في الحاجة إلى استفاقة عربية فكرية وعلمية

إذا ما اتّجه نظر العربي المعاصر نحو الغرب وتياراته، يجد نفسه أمام حضارة من أكثر الحضارات تعدّدية وجدليّـة في التاريخ، لا يمكن اختصارها ببعد واحد أو اتّجاه واحد فهــي تحرّر واستعمار، مثال ومادّة، إلحاد وإيمان، ليبرالية واشتراكية، إباحية وانضباط .
إنّهــا الحضارة التي وصفها أرنولد توينبي بأنّها في عصر التحوّلات الكبرى تتميّز بنوعين من الأشخاص التاريخيين: الأوّل يرتدّ إلى الماضي أو السلف في مواجهة التحدّي الجديد. والثاني ينفتح على العالم استيعابا للتحدّي ذاته. وخير ما يمثّل هذه الشخصية ذاك النمط السائد عربيا في العلاقة مع الحضارة الغربية حيث يتحوّل العربي والمسلم إلى مستهلك جيّد لمنتجات تلك الحضارة وإبداعها التقني والعلمي وتغيب عنه محاولة إبداع المثل أو تجاوزه أو توفير شروط إنتاج القيم الإنسانية والمرتكزات العلمية والعقلية، التي أدّت إلى تقدّم تلك الحضارة، فينتهي الأمر به إلى الإغراق في «الحداثة الماديّة» (استيراد التقنيات واستغلالها) وتغيب عنه «الحداثة الفكرية» بما تعنيه من إبداع المفاهيم والتصّورات وصياغة الرؤى وتحصيل الآليّات للإنتاج العلمي والتطوّر الحضاري.
إنّ الهدف من رصد المعرفة بلورة الوعي التاريخي الفكري العربي، وسبر أغوار الحاضر بين الماضي والمستقبل حتى لا يظل الغرب وحده صاحب الوعي التاريخي، يحقّب مراحله ويدعونا إلى الدخول في إحداها والحال أنّه تحقيب لا يمثّل طبيعة حركتنا الثقافية أو يثبت مناحيها الأصلية وخصائصها الحقيقية، ولا هو تصنيف يستجيب لمراحل البناء الثقافي العربي الإسلامي ولخصائص تشكّله. فعلى المفكر العربي – والحال كذلك – أن يتخلّـص من إطلاقية سلطة المرجعية فــي طرحه لإشكالاته وفي بنائه لنظرياته. فالدّعوة إلى الإبداع تستدعي تجاوز هذه الحالة الفكرية التي تجعل المفكّر العربي أسير سلطة المرجعية الفكرية ضمن منظور من منظورات التحليل النظري فتؤخّر بذلك إمكانية بناء النظرية الفلسفية أو التئام المكتشف العلمي التجريبي، خدمة للإنسانية الشاملة، وكما بدأ المترجمون والحكماء القدماء بتمثّل الوافد على مراحل عدّة : الترجمة ونشأة المصطلح الفلسفي والعلمي والتعليق، ثم العروض الجزئية والكلية والتنسيق المنطقي ثم التأليف ابتداء من اجتماع تمثّل الوافد وتنظير الموروث وصولا إلى الإبداع الخالص. كذلك على الفكر الفلسفي والعلمي المعاصر أن يسلك المنوال نفسه بحثا عن الاستئناف الحضاري في جميع أشكاله تأكيدا للفعل العربي في التاريخ الانساني المشترك، لاسيما وأنّ إنتاج الفكر البشري هو سلسلة من الاكتشافات والإنجازات، تترابط حلقاتها وتتفاعل بصورة تجعل من هذا الفكر نتاجا عاما ساهمت في إبداعه قوى الإنسان العقلية بما يعكس التكامل في عملية تنامي الفكر البشري بكلّ خصوصياته، فيستحيل حينئذ انقطاعه لأنه نبض الوجود الإنساني لأيّ هوية جماعية، وفي هذا السياق الذي يحيل على تراجع العطاء الفكري المعاصر يتعاظم الدور المرتقب والمنشود للفكر العربي الإسلامي بأن يتجاوز مشكلة الماهيات ومستوى التعريفات، إلى مستوى الإسهام في مستقبل الفكر البشري وفق وعي ثقافي وفلسفي وعلمي يثري بتحقّقه واستمراريته في المكان والزمان البيئة الثقافية العربية الإسلامية المعاصرة.
وقد لا نرى حلاّ لحال الفكر العربي الإسلامي إلاّ بكسر طوق الجمود، وتحقيق استقلال فكري فلسفي وعلمي في الزمان الحضاري بإعلاء شأن العقل والعقلانية، مع أنّ ذلك لن يكون بالخيار السهل ولا الإرادي، فلا شيء يأتي ويظهر من فراغ فتلك عملية تاريخية مديدة ذات شروط ومستلزمات واسعة، فكرية وحضارية شاملة يستحيل مع الفكر العربي بواقعه الرّاهن الذي وصفنا أن ينتقل إليها إن لم ينجز أوّلا وفي الأساس عملية انتقاله إلى صياغة قوله الإبداعي لدخول حداثته الفلسفية والعلمية التي يفترض أن يكون شرطها الأوّل نجاحه بانتزاع حقّ التفكير والتفلسف الحرّ من السّلطات على اختلافها، والتي بطبيعتها تخشى نور الفلسفة والفكر النقدي عموما، أمّا شرطها الثاني فوعيه أنّ الحداثة الفلسفية لن تكون بالاتّباع أو التقليد إنّما بالإبداع الحرّ الذي يضيف جديدا جوهريا يتجاوز به المعارف الثبوتية واليقينية المتداولة في مضمون الرؤيا أو في بنيتها كما في المنهج الموصل إليهـا. إنّها الإضافة التي تغير موقع القديم، فتتفادى أن تكون الفلسفة العربية الإسلامية ومكتشفات العرب العلمية مجرّد ميراث جامد يحفظ في أرشيف الذاكرة الجماعية بالتحقيق والتفسير ويزار بين الحين والآخر من أجل التفاخر والتباهي بالأمجاد. 
تبـدو الحاجة ملحّة اليوم إلى أن نعيد إلى الفلسفة وظيفتها النقدية وأدواتها التقويمية لتلعب دورا تحريريا وتنويريا في قضايا الإنسان والمجتمع، ولتعود من جديد إلى مهمتها في تأسيس نظرة شاملة حول الإنسان وقضاياه بأبعادها المعيارية الجوهرية والإبستيمولوجية والأنطولوجية والمنطقية ينحو بمقتضاها «العقلاني» نحوا استقلاليا، فلا يكون عبدا لأيّ سلطة، لا سلطة الماضي، ولا سلطة التقاليد بأن يقع تحت وطأة التراث فيقهر حرّيته في التفكير وفي العمـل، ولا سـلطة الإيديولوجيـــة التي تنـــطوي عليها البنية الثقافية لمجتمعه ولا سلطة أي نظام، فكريا كان أو اجتماعيا أو سياسيا. وإنّ منجزات الحضارة الحديثة الماديّـة هي أجدى أدوات الإنتاج وأكثرها نفعا للهيئة الاجتماعية، ولا فكاك عنها رغبة أو رهبة علاوة على أنّ الاستفادة من الثورة العلمية والتقدّم التقني العظيم الذي حصل في مجال الحياة والطب والرقميات والاتصال وتمظهر في تكنولوجيا عالية الدقّة من شأنه أن يدفع الفكر إلى صياغة نظرية تفكيكيّة وتحليليّة وتأليفيّة في شكل أبستمولوجيا عامّة تؤسّس قولها المفهومي المجرّد الخاص بها والمعبّر عن وعي الكلّي بذا،ته لأنّ السبق إلى حوز المعرفة المتجدّدة والتحكّم في تطويرها وفي حدود نشرها، أداتان أساسيّتان لاكتساب عناصر القوّة المعنوية والماديّة معا، مع تزويد الفلسفة بما يلزمها من أدوات للكشف عن الجذور الاجتماعية للفكر، وعن كيفية تسرب التأثيرات الإيديولوجية إليه وكيفية تطويع المجتمع لمفهومات أساسية كمفهومي العقلانية والحقيقية وصولا إلى منظومة متماسكة من المفهومات والمقولات والمبادئ المعيارية التي يمكننا ضمنها أن نفهم واقعنا الإنساني فهما شموليا لغرض تغييره، وأن نحوز فهما شاملا للحاجات الإنسانيّة وطبيعتها المتطوّرة وللأهميّة النسبية لكلّ منها في ميزان القيم.
كاتب تونسي

في الحاجة إلى استفاقة عربية فكرية وعلمية

لطفي العبيدي 

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية