء بالمطالبة الشعبية الحقيقية لإنقاذ ملايين المواطنين من المعاناة، بدلا من استغلال أزمتهم.
ومن الناحية الأمنية، قررت الحكومة استغلال ذلك وإثارة الرعب في الشارع من القيام بأي مظاهرة، حتى إن كانت قانونية ومسالمة تماما وتعكس حقا دستوريا لا يمكن انكاره. وإذا فشلت فكرة المظاهرة اليوم، فالمؤكد أن هذا لا يعني نجاح النظام.
فوز ترامب وفرح السيسي
لم تكن مجرد نتيجة مفاجئة لانتخابات رئاسية، بل إنها ثورة حقيقية تتعلق بصدمة أقرب إلى حرب، ضد سياسات محلية ودولية للولايات المتحدة، ذلك أن عددا من اصدقاء ترامب تم اختيارهم بالفعل لتولي مناصب شديدة الاهمية والخطورة، بينها رئاسة المؤسسات الأمنية والمخابراتية، وسياسة وقف دخول المهاجرين، ووضع سياسة جديدة تجاه دول الشرق الاوسط، ومنها سوريا ودول خليجية، حسب مصدر بريطاني. ومن الواضح أن بريطانيا وفرنسا بشكل خاص تشعران بقلق واضح من فوز ترامب لأسباب عديدة، وتكفي الاشارة إلى السعادة العلنية الواضحة في روسيا من الثقة في التعاون مع الرئيس الامريكي الجديد الذي كان مرشحها الرسمي في الانتخابات. ويبدو أن القرار الشعبي المفاجئ في بريطانيا للمطالبة بمغادرة الاتحاد الاوروبي كان نتيجة اسهمت في مفاجأة الانتخابات الامريكية والواضح أن هدفهما المشترك هو الحد من استقبال المهاجرين، نتيجة تزايد الإرهاب في الشرق الاوسط وبعض دول اوروبا. وبكلمات اخرى فإن اتساع الاعمال الارهابية كان عاملا رئيسيا في الفوز المفاجئ لترامب. وكل متابع للأحداث يربط بين الاعمال الارهابية المتزايدة في امريكا مؤخرا وارتفاع أسهم ترامب بالفوز.. بكلمات أخرى فإن الارهاب والارهابيين والرعب الذي اشعلوه في العالم ادى إلى النجاح التمييزي ضد المهاجرين في بريطانيا وامريكا، ودول اخرى.
اما مصريا، فكان السيسي، الاسرع في العالم إلى الاتصال مع ترامب وتهنئته بفوزه. وتكفي الاشارة إلى تصريحات الرئيس الامريكي الجديد بعد لقائه مع السيسي قبل اسابيع بقوله: «قضينا وقتا طويلا من الحوار، وعرفت حالة من التوافق النفسي بيننا، ووجدته رجلا رائعا». أما وجهة نظر السيسي فتتلخص في امرين اساسيين: الاول التعاون مع امريكا في محاربة الارهاب عبر مساعدات امنية واقتصادية إلى مصر. اما الثاني فعمل امريكا «الترامبية» على تطبيق سياسة جديدة للقضاء على حركات اسلامية متطرفة. وبكلمات اخرى فان القاهرة ستتوقع اجراءات امريكية عديدة ضد جماعة الاخوان سواء في الداخل أو الخارج.
إنه انفجار حقيقي في الوضع السياسي للشرق الاوسط، وعلى الرغم من وجود دول اوروبية ستصر على سياساتها المختلفة مع امريكا الجديدة، إلا أن الفارق الهائل في ميزان القوى باتفاق ترامب وبوتين لابد أن يمثل قوة واسعة لا يمكن تجاهلها. فيا له من عصر شرق اوسطي جديد.كاتب مصري من أسرة «القدس العربي»
خالد الشامي