ديمقراطية أمريكا: الذي أوّله شرط…آخره… ترامب!

حجم الخط
6

 

الآن وقد انتُخب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة، خلافاً للغالبية الساحقة من استطلاعات الرأي والتوقعات والتحليلات، داخل أمريكا أوّلاً، وخلافاً أيضاً للمنطق السليم المستمدّ من المعطيات الأمريكية ذاتها، أوّلاَ أيضاً؛ ثمة ما يبرر وقفة وجيزة حول الديمقراطية الأمريكية، وكيف يمكن لأعرافها أن تتيح للمواطن الأمريكي أن يخدع نفسه بنفسه، مثنى وثلاثاً، في العقود المعاصرة تحديداً. ذلك لأنّ انتخاب ترامب هو، على أكثر من نحو، بمثابة إعادة إنتاج للسياقات الشعبوية التي أتاحت انتخاب جورج بوش الابن، ليس مرّة واحدة بل اثنتين؛ وفي سياقات لا تقلّ سوءاً، واحتشاداً بالتسطيح والاستغباء والاستغفال، عن هذه التي أوصلت ترامب إلى البيت الأبيض. ليس دون تبيان فارق نوعي، طارئ نسبياً، هو مقدار الطفح العنصري، وابتذال الموقف من المرأة، ورهاب الأقليات، في خطاب ترامب.
«إنْ تخدعني مرّة، فالعار عليك. وإنْ تخدعني مرّتين، فالعار عليّ»! هكذا يقول المثل الشعبي الأنغلو ـ ساكسوني الشهير، وهكذا يصحّ أن يُقال لأمريكا التي انتخبت ترامب، بعد أن انتخبت بوش الابن مرّتين. ففي الولاية الأولى نجح الأخير مصادفة، تقريباً، بقرار من المحكمة الفدرالية العليا، وبسبب بطاقات الاقتراع الفاسدة، ودون الحصول على أغلبية في الاقتراع الشعبي؛ ولكنه، بعد أربع سنوات، لم يفز بالضربة القاضية وحدها، بل بالضربة القاصمة الماحقة! صحيح أنه في الهيئة الانتخابية لم يسجّل سوى أربعة أصوات فوق الحدّ الأدنى المطلوب للانتخاب، ولكنه في رصيد الاقتراع الشعبي امتلك ما لم يمتلكه أيّ رئيس في تاريخ الولايات المتحدة! ولقد تفوّق على خصمه الديمقراطي، جون كيري، بأكثر من ثلاثة ملايين ونصف مليون صوت؛ وتفوّق على رونالد ريغان ــ درّة الرؤساء الجمهوريين وقدوتهم الأعلى حتى الساعة! ــ بأكثر من أربعة ملايين صوت.
كلّ هذا حين كان الرئيس شخصياً، ومعه موقع الرئاسة إجمالاً، في ذروة مآزق متعاقبة، اقتصادية وسياسية وأمنية. ومن الإنصاف التذكير بأنّه ما من مرشّح رئاسي أمريكي واجه كلّ هذا العدد من «مفاجآت أكتوبر»، أي تلك العراقيل والصعوبات والفضائح والأزمات والأحداث التي تطرأ، على نحو مباغت متعمّد غالباً، خلال الشهر الذي يسبق التصويت، ويمكن أن تؤثّر في مزاج الناخب الأمريكي، وتبدّل الرياح مثل دفّة السفينة. العالم، بأسره تقريباً، كان يناهضه؛ وكذلك نصف مواطنيه، وغالبية صريحة من وسائل إعلام بلده الأكثر نفوذاً وهيبة؛ بل إنه هو نفسه بدا ضدّ نفسه، حين كرّر وأعاد واستعاد حفنة أفكار بسيطة مبسطة، حول الإرهاب والأمن والقِيَم وحرّية الإرادة الأمريكية. ومع ذلك فقد اختارته الديمقراطية الأمريكية، بل شدّدت على الخيار، وضجّت به وعجّت!
وهذا رجل شنّ حرباً خارجية على أسس كاذبة، واحتلّ العراق للأسباب الكاذبة ذاتها؛ ويصعب أن تكون الديمقراطية، التي اختارته في المرّة الثانية، قد تناست تماماً بربرية أبنائها في سجن «أبو غريب» العراقي؛ بل الأسوأ، غير المستبعد، أن يكون بعض الناخبين قد صوّتوا وهم يعيشون شذوذ التلذّذ الساديّ، ذاته أو بعضه، الذي حرّك سلوك برابرة «أبو غريب»! وهذه، كذلك، ديمقراطية صوّتت وهي تعرف جيداً أنّ المرشح الذي تمنحه أربع سنوات إضافية من حكم أمريكا/ القوّة الكونية الأعظم (والعالم بأسره، في نهاية المطاف)، سوف يواصل حملاته الصليبية هنا وهناك، محاطاً بالبوارج وحاملات الطائرات، وجيوش المحافظين المتشدّدين والرجعيين المتدينين والمكارثيين الجدد والقدماء.
وقبل يوم من إعادة انتخاب بوش الابن، اقتبس دافيد كلارك، في الـ»غارديان» البريطانية، فقرة مدهشة من كلام قاله السناتور الأمريكي الليبرالي الشهير وليام فولبرايت قبل أربعة عقود وأثناء حرب فييتنام، عن وجود أمريكتَين وليس أمريكا واحدة: «الأولى كريمة إنسانية، والثانية أنانية ضيّقة؛ واحدة ناقدة لذاتها، وأخرى ممتدحة لصواب ذاتها؛ واحدة متعقلة، وأخرى رومانسية؛ واحدة طيبة المزاج، وأخرى كظيمة؛ واحدة معتدلة، وأخـــرى طافحة بالكثافة العاطفية؛ واحدة حكيمة، وأخرى متغطرسة في استخدام القوّة العظمى».
وبالطبع، كان كلارك قد اقتبس فولبرايت لكي يذكّر بأنّ قوله ذاك ينطبق أشدّ الانطباق على حال أمريكا يومذاك (حالها اليوم، بمعدّلات عالية، مع انتخاب ترامب)؛ وأنّ تصويت أيّ من هاتين الأمريكتَين أمرُ يخصّ العالم أيضاً، ولا يخصّ الولايات المتحدة وحدها. وكتب يؤكد: «النتيجة [في انتخابات الرئاسة الأمريكية] سوف تحدّد ما إذا كانت أمريكا ستمدّ ذراعيها إلى العالم بروح الشراكة، أو تواصل نزعتها الرفضية العنيدة. ولسوف تحدّد ما إذا كانت هذه الحربّ سيئة التوجيه ضدّ الإرهاب، سوف تواصل تفاقمها إلى حرب حضارات تعرّضنا جميعاً للأخطار، أم أنها سوف تنقلب إلى حملة فعّالة لمعالجة الأسباب السياسية وراء الإرهاب».
ومن المبكر، غنيّ عن القول، الحكم على «سلّة الخيارات» التي سوف يعتمدها ترامب في السياسة الخارجية إجمالاً، وفي الملفات الساخنة (سوريا، العراق، «داعش»، مفاعيل «الربيع العربي»)، والعلاقة مع الحلف الأطلسي وروسيا، بصفة خاصة. ذلك لأنّ كلام الحملات الانتخابية يمحوه النهار التالي بعد الفوز (وهذه القاعدة كانت ستنطبق على هيلاري كلنتون أيضاً)؛ لأنّ الأمر يعتمد على مقدار «الثوابت» التي يحق ـ أو لا يحقّ، غالباً ـ لأي رئيس منتخَب أن يمسّ بها في نطاق المصالح الحيوية العليا للولايات المتحدة؛ مثلما يعتمد على فريق الرئيس، في الخارجية والدفاع والاستخبارات، ومدى انسجام البيت الأبيض مع الأغلبية في الكونغرس (حتى إذا كانت جمهورية صرفة، بالمناسبة، كما باتت الحال اليوم مع رئاسة ترامب). وحتى ساعة كتابة هذه السطور، كانت التقارير تشير إلى صعوبات كبيرة تواجه فريق ترامب المكلّف بتشكيل الإدارة الجديدة، بسبب أنّ عدداً كبيراً من كوادر الحزب الجمهوري، وخاصة أولئك الذين تولوا مناصب هامة في إدارتَيْ بوش الابن، قد توافقوا على عدم العمل مع ترامب خلال الحملة، أو اعتذروا لتوهم بعد فوزه.
جلي، في المقابل، أنّ الديمقراطية التي أتاحت انتخاب ترامب، وقبله بوش الابن مرّتين، جديرة بأن تترك الدروب معبّدة أمام سيد البيت الأبيض نحو انتهاج خيارات قصوى في السياسة الخارجية؛ قد لا تكون عسكرية بالضرورة، وبمعنى التدخل الخارجي والاحتلال والغزو، ولكن بمعنى العربدة الكونية (على غرار تعهد ترامب بالتراجع عن اتفافية المناخ مثلاً)، وإعلاء مطالب مجموعات الضغط التابعة للصناعات العسكرية، أو اعتماد سياسات انعزالية في أنظمة التبادل والتجارة… ولن يكون هذا إلا وجهة جديدة لتكريس أوالية قديمة سبق أن اعتنقها عدد من رؤساء أمريكا الجمهوريين، كان آخرهم بوش الابن. وإذْ أعلن الأخير أنه، وزوجته لورا، لم يصوّتا لترامب (ولا لكلنتون، بالطبع)، فإنّ ترامب، رغم هذا، خير خلف لذلك السلف؛ حتى حُقّ للمرء أن يستعيد المثل الشعبي الشهير، عن الذي خلّف فما مات!
يبقى، ختاماً، أنّ واحدة من كبريات نقائض الإيديولوجيا الأمريكية، إذا جاز التعبير، أنها تقيم علاقة تعسفية بين مفهومَيْ «الرأسمالية» و»الديمقراطية»: إذا نُظر إلى الرأسمالية كعقيدة لاقتصاد تنافسي ينتج قوى السوق، فإن الديمقراطية الليبرالية هي بالضرورة عقيدة السياسة التنافسية التي تخلق التعددية السياسية. الميزان الحسابي النهائي هو التالي، ببساطة: تصدير رأسمالية أكثر، وديمقراطية أقلّ. وإذْ تعلّق الحملات الأمريكية من أجل حقوق الإنسان لافتة الغاية الأخلاقية (الديمقراطية)، فإن الحملات من أجل اقتصاد السوق لا تجد مفرّاً من إعلان الربح وفائض القيمة (الرأسمالية)، فتكون المعادلة هكذا: لكي نعطيكم الديمقراطية ينبغي أن تقبلوا الرأسمالية… بشروطها/ شروطنا التبادلية الراهنة.
والذي أوّله شرط، آخره… ترامب!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

ديمقراطية أمريكا: الذي أوّله شرط…آخره… ترامب!

صبحي حديدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية